ميكي ماوس الرئاسي

ميكي ماوس الرئاسي

صور السيسي في حملته الانتخابية، في الاسكندرية (Getty)

تحمل صور السيسي في كل أحوالها وظروفها وزواياها نواة سخريتها، الرجل الذي يشبه موظفي الحكومة رجل كليشيهي في طريقته وكلامه وتصوراته عن البلاد، ولا يختلف بالفعل عن أدنى موظف في السلم الإداري للدولة. غير أن السيسي ضعيف أمام فيتيش الزعامة، بتصوارتها المشهدية، وعليه فهو لا يمكن أن يكون رجل دولة مثلما كان حسني مبارك، بل مجرد مجنون عظمة بخيالات صوفية عن الزعامة.

لا يمكن للسيسي أن يكون رجل دولة مثلما كان حسني مبارك، بل مجرد مجنون عظمة بخيالات صوفية عن الزعامة

وعليه، إن ما يلاقيه الناشط عمر نوهان، في السجن العسكري المصري بعد الحكم عليه بالحبس لثلاث سنوات، ليس إلا نتيجة لخيالات مجنونة عن مفهوم الزعامة والتراتبية الوظيفية معا، ديكتاتورية موظف حين تتبدى خطوات وقوانين، تحبس شابًا صمم صورة خيالية للسيسي بأذني ميكي ماوس. ابتسامة السيسي موحية دائمًا، تفاصيل وجهه مثيرة للإبداع، تحركاته بنت الكوميديا خاصة أنها كوميديا عفوية ليست مقصودة في ذاتها.

ضحكة السيسي مع أذني فأر ديزني، كأنها تجسيد لكارتونية الشخصية وما فيها من مبالغات، على أن السيسي أكثر شبهًا بدونالد أو بطوط أكثر من شبهه بميكي ماوس، فالسيسي مثل بطوط تمامًا في ادعائه معرفة ما لا يعرفه غيره، مثل بطوط في الشكوى من قلة الأموال وعدم القدرة على تدبيرها بالقليل، يشبهه في تعامله العنيف مع أبناء أخته سوسو ولولو وتوتو الذين يكيلون له المقالب مرة بعد مرة، وعقابه المبالغ فيه دائمًا.

هكذا يواجه نوهان سجنًا عسكريًا بسبب صورة، ويمر الحكم مثلما مرت العشرات غيره دون أن نملك إلا وسم #عمر_نوهان وإعادة نشر الصورة الجريمة، فيما يلاقي الشاب مصيرًا قاسيًا في سجون الذات السيساوية المتضخمة.

بالتدريج ستمر حكاية نوهان مثما مر غيرها، وستزداد الذات السيساوية المسكونة بالعصاب الرئاسي حساسية تجاه ما يفعله الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنه لا يخضع لسيطرة الدولة ولا قدرتها على التنظيم، إنه العالم المنفلت بقواعده المتجاوزة للواقع، لذلك ليس بيد الدولة والسيسي ومن معهم إلا أن يسحبوا الافتراضي إلى الواقع وإخضاعه لعصابه. يمكن الآن لأي حساب أن يكون معرضًا للمحاكمة، للتتبع، للمساءلة، في ظل دولة تتحسس من سخرية غير مؤذية إلا لخيالاتهم المقولبة عن احترام الكبير وهيبة الزعيم.

الآن حتى الاهتمام بقضية نوهان لم يتجاوز مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يحظ باهتمام أي موقع أو صحيفة مصرية، ربما لأن خبر إلقاء القبض على شاب وتقديمه لمحاكمة ملفقة لم يعد بالأمر المستغرب، وفي السجون العسكرية العشرات من المحكوم عليهم بالإعدام دون السن القانونية. يبدو أن الواقع الافتراضي يكتفي بذاته مع وجوده المهدد بالرقابة من قبل الدولة المصرية، وقد خرجت الكثير من الشائعات بنية منع التطبيقات التآمرية مثل سكايب وفايبر، وهو ما لايمكن تأكيده أو نفيه حتى الآن، لكن عصاب الدولة يمكن أن يصل إلى تفعيل مثل هذا القرار.

سيقضي نوهان الثلاث سنوات معاقبًا على أذنين قادمتين من عالم الكارتون، مدركًا أن ميكي ماوس الرئاسي كلفته باهظة، فبطوط السيسي لا يحب السخرية.