موسم ترويع الإعلام في مصر

موسم ترويع الإعلام في مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (Getty)

يوم الأحد، الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، خرج السيسي في خطاب يتهم فيه الإعلام بتجاوز الحدود، ويبدو عليه الغضب من جرأة الإعلام في الشهور الأخيرة، على توجيه انتقادات مباشرة له، كما هدد السيسي الإعلاميين بشكل صريح حين قال" "انتوا بتقولوا كل حاجة فيها كارثة..طب والقطاع دا مافيش فيه كارثة وللا ايه".

تحاول السلطة حصر نفسها في مهمة أكبر من إمكانياتها، القضاء التام على المجال العام، والرغبة في اصطفاف الجميع في طابور واحد مؤيد لكل ما يفعله النظام

توجه السيسي بعد ذلك بأيام قليلة، إلى بريطانيا، بأمل أن يكون لتلك الزيارة نفس الصدى لزيارته السابقة لألمانيا، لكن شيئًا مفاجئًا عطل ذلك. بعد وصوله لبريطانيا بقليل، أعلن البريطانيون عن شكهم بأن يكون سقوط الطائرة الروسية في سيناء، عملًا إرهابيًا ناتجًا عن زرع قنبلة في الطائرة قبل إقلاعها، وأخذت تداعيات هذا الإعلان في الظهور، فأعلنت بريطانيا عن قرارها بوقف الطيران إلى شرم الشيخ وعزمها إجلاء رعاياها من المدينة، تتابعت تلك الإجراءات، والسيسي ما يزال في لندن، ما سبب حرجًا شديدًا للنظام المصري، الأمر الذي ظهر في هجوم الإعلام القريب من السلطة المصرية، على بريطانيا، واتهامها بأنها ضالعة في مؤامرة دولية ضد مصر. وكتب الكثيرون عن المؤامرة التي ينتهجها الغرب ضد مصر وروسيا، قبل أن تخذلهم روسيا هي الأخرى، فتعلن عن وقف الطيران إلى مصر، ورغبتها أيضًا في إجلاء رعاياها، ما ضاعف خيبة أمل النظام، فقرر التوجه إلى الداخل، ليفرغ غضبه.

احتواء الضجر

أتت كل تلك الأحداث، في سياق ضجر شعبي متصاعد من النظام. لفشله في إدارة أزمات متتالية، كما لعدم تحقيق مشاريعه الكبرى مثل "قناة السويس الثانية" النجاح الذي كان ينشده، وبالتالي التجرؤ المتزايد لدى شرائح، كانت مؤيدة للنظام أو محايدة تجاهه، على نقده والسخرية من سوء إدارته للبلاد. ويبدو أن ذلك جعل النظام، يعتزم التحرك على خطين متوازيين، أولهما محاولة احتواء هذا الضجر الشعبي من جهة، بتبرير فشله بحجج يراها مقنعة لجمهوره، وثانيهما، هو ضرب المنافذ الإعلامية التي يراها سببًا في حدوث هذا الغضب أو تغطيته إعلاميًا.

على سبيل المثال، هناك قضيتان اكتسبتا تعاطف الناس، في الشهر الأخير، فقررت السلطة، في خط الدفاع عن نفسها أمام المواطنين، أن تجد تبريرات ما لهاتين القضيتين، لكنها تبريرات لا تطمح لأكثر من أن تكون مجموعة كلمات متراصة، بدون أي منطق داخلي، إذ يتصور النظام أن مجرد كتابة كلمة "إخوان" و"إرهاب" وسط مجموعة من الكلمات، كفيل تمامًا بشل تفكير جمهوره، أو إعطائه المخدر الذي يريده، ليشعر براحة الضمير، وأن الأمور على ما يرام، وألا داعي لأي قلق.

القضية الأولى، اعتقال إسراء الطويل، التي فجرت صورها الباكية في المحكمة، تعاطفًا واسعًا، فقامت النيابة بنشر ما قالت أنه تحقيقاتها مع إسراء، وأن إسراء أقرت بأنها كانت تخطط لاغتيال شخصية بارزة في الدولة ، لم يذكروا اسمها بالطبع، عن طريق قنبلة مخفية داخل كاميرا . نعم، عن طريق قنبلة مخفية داخل كاميرا.

القضية الأخرى، وهي قضية أمطار اسكندرية، التي أغرقت المدينة، وراح ضحيتها - في كل من الاسكندرية والبحيرة - أكثر من عشرة أفراد قتلى غير المصابين والخسائر المادية، قالت أجهزة الأمن أنها "تمكنت من ضبط خلية إخوانية مكونة من سبعة عشر شخصًا نفذت خطة لسد المصارف ومواسير الصرف الصحي بالإسكندرية واستهداف رجال الشرطة والجيش، وعثر بحوزتهم على مضبوطات توضح مهام تنفيذ العمليات لإحراج المؤسسات العامة والوزارات في مواجهة آثار السيول". نعم، وتمت تسمية هذه الخلية، بـ"خلية الأسمنت". 

لكن يبدو أن ذلك لم يكن كافيًا تمامًا، فقام السيسي، فور عودته من لندن، بزيارة الإسكندرية، والاجتماع مع عدد من المسئولين فيها، وأمر بـ"الانتهاء من رفع كفاءة شبكة الصرف بالإسكندرية خلال عشرة أيام تحت الإشراف المباشر من القوات المسلحة".

اقرأ/ي أيضًا: الطيران فوق عش "داعش"

ترويع الإعلام

بجوار استراتيجية تبرير كل تقصير أو فشل بأنه نتيجة لمخططات إخوانية مركبة ومعقدة وبإمكانها الوصول لكل شيء وأي شيء، كانت هناك استراتيجية أخرى، تقضي بلجم الإعلام، الذي كان السيسي قد حذره في خطابه سابقًا، فشهدت مصر، في الأيام القليلة الماضية، عدة حوادث تتصل كلها بالإعلام. تم القبض على رجل الأعمال صلاح دياب مؤسس صحيفة المصري اليوم، أحد أكبر الجرائد المستقلة في مصر، وتم استدعاء الناشط الحقوقي البارز والصحفي حسام بهجت للتحقيق معه عسكريًا في تقرير له عن تفاصيل المحاكمة العسكرية لضباط بدعوى التخطيط لانقلاب، قبل أن يصدر، قرارًا بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق، ثم لتفرج عنه بعد ذلك بيوم واحد، أيضًا تم إيقاف المذيعة عزة الحناوي في القناة الثالثة الرسمية بعد انتشار واسع لفيديو لها يحمل بعض الانتقادات لرئيس الجمهورية، كما أعلن الكاتب الناقد للنظام "جمال الجمل" عن إيقاف مقاله في جريدة المصري اليوم، وقد صرح رئيس تحرير المصري اليوم لموقع زحمة أن "الجريدة تقوم بوضع “نقطة نظام” حتى تستطيع أن تكمل في المرحلة المقبلة، لافتًا إلى أن الجريدة تريد أن تؤكد في المرحلة المقبلة احترامها لمؤسسات الدولة وشخوصها، وألا تدخل في معركة مع أحد".

لا يمكن أن يستمر نظام في استثمار لحظة زمنية بعينها، هي لحظة 30 يونيو، إلى الأبد، وبدون أن يحقق للناس أي شيء

ربما لا يزال الوقت مبكرًا للحكم على نجاح أو فشل هذه الحملة، في لجم الانتقادات المتصاعدة من الإعلام للسيسي، انتقد بعض من الإعلاميين القريبين من النظام، بعض هذه الإجراءات، ربما خوفًا من أن تطالهم يد الأجهزة بعد زمن قصير، وربما حرصًا على "أكل عيشهم" المعتمد على قدرتهم في التسويق لأنفسهم أمام الناس كمذيعين ذوي جرأة وقادرين على انتقاد الفساد أو الظلم المبالغ فيه، كما شن المعارضون حملة قوية مضادة، ويبدو أن كل من رغبة السلطة في محاصرة الإعلام، ورغبة الإعلام، حتى بعضه القريب من السلطة، في الحفاظ على هوامش للانتقاد وإرضاء رغبات جمهور مختلف، لن تجعل المعركة على فتات الحرية، هذا، تنتهي بسرعة. 

دكتاتورية متحجرة

تحاول السلطة حصر نفسها في مهمة أكبر من إمكانياتها، القضاء التام على المجال العام، والرغبة في اصطفاف الجميع في طابور واحد مؤيد لكل ما يفعله النظام، كل ذلك يفترض أن تكون هي قادرة على تعويض الفراغ الرمزي والمعنوي - إن جاز التعبير - للمعارضة، بشحنة رمزية أقوى وأكثر تأثيرًا لحلم تراه هي وتسعى إلى تحقيقه، كما تفعل الديكتاتوريات الكبرى، إلا أنها تبدو للآن عاجزة عن ذلك تمامًا، وهو ما يجعلها تحاول تعويض هذا العجز، بإعلانها كل فترة، عن مشروع اقتصادي عملاق، سيحل كل مشكلات البلد الاقتصادية، قبل أن يخفق هذا المشروع، ويظهر للناس زيف ادعاءات السلطة بشأنه من البداية، فتذهب السلطة لمشروع آخر، لتستثمر أحلام الناس فيه مرة أخرى. تعتمد السلطة في النجاة بمصيرها من أي انتفاض ضدها، على حلول قصيرة المدى، كثيرة ومتتالية، وهي استراتيجية مغامرة جدًا، ولكنها تعتقد - في الأغلب - أن حلولًا طويلة المدى، قد تحتاج تنازلات ومواءمات سياسية، ترى أنها لو أعطتها للمعارضة أو للمجتمع، ستكون بداية لانهيارها.

السلطة لا تريد وجود معارضين، لكنها أيضًا لا تستطيع صناعة مؤيدين خالصين، لنهج ما تراه هي، أجهزة أمنية تنتقم لما حدث وقت الثورة وتنتفض بشدة عندما ترى شبحًا لما حدث هنا أو هناك، وتجمعات لمصالح اقتصادية تحمي نفسها بالاقتراب من السلطة، وكلا الطرفين يجدون رافدهم الشعبي في شرائح شعبية خائفة من عودة الإخوان للحكم. لكن، وبالوقت، تقل قدرة السلطة على شحن الناس بخوف مماثل لخوفها، لأسباب كثيرة، منها بالتأكيد، تراجع قدرة الإخوان على الظهور كبديل قوي ومحتمل وينتظر الوثوب على السلطة، وإذن صعوبة استخدامهم كفزاعة لأي حراك آخر، ومنها، سبب أكثر طبيعية، وهو أن الوقت يمر، ولا يمكن أن يستمر نظام في استثمار لحظة زمنية بعينها، هي لحظة 30 يونيو، إلى الأبد، وبدون أن يحقق للناس أي شيء.

اقرأ/ي أيضًا: حسام بهجت ..التهمة: صحفي