"موصل الفن والحياة".. إعادة بناء تراث المدينة وذاكرتها

من المنصة

ألترا صوت – فريق التحرير

فقدت مدينة الموصل العراقية الكثير من ملامحها ومعالمها التاريخية، بعد وقوعها أسيرةً بيد تنظيم الدولة الإسلامي في العراق والشام "داعش"، لأكثر من ثلاث سنوات، تعرضت خلالها لعملية تدميرٍ ممنهجة، سعى التنظيم الإرهابي عبرها إلى محو تراثها الثقافي وإلغائه، عبر نسفِ أبرز المعالم الأثرية القائمة فيها أحيانًا، وتعريض الجزء القديم منها إلى القصف أحيانًا أخرى، من خلال تحويله، عبر تحصّن مقاتليه فيه، إلى أهدافٍ لطيران التحالف الدولي الذي ساهمت ضرباته بدورها، في تدمير المدينة التي يسعى أبناؤها اليوم إلى لملمة شتات ذاكرتها، وإعادة بناء هويتها، عبر مبادراتٍ وفعالياتٍ ثقافية مختلفة، تسعى إلى استعادة روح المدينة المنكوبة.

تتيح منصة "موصل الفن والحياة" للزائر القيام بجولاتٍ افتراضية ثلاثية الأبعاد في عددٍ من معالم المدينة الأثرية

منصة "موصل الفن والحياة" التي أطلقتها "غوغل للفنون والثقافة"، بالتعاون مع "راديو الغد"، واحدة من المبادرات التي تتوسل الفن، على اختلاف أشكاله، لإعادة تشكيل صورة مدينة الموصل وإحياء تراثها الثقافي والعمراني عبر أعمالٍ فنية لأكثر من 35 فنانًا من أبنائها، بالإضافة إلى تقارير مصورة تُضيء على أهم الأحداث التي عاشتها المدينة في ظل حكم "داعش".

اقرأ/ي أيضًا: معرض "مبدعون خالدون".. ذاكرة الحركة التشكيلية المصرية وتحولاتها

تتيح المنصة للزائر القيام بجولاتٍ افتراضية ثلاثية الأبعاد في عددٍ من معالم المدينة الأثرية، مثل الجامع الأموي الذي يُعتبر أول جامع يُبنى في الموصل، والثاني في العراق، والخامس على مستوى العالم الإسلامي، إذ يعود بناؤه إلى عام سنة 642 ميلادية، بالإضافة إلى كنسية مار توما للسريان الكاثوليك التي حوّلها تنظيم الدولة إلى سجنٍ خلال سنوات حكمه، ومئذنة الجامع الأموي الكبير، أو منارة الحدباء، التي دمرها التنظيم في 12 حزيران/ يونيو 2017.

وتستند المنصة إلى معرض "العودة إلى الموصل"، الذي أقيم عام 2019 على أنقاض ما تبقى من المدينة بعد تحريرها، ويُعتبر بمثابة شهادة بصرية ولونية توثق ما عاشه أهل المدينة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2017، إذ ضم مجموعة واسعة من الأعمال الفنية التي أرّخت للفظاعات التي شهدتها المدينة خلال تلك السنوات القاتمة.

وزع المنظمون محتوى المنصة على عدة زوايا، تشتمل الأولى المعنونة بـ "كيف عاد الفن إلى مدينة الموصل" على تسجيلاتٍ صوتية قصيرة، تُقدّم للزائر معلوماتٍ حول ما تعرضت له المدينة في ظل حكم "داعش"، والنهج الذي اتبعه التنظيم في تدمير معالمها وتفكيك هويتها الثقافية القائمة على التنوع والتعدد الإثني، وتؤكد في الوقت نفسه على ضرورة عودة الحركة الفنية للمدينة باعتبارها أحد حواضن هذا التنوع والاختلاف.

وتحت عنوان "وجوه من المدينة"، تستعرض المنصة مجموعة أعمالٍ فنية، تُقدّم للزائر لمحاتٍ مختلفة حول طبيعة حياة العوائل الموصلية التي قررت البقاء في المدينة بعد سيطرة "داعش" عليها، إذ اشتملت الزاوية على لوحةٍ لعبير عربيد بعنوان "الأم والطفل"، تظهر فيها امرأة برفقة طفلها خلال فترة حصار المدينة، بالإضافة إلى لوحة لخليف محمد بعنوان "حياة بلا لون"، تُضيء على واقع المرأة في ظل حكم التنظيم الذي نزع الصفة الإنسانية عن النساء، ولوحة معنونة بـ "الحنين إلى الماضي"، رسمت فيها منى نحلة مجموعة نساء لحظة هروبهن من المدينة بعد احتلالها.

يسعى القائمون على منصة "موصل الفن والحياة" إلى إعادة تشكيل صورة المدينة المنكوبة وإحياء تراثها الثقافي والعمراني أيضًا

وتضم المنصة أيضًا زاوية بعنوان "أصوات من مدينة الموصل"، يسرد فيها فنانون من المدينة قصصهم خلال سنوات سيطرة "داعش"، مثل محمد بحر الياس، موفق حسين، وحكم الكاتب. بالإضافة إلى زاوية "قصص عن الخسارة والصمود" المخصصة للحكايات الشعبية حول المدينة، وزاوية "أثر الاحتلال على أطفال الموصل"، و"معاناة نساء الموصل تحت حكم داعش"، و"الموصل بعيون فناني الموسيقى"، وغيرها من الزوايا التي تبحث في مستقبل المدينة، وترميم معالمها وآثارها، وإعادة تأهيل سكانها.

اقرأ/ي أيضًا: معرض "صندوق الفرجة".. حفريات في الذاكرة العربية

تُقدّم "موصل الفن والحياة" صورة بانورامية للمدينة التي نالت حصة الأسد من الدمار والخراب المادي والنفسي، مقارنةً بغيرها من المدن العراقية التي وقعت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. ويسعى القائمون على المنصة إلى إمداد الزائر بكل ما يحتاجه للتعرف إلى المدينة، والاطلاع على أحوالها وأحوال سكانها بين عامي 2014 و2017، عبر الأعمال الفنية والجولات الافتراضية التي تضعه في قلب تراثٍ سعى تنظيم "داعش" إلى محوه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

معرض هلا عز الدين.. محو المسافة بين اللوحة والمتفرج

فوتوغرافيا دون مكولين.. ما وراء الذعر