"ميديا" ربيعة تليلي.. صراخ من أجل الخلاص

من العرض

هل من الممكن أن تضحي امرأة اليوم بالوطن والأهل؟ هل من المحتمل أن تضحي بالأب والأخ من أجل حب رجل ما؟ هل من السهل أن تقتل الأبناء، انتقامًا وتفضيلًا لذاتها ولكرامتها؟ وهل من الممكن أن تتغلّب الأنانية وحب الذات على الواجب؟

هذا ما يضعنا أمامه العرض الفرنسي التونسي "ميديا" الذي قامت بإعداده وكتابته وتمثيله وإخراجه من وجهة نظر معاصرة وحداثية الفنانة التونسية ربيعة تليلي، وهو عرض يتشابك مع حياة ميديا اليوم والعصر الحالي بمنظور المرأة العربية المغتربة البعيدة عن الموطن والأهل، فالعرض اندمجت فيه ميديا العربية (بأداء ربيعة تليلي) مع ميديا الإغريقية للكاتب التراجيدي يوربيديس وميديا الألمانية للكاتب هنريك مولر.

يتشابك العرض المسرحي "ميديا" مع حياة ميديا اليوم، بمنظور المرأة العربية المغتربة البعيدة عن الموطن والأهل

تخبرنا الأسطورة الإغريقية أن ميديا، والتي يعني اسمها الماهرة لأنها كانت ماهرة حقًا في السحر، أحبّت جاسون وساعدته على الحصول على الفروة الذهبية من وطنها، وقدمت له تضحيات كثيرة كأن قتلت أخاها وقطّعت جثته وألقت بها في البحر، لينشغل والدها الملك بجمع الأشلاء المتناثرة، وتهرب هي مع حبيبها ليتزوجا في كورنثة. وبعد مرور أعوام وإنجابهما لثلاثة أطفال، بدأ جاسون في البحث عن تأمين وضعه الاجتماعي حيث كان منفيًا وليس له أي حقوق سياسية أو مدنية في كورنثة، فسعى للزواج من ابنة كريون ملك كورنثة. وهنا غضبت ميديا وقررت الانتقام من زوجها الخائن، فاتفقت مع الملك أيجيوس العقيم على أن تعطيه دواء يساعده على الإنجاب مقابل أن يضمن لها ملجأ عنده بعد إنهاء مهمتها، قتل جاسون. أول الضحايا ستكون زوجة جاسون الجديدة، من خلال ثوب مسحور أرسلته إليها ميديا مع أطفالها الثلاثة وبمجرد أن ارتدته اشتعلت فيها النار، وجاء والدها الملك لينقذها فاحترق معها. ثم جاء الدور على جاسون نفسه فكان الانتقام منه بقتل أطفاله الثلاثة، الذين هم أطفالها أيضًا، كي تدمر مستقبله وآماله التي كان يبنيها عليهم.

اقرأ/ي أيضًا: منصور الصّغير.. أن تقهر المسافات بالمسرح

العرض التونسي الفرنسي وإن يبدو محاكيًا للأسطورة، إلا أنه ربما يطرح واقع أغلب المشاكل الزوجية اليوم التي يمرّ بها العديد من الزوجات في الشرق والغرب، كما أنه يبدو كمثلث رعب بالنسبة للكثير من الفتيات المقبلات على الزواج (يبدأ بالتضحية والوعود، ويتعقّد عند الخيانة، وينتهي بالقضاء على الأبناء). إنه حقًا واقع يومي مرير للكثير من قصص الحب والزيحات التي تفشل وتهلك أمام خيانة أحد الطرفين ويكون ضحيتها هم البناء، وليس بالضرورة أن ينتهي مصير هؤلاء الأطفال إلى مثل ما انتهي إليه مصير أبناء ميديا،  فلربما الضياع والمستقبل المجهول لهو أكبر وأشرس من القتل. كما إنه، العرض، يتطرق إلى واقع تختبره أغلب المغتربات، فالحروب التي شتتت الكثير من العرب إلى دول العالم الغربي صنعت بداخلهم خوف وريبة من حاضر قاسٍ ومستقبل مجهول يفتقد إلى الأمان.

عن آليات العرض المسرحي لهذه الأسطورة، وكيف عولجت لتصبح معاصرة وتتماس مع قضايا مشاهد اليوم، نرى المخرجة وهي ممثلة العرض خرجت عن التوقعات الذهنية للمشاهد، وجسّدت ميديا كمونودراما صاغت فضائها المسرحي بحيث يواكب تطورات العصر الحالي، لتخرج الأحداث من نطاق الميثولوجيا إلى التمثيلات الواقعية، فاستخدمت تليلي شاشة الفيديو لقصّ أحداث الماضي على الجمهور لنرى منها وجهًا آخر للشخصية الواقفة أمامنا على الخشبة، ونراها هائمة تسير فوق صخور مرتفعة يتمايل رداؤها ويتطاير شعرها مدفوعًا بنسمات الحرية التي ترغب بها ميديا اليوم. كما نرى على هذه الشاشة لقطات لهذه الميديا على مخدع تتشارك فيه رجل، هو "جاسون" اليوم، للإشارة إلى تلخيص واقتصار علاقتهما في حدود الجنس فقط.

ميديا ربيعة تليلي

وبينما كان الفضاء المسرحي محدود الإمكانيات الفنية، إلا أن ربيعية تليلي تلعب اللعبة مكشوفة الأدوات، تخرج وتدخل من وإلى مساحة الأداء بسبلاسة، تقطع الزمان والمكان وتنتقل بينهما بحيث ننتقل معها بسهولة ومرونة. وعن لغة لعرض، فقد استخدمت لغتين (الفرنسية والعربية بلهجة تونسية)، هذا بجانب لغة الجسد التي تحررت من التابوه المجتمعي الشرقي، وجنحت إلى الحرية في خلع وارتداء الملابس أمام الجمهور، وكانت كاشفة من الجسد أكثر مما تخفي. هذه الحرية وإن تبدو فقط مقتصرة على الحاجة المباشرة لتبديل الملابس الملاصقة للجسد، إلا أنها تشير بوضوح إلى فجاجة التصرف الذي تتخذه ميديا إزاء أبنائها الذين هم قطعة من هذا الجسد.

أما ملابس الجيش التي ارتدتها تليلي، وأسلحة الحرب كالبندقية والرشاش الآلي، فهي أدوات ميديا اليوم، ميديا العالم العربي، باعتبار المرأة هي الوطن والأرض تقف بين صفوف الرجال أثناء المعركة، فأسلحتها تغيرت وأصبحت مواكبة لأسلحة جيوش الزمن الحالي. وهنا تتغير الدلالة للرجل في العرض، فبدلًا من كونه ذلك الحبيب الظالم المحطم لثقة الذات ومكانتها، أصبح هو ذلك العدو الخارجي الذي يهدف لتحطيم الأوطان وتشتيت قواته وتهجير أبنائه. وارتدائها ملابس تقليدية تونسية (عباءة) قبل ارتدائها ملابس الجيش، تشير إلى مرحلة الانتقال من السلم إلى حالة الحرب والتسليح التي أصبح فيها كل فرد في المجتمعات العربية، كما توضَّح لدى ميديا/ ربيعة تليلي المغتربة مدى الاختلاف الجذري بين الموطن الأصلي ومحدداته، وبين الغربة ولا حدوديتها. وكان لحضور فروة الشاه على المسرح، التي تشير إلى الفروة الذهبية التي ساعدت جاسون لسرقتها من أبيها لتصبح لاحقًا بذرة مآساتها، أهمية كبرى في إيصال معنى مهم، وهو تأنيب ميديا لضميرها على ما فعلته في الماضي، فمثلما خانت أهلها خانها زوجها.

الكبرياء والكرامة التي جُرحت لدى الكثير من نساء العالم العربي دفع بهن إلى الغربة 

ولأننا بصدد مونودراما، فهو عادة ما يكون اختبارًا شديد الصعوبة على أي ممثل أو ممثلة، حتى وإن كسر هذه المونودراما مشاهد أخرى على شاشة فيديو بروجكتور. فالأداء التمثيلي لربيعة تليلي رغم جنوحه أحيانًا إلى الصراخ المفتعل، يضع المتفرج رغمًا عنه في حالة تركيز وتماس مع هذه الشخصية: كيف وإلى أي حد تألمت أثناء ولادة ابنها، وكيف تحولت وقت الغضب والصدمة إلى وحش كاسر يمكنه تحطيم من عانى في الحصول عليه، وهو ما يظهر في تكسيرها عربة الطفل بعنف شديد وإزعاج لأسماع الجمهور، تاكيدًا على فجاجة السلوك وشدة غضبها الذي ذهبت معه أي رحمة من قلبها.

اقرأ/ي أيضًا: "العسل عسل".. الأمور على حالها يا عم بيرم

في النهاية، وتحديدًا هي بداية لحديث طويل لا ينتهي إلا مع نهاية الصراخ والعويل والغربة والشتات، ومن منطلق أننا لا نستطيع فصل أي عمل إبداعي عن مبدعه، فنحن لا يمكننا أن نفصل ربيعة تليلي عن ميديا، فالكبرياء والكرامة التي جُرحت لدى الكثير من نساء العالم العربي والتي دفعتهم إلى الغربة وتسببت في زعزعة الأمان والانتماء هروبًا من قهر إلى آخر، قد يكونون هم الدافع وراء تقديم ميديا في هذا الثوب المغاير هنا والآن ووسط كل هذه الصراعات الدائرة من حولنا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رحيل رجاء بن عمار.. المسرح التونسي في حداد

أحمد رزّاق.. في هموم المسرح الجزائري