موقف الديمقراطيين من فصل ترامب عن السياسة

موقف الديمقراطيين من فصل ترامب عن السياسة

يسعى الديمقراطيون إلى إنهاء مسيرة ترامب المثيرة للجدل (Getty)

قدم مسلسل بيت الأوراق (House of cards) بأجزائه الستة صورًة يمكن القول إنها مقاربة حقيقية بطريقة ما لآلية صنع القرار السياسي في العاصمة واشنطن، دفعت بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوصفه ببرنامج تلفزيون واقع.

تنقل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن شخص مطلع على القضية أن ترامب يريد أن يعرف المُبلغ، واصفًا الشخص الذي سرَّب المعلومة بـ"الجاسوس"

 عكس المسلسل جزءًا كبيرًا من المساومات بين أعضاء الكونغرس الأمريكي، ومجلس الشيوخ لتمرير القرارات بين الحزبين الرئيسيين – الجمهوري والديمقراطي – في الولايات المتحدة الأمريكية مقابل تمرير قرارات ودفعات مالية لمشاريع ساسة الكايبتول هيل في ولاياتهم.

اليوم يعيش الكونغرس الأمريكي فصلًا مهمًا من تاريخية صنع القرار في أروقته منذ تأسيسه قبل أكثر من قرنين ليكون المؤسسة الدستورية الأولى في واشنطن، حيث يريد الديمقراطيون بالعنوان العريض الثأثر من الجمهوريين بعزل أو الإطاحة بالرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، بعدما حاول الجمهوريون لمرتين إذاقتهم من الكأس عينه.

أقرأ/ي أيضًا: من الرفض إلى القبول.. فرص محاولات الكونغرس عزل ترامب

يسوق الديمقراطيون ضد ترامب رزمًا لا حصر لها من الملفات التي تتهمه بانتهاك الدستور، والإساءة للأمن القومي، وعديد التهم الأخرى المصنفة بين الجنائية والمدنية مدفوعًة بتقارير تؤكد عيوبه المكشوفة للراي العام؛ وترامب هو الرئيس الوحيد من أصل رؤساء الولايات المتحدة الـ44 السابقين الذي لم يحظ بأي سيرة سياسية، حيث كان غارقًا في عالم المال والأعمال بمنصب الرئيس التنفيذي لمنظمة ترامب التجارية، على عكس الرؤساء السابقين الذين جاؤوا إلى البيت الأبيض بخلفية سياسية أو عسكرية.

لعل هذا واحد من الأسباب التي دفعت ترامب ليتصدر المشهد بتصريحاته النارية عبر حسابه الشخصي على منصة تويتر الذي كان بديلًا في تاريخه عن البيانات الرسمية.

لا يبدو الرجل معنيًا بأكاذيب السياسة الدولية، يملك وضوحًا جعله يبحث عن عبد الفتاح "الديكتاتور (المصري) المفضل" على قلبه دونًا عن الزعماء الكبار في قمة مجموعة الدول السبع، لا يفوت فرصًة بدون تذكير دول الخليج أو الدول الغنية بأن عليهم دفع المال، أو أنهم يمتلكون ثروات هائلة، أو يجب الدفع  في أتفه الأمور حتى ينالوا حماية الولايات المتحدة، حتى بدا أن الديمقراطيين يروون في هذا الأمر تحويل القوات الأمريكية التي يتفاخرون بقوتها الخارقة في الأفلام السينمائية إلى مرتزقة "بلاك ووتر" منظمة.

مشكلة ترامب مع الجميع أنه صادق. لا يجيد أناقة الحديث مع نظرائه من رؤساء الدول الأخرى، يتعامل معهم من مبدأ تجاري بحت، كما الحال في قضيته الأخيرة التي حاول بها ابتزاز أوكرانيا حتى يتمكن من هزيمة منافسه الديمقراطي جو بايدن في انتخابات الرئاسة الأمريكية العام القادم؛ والآن دخل ترامب في دوامة أخرى بمحاولة معرفة الأشخاص الذين قدموا المعلومات عن مضمون المحادثة التي أجراها مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

تنقل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن شخص مطلع على القضية أن ترامب يريد أن يعرف المُبلغ، واصفًا الشخص الذي سرَّب المعلومة بـ"الجاسوس"، ويضيف الشخص المطلع نقلًا عن لسان نجم برامج تلفزيون الواقع: "تعرفون ما كنا نقوم به قديمًا عندما كنا نتحلى بالذكاء؟... الجواسيس والخيانة. كنا نتعامل مع الأمر بشكل مختلف قليلا عما نقوم به الآن"!

يريد الرجل أن يعرف من وشى بالمحادثة التي جعلت الجمهوريين يبدؤون بتغيير وجهات نظرهم بعدما كانوا يتهمون الديمقراطيين بسوء استخدام سلطتهم في الكابيتول هيل، والحديث يحمل أكثر من تأويل يأتي في واحد منها دعوة مباشرة للانتقام من المُبلغ عن المحادثة. لا أعرف إن كان هناك من يخالفني هذا التخمين.

وفقًا لبيت الأوراق الأمريكي فإن المساومات بين ساسة صنع القرار تدخل أحيانًا في إطار تقديم المنح للأشخاص في حال دعموا أحد المواقف بأن يحصلوا على منصب في الإدارة، لذلك ليس بعيدًا أن نجد المُبلغ يشغل منصبًا في الإدارة الأمريكية القادمة في حال أقّر الكونغرس عزل ترامب، بعد بدء الجمهوريون دعم هذا التوجه؛ لأن مضمون المحادثة من "الأشياء المثيرة للقلق البالغ"، كما يصفها بن ساس السيناتور الجمهوري وعضو لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ، وزاد عليها مدير الاستخبارات الأمريكية بالوكالة جوزيف ماكغواير في جلسة الاستجواب التي واجه بها الخميس نواب الكابيتول هيل بقوله إنها "موضوع خطير وغير مسبوق".

تفاصيل المحادثة لا تؤثر فقط على مستقبل ترامب السياسي الذي يريد الديمقراطيون فصله عنه، بل وصل زلزالها إلى كييف ليهدد منصب زيلينسكي، الذي يتشابه مع ترامب بأنه لم يكن معنيًا بالشأن السياسي سابقًا؛ شهرته في عالم الكوميديا التلفزيونية والسينمائية قادته لمغامرة السياسة. تفاصيل المحادثة التي نشرتها شبكة CNN الأمريكية تكشف عن تناغم واضح دار بين الرجلين، حيث كان ترامب واضحًا في طلب إعادة فتح التحقيق بقضية هانتر بايدن ابن جو بايدن، والأوضح من ذلك إجابة زيلينسكي الذي رد بالقول: "بما أننا فزنا بالأغلبية المطلقة في برلماننا، فإن المدعي العام المقبل سيكون مائة بالمائة رجلي ومرشحي".

إجابة الكوميدي الأوكراني وضعته أمام "موقف سيء جدًا" بحسب تصريح المعارض الأوكراني فولوديمير أرييف، ودفعت بالمعارضة الأوكرانية للتحرك بدعوة مكتب زيلينسكي لنشر نص المحادثة الكاملة مع ترامب مكتوبًة بناءً على طلب من النائب المعارض أوليكسي جونشارينكو، لكن التعبير الأدق يبقى لمدير معهد السياسة العالمية في كييف يفغن ماغدا، الذي اعتبر نص المحادثة يدل على أن زيلينيسكي "لا يملك أي فكرة حول فن التفاوض أو القانون الدولي".

في الموقف الأمريكي يتفق الديمقراطيون – أضعف التقديرات المتنافسين على الترشح لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية – على أن ترامب أساء أولًا للسياسة الخارجية الأمريكية بإلغائه الاتفاق النووي الإيراني، والتنازل عن موقف واشنطن الثابت سابقًا بضرورة تخلي بيونغ يانغ عن برنامجها النووي، والدفع بصفقة القرن التي تهدف لإنهاء حل الدولتين فيما يتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي، إضافة لموقف ترامب غير المعني بانتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

كان ترامب صادقًا حين قال قبل عامين إن الأمم المتحدة لم تحقق أهدافها بسبب البيروقراطية وسوء الإدارة، ودعا حينها لإصلاح المنظومة الدولية، ثم عاد بعدها بأيام قليلة للتشديد على أن واشنطن لا تريد فرض "نمط حياة" على أي دولة أخرى، وتعهد بحماية شعار "أمريكا أولًا" طالما بقي رئيسًا للولايات المتحدة.

دق خطاب ترامب حينها ناقوس الخطر بين حلفاء واشنطن الذين وجدوا أنفسهم وحيدين أمام نهوض الدب الروسي الذي بدأ باستعادة نفوذه دوليًا من بوابة سوريا، ومهاترات الدولة المضادة لثورات الربيع العربي، ودعم ذلك رؤية الديمقراطيين انهيار مبادرة الخارجية الأمريكية للشرق الأوسط، التي أنشأت في ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما، فالأموال التي صرفت بالنهاية على المبادرة ذهبت مع الرياح، وهذا أكثر ما يثير الديمقراطيين الذين يرون أنهم متصدرو المشهد العالمي المدافع عن حقوق الإنسان رغم فشلهم تاريخيًا بذلك.

على الجانبين الأمريكي أو الأوكراني تريد الأطراف التي تحركت ضد زيلينسكي أو ترامب أن تعيد تصويب الأمور لصالحها، في الجانب الأمريكي من الممكن أن يتوّصل الديمقراطيون لتسوية مع الجمهوريين تقضي بعدم ترشح ترامب لولاية ثانية، لكن هذا الخيار مستبعد بالنظر لتظلمات ترامب التي تنقلها على لسانه وسائل الإعلام الأمريكية، ومحاولته اللجوء للمحاكم بغرض التهرب من المأزق الذي وضع نفسه به، ما قد يؤدي فعليًا لانقسام سياسي في واشنطن يؤكد وجهة نظر رئيسة الكونغرس نانسي بيلوسي عندما رفضت سابقًا المضي بإجراءات عزل الملياردير الأمريكي من منصبه.

وفي الجانب الأوكراني تريد المعارضة الأوكرانية استعادة السيطرة على مفاصل القرار السياسي في كييف، نظرًا لأن الكوميدي الأوكراني يبتعد تدريجيًا عن المعسكر الغربي، فقد أظهر تململه من برلين وباريس في المحادثة عينها، حين أفصح لترامب بأنهما "لا يبذلان الجهد اللازم من أجل أوكرانيا" بشأن العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا بعد ضمها شبه جزيرة القرم، ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا، الأمر الذي قد تقوم المعارضة الأوكرانية المحسوبة على المعسكر الغربي باستغلاله لصالحها، وقد يطيح بطموحات زيلينسكي الذي كان يعتقد أن واشنطن ستنشر نص المحادثة الخاص بها، ما قد يصل به للإقالة التي رأى النائب الأوكراني ميكولا نياجيتسكي أنه يستحقها.

أقرأ/ي أيضًا: الكابيتول هيل يصوت لمساءلة ترامب.. هل ينجح الديمقراطيون بعزله؟

وعلى الطرفين تقف روسيا مترقبة لما ستؤول إليه الأمور في النهاية بعدما اعتبر المتحدث باسم الرئاسة الروسية دمتيري بيسكوف أن ما يحدث "شأن داخلي" بين الطرفين، لكن ذلك لم يمنع المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا من الإدلاء بتصريح تهكمي اعتبرت من خلاله أن الديمقراطيين جعلوا "بلادهم أضحوكة أمام العالم".

بالأخص أن تصريح الدبلوماسية الروسية يتوافق من حيث المبدأ مع تصريح السفير الأمريكي السابق في روسيا مايكل مكفول الذي وصف نشر تفاصيل المحادثة بأنه "خطأ كبير وسابقة فظيعة"، مضيفًا في تغريدة نشرها عبر حسابه الرسمي على تويتر بأنه في المستقبل من الممكن عدم "تحدث أي من القادة الأجانب بصراحة مع الرئيس (الأمريكي) في أي مكالمات في المستقبل"، لأن رؤساء الدول يجب أن يتمتعوا "بالحق في ممارسة الدبلوماسية على نحو يتسم بالخصوصية".

 

أقرأ/ي أيضًا:

 لماذا يصر ترامب وجونغ أون على إجراء المفاوضات؟

الرفيق كيم لا يغضب.. يضحك فقط!