"ميغادوك".. عن فرانسيس فورد كوبولا والمقامرة الأخيرة
26 يناير 2026
يلاحق الفيلم الوثائقي "ميغادوك" (Megalodoc) منابع الشغف، وطرائق الهوس وتجلياته في المخيلة البشرية. يتابع أسئلة الإبداع ومشروعيته الأخلاقية، إلى الحد الذي يصبح فيه من المعقول والمنطقي أن تسكن فكرةٌ عقلَ وجسدَ إنسانٍ لأكثر من ثلاثين عامًا، وألا تستقيم حياة هذا الشخص إلا إذا جسّد ما تخيّله، ومنحه نبضًا وصوتًا وحياة. قد نجيب عن هذه الأسئلة، وإن فشلنا، فسنبقى نفكر بها بعد الانتهاء من مشاهدة الفيلم الوثائقي ميغادوك، الذي ليس في الحقيقة سوى فيلم آخر عن كواليس صناعة فيلم فرانسيس فورد كوبولا، ومشروعه الأخير الختامي لمسيرته الإبداعية "ميغابوليس" (Megalopolis).
عن الشغف والآباء المعلمين
منذ اللحظات الأولى للفيلم، ندرك أننا أمام أكثر من مجرد إحالات أرشيفية للمفهوم السهل "ما خلف الكاميرا". نحن أمام سيرة شغف ممتدة، ومواجهة أخيرة مع الزمن. فيلمٌ أقدم عليه سينمائي عظيم بعد مسيرة عمر، لم يستطع معها إلا أن يخوض، ومن أجل حلم وفكرة، لا مغامرته فحسب، بل مقامرته الأخيرة ربما، مضحيًا، بشكلٍ أصيل وحقيقي، بكل ما يملك من جهد وفكر ومال، صارفًا ما جمعه طوال عمره 120 مليون دولار، وراهناً حتى ساعة يده التي صممها بنفسه مع الشركة السويسرية الشهيرة باسم (F.P. Journe FFC Prototyp) .
لا يتوان كوبولا عن إخبارنا، ومنذ البدء، عن مرجعيته الأخلاقية والروحية لإنجاز هذا الفيلم، مستشهدًا بالمخرج الفرنسي جاك تاتي، وبشكلٍ خاص بتجربته الأخيرة أيضًا في فيلم "زمن اللعب". ذلك الفيلم الذي موّله تاتي بنفسه، وبنى من أجله مدينةً متكاملة لتكون موقع التصوير، قبل أن يفشل جماهيريًا فشلًا ذريعًا. فشلٌ كان كوبولا يتوقعه مسبقًا لمشروعه "ميغابوليس"، ويبدو أنه كان مستعدًا لدفع ثمنه، تمامًا كما فعل سلفه الذي اتخذه معلمًا.
منذ اللحظات الأولى للفيلم، ندرك أننا أمام أكثر من مجرد إحالات أرشيفية للمفهوم السهل "ما خلف الكاميرا". نحن أمام سيرة شغف ممتدة، ومواجهة أخيرة مع الزمن
جاك تاتي وإلهامات تتوالى
يُعدّ فيلم "زمن اللعب" مغامرةً إنتاجية وفنية غير مسبوقة في تاريخ السينما الأوروبية. صنع المخرج الفرنسي جاك تاتي، أحد أبرز روّاد ما يمكن وصفه بـ"الكوميديا البصرية"، هذا الفيلم مراهنًا على المشروع إلى أقصاه. مصطلح الكوميديا البصرية هنا يُفعّل الإضحاك خارج الكلام، خارج الحوار أو النكتة. يتم اختراع الضحك عبر الصورة ذاتها، من حركة الجسد داخل الفضاء، حيث تتحرك الشخصية داخل التكوين المعماري، وبقلب الإيقاع الدقيق للتفاصيل الصغيرة التي تخلق المفارقة.
موّل تاتي الفيلم بنفسه، وبنى لأجله مدينة كاملة خصيصًا للتصوير، عُرفت لاحقًا باسم "تاتيفيل"، واضعًا شخصياته في مواجهة مدينة حديثة صلبة، باردة، مربكة، مليئة بالتناقض، ومولّدة للضحك. عند صدوره عام 1967، فشل الفيلم جماهيريًا فشلًا ذريعًا، وكاد أن يدمّر جاك تاتي ماليًا ويُنهي مسيرته. غير أن الزمن أنصف المغامرة. اليوم يُعدّ "زمن اللعب" تحفة سينمائية كبرى، يُحتفى به ويُدرّس بوصفه رؤية استباقية نقدية للعلاقة بين الإنسان والمدينة الحديثة.
فيلم خسر جمهوره في لحظته الأولى، لكنه ربح مكانته في ذاكرة السينما إلى الأبد.
بدون ذرّة إبداع إضافي، وبذات الهوس، أعاد فرانسيس فورد كوبولا إلحاح ما فعله جاك تاتي. المبدعون يبحثون عن آباء، عن اتصالٍ بحبلٍ سريّ، حبل خلاص يربطهم بالمعنى ويمنحهم إحساسًا بالقيمة. يبحثون عن مرشدين روحيين، وعن قيمة كامنة في تجارب من سبقوهم. هذا بالضبط ما قدّمه جاك تاتي لفرانسيس فورد كوبولا، لا إرثًا معرفيًا فحسب، بل تجربة تُقلَّد وتُحتذى.
"ميغادوك" شاهدًا على الجنون
لم يُنتَج فيلم "ميغادوك" بروحية الفيلم الوثائقي التقليدية. صحيح أنه أمضى أشهرًا في كواليس فيلم كوبولا، لكنه، وبرغم ما اقتطعه من وثائق وشهادات، حافظ على موقعه الحميمي كسند لمخرج كبير في محنته الإبداعية. حمل ضمن لقطاته فهمًا غير مجحف لعملية الإبداع ووصفها المعقّدة، متفهمًا الهوس الذي يقف خلف مثل تلك الوصفة. يتتبّع الفيلم الرحلة الطويلة والشاقة لصناعة "ميغابوليس"، الحلم السينمائي الذي طارد فرانسيس فورد كوبولا لأكثر من ثلاثة عقود.
في الفيلم، نرى أمام أعيننا، مخرج بحجم كوبولا، بعد مسيرة أسطورية توّجها بـ"العراب" وأعمال شكّلت تاريخ السينما، يعود هنا مرتعدًا، هاويًا، مرتبكًا بأسئلة بديهية لا تشبه من كرّس أسطورة جمالية واطمأن. يرينا الفيلم فنانًا يضع نفسه في مواجهة الخطر، في قلب الحريق والشك، مجابهًا الزمن في جسد مخرج ثمانيني. يوثّق "ميغادوك" مقامرًا حقيقيًا في فيلم، ولأجل فيلم، يُصنع بتمويل ذاتي، وبرهانات جمالية كبرى، وبإصرار على إنجاز فيلم طوباوي عن المدينة، والسلطة، والإنسان، مهما كان الثمن.
الحقيقة وألف وجه للقمر
خلف الكاميرا نرى مخرجًا غير قابل للمساومة، ليس الآن، بعد أن أمضى عمرًا في اللامساومة. مخرج لا يبحث عن النجاح السهل، ولا عن تكرار مجده السابق، بل عن عمل يسمح له بالاستمرار في الحلم. هكذا يصبح "ميغادوك" فيلمًا عن السينما، نعم، لكنه أيضًا فيلم عن العمر، وعن اللحظة التي يختار فيها الفنان أن يغامر بكل ما يملك كي يبقى على قيد الإبداع.
أخرج السينمائي البريطاني مايك فيغيس فيلم "ميغادوك"، لكنه دخل المشروع كما لو أنه مختبر بصري مفتوح. نُفّذ المشروع الضخم عن الفيلم الضخم واعيًا تمامًا للجانب الأرشيفي كما للجانب الإبداعي. التقط الزمن في آنيّته، مستخدمًا حلولًا تقنية مرنة وسريعة، وتصويرًا بعدة كاميرات، ما أتاح التقاط لحظات العمل، والتوتر، والارتباك، دون تعطيل سير التصوير الأساسي. قُسّم الفيلم بنيويًا ضمن مراحل الإنتاج، لا وفق تسلسل زمني كرونولوجي، من التحضير إلى البروفات، مرورًا بلحظات الانهيار، وصولًا إلى إعادة البناء، مع تركيز خاص على ديناميكية الموقع، وعلى حضور فرانسيس فورد كوبولا كمخرج لمشروع حيّ، متحوّل باستمرار.
السينما وسؤال الإبداع الأبدي
حوّل فيغيس "ميغادوك" إلى فيلم عن طريقة التفكير التي يحملها كوبولا، أكثر من كونه فيلمًا عن طريقة التنفيذ. أصرّ على تشريح الآلية التي تجعل من السينما عملية مفتوحة على المخاطرة، لا منتجًا نهائيًا معلّبًا. عُرض فيلم "ميغادوك" للمرة الأولى في مهرجان فينيسيا، بالتزامن مع الظهور العالمي الأول لمشروع "ميغابوليس"، في سياق عروض مرتبطة بالمهرجانات والعروض السينمائية الكبرى.
أفلت الفيلم بجدارة من وظيفته التنبؤية. لم يفصح عن حكمه بفشل فيلم كوبولا أو نجاحه. لم يحضر باعتباره تعليقًا نقديًا استباقيًا، إذ أتى حائرًا هو أيضًا، أتى مشغولًا بالإجابة عن سؤال آخر، أكثر عمقًا وخطورة: ماذا يفعل الشغف بالإنسان حين يطول أمده؟ إلى أيّ حدّ يمكن أن يقوده قدره؟ إلى المجد أم للإفلاس، ربما معًا؟