موسم الحج إلى موسكو

موسم الحج إلى موسكو

بوتين وأردوغان ومحمود عباس في افتتاح مسجد في موسكو (Getty)

جملة من القناعات "المريرة" قد بدأت بالتشكل في أذهان اللاعبين الأساسيين في المسألة السورية بحلول عامها الخامس، قناعات لو سمع بها في بداية الثورة لكان مصيرها التهكم المصحوب بالضحك الهستيري، فمن كان يتوقع أن "الجهادية اﻻسلامية" قد وصلت الى هذا التقدم من حيث البنيوية والتنظيم؟ ومن كان يعقل أن تنظيمًا بحجم تنظيم "الدولة الاسلامية" سيسيطر على كل هذه المساحة، وأن يمتلك كل هذا العتاد والعدد بظرف زماني أقل ما يمكن وصفه بأنه خارق؟

بفضل ثلاثية "داعش، وتخبط الإدارة الأمريكية، وقواعد روسي" بدأت دوائر صنع القرار بإعادة حساباتها

نعم، لقد أصبح تنظيم الدولة "داعش" هو حجر الزاوية للأزمة السورية بشكل خاص، وللمنطقة بأكملها بشكل عام. وسيبنى فوقه، تراكمًا، غياب اﻻستراتيجية الأمريكية حيال تلك المشاكل، والمراوحة بين الفعل الآني تارة وعدم اﻻكتراث تارة أخرى. وهو ما جعل الروس متصدرين الساحة السياسية العربية ولو لبعض الوقت، ليحرز بوتين نقطة هامة في مسيرة طموحه الشخصي القاضي بإرجاع روسيا إلى سابق عهدها.

وبفضل ثلاثية "داعش، وتخبط الإدارة الأمريكية، وقواعد روسيا وقواتها على اﻷرض" بدأت دوائر صنع القرار في دول الإقليم بإعادة حساباتها، وتمركز مواقفها، واتخاذ خطوات استباقية تضعهم ضمن إطار المشهد العام. ولأن الجميع متفق على محاربة تنظيم "الدولة الاسلامية" لما يمثله من أداة حقيقة تسعى "لنسف" مشروع الدولة الوطنية، ولأن الكثيرين كذلك أصبحوا يعتقدون بأن الحل ليس أميركيا ، توجهت أنظار الجميع الى الدب الروسي، كل حسب أجندته وطموحه.

وقد تمثلت اﻻستجابة لاستراتيجية الأمر الواقع بزيارة نتنياهو، بصحبة كبار رجال دولة الكيان الصهيوني، إلى موسكو. زيارة تحمل قي ثناياها رسائل متعددة اﻻتجاهات، وﻻ تقتصر على الخوف فيما يخص حدود الكيان الشمالية، وضرورة التنسيق بين الطرفين فيما يخص ذلك. وهذه الخطوة الإسرائيلية هدفها إيصال رسائل للأدارة الأمريكية مفادها أن هناك أبوابًا لا تزال مفتوحة إذا أوصدتم بابكم. ناهيك عن تحفيز هذه الزيارة للّوبي الصهيوني في الولايات المتحدة للضغط على إدارة أوباما، كي تحسن علاقتها مع "اسرائيل".

ثاني الحُجاج وصوًا الى موسكو كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يمر بأزمة داخلية مركبة؛ تبدأ بالانتخابات البرلمانية وفقدان الثقة بتشكيل حكومة ذات صبغة حزبية واحدة، وﻻ تكاد تنتهي بحربه على حزب العمال الكردستاني، سواء داخل تركيا أو على أطرافها، الأمر الذي كذلك أجبره على الدخول في التحالف "الدولي" ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. ما سيفعله أردوغان في روسيا، مستفيدًا من العلاقات الاقتصادية الجيدة مع الروس في هذه الأيام، هو محاولة فهم ما يدور في خلد القيادة الروسية حول استراتيجتهم، إن وجدت، ومعرفة أبجديات المرحلة المقبلة في التعامل مع الملف السوري.

السعودية كذلك أوفدت ولي ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان قبل الجميع إلى هناك، لتعبر ابتداء عن سخطها لما تبديه الإدارة الأمريكية من اللامبالاة تجاه أزمات المنطقة من جهة، ولتختبر ردود أفعال الروس تجاه "الثورة السورية" وما يتعلق برحيل الأسد. ولكن سرعان ما أتى الرد الروسي مخيبًا للآمال السعودية مدخلًا القضية نفقًا آخر متشحًا بالضباب والدم. ليس المهم فيما تعلنه روسيا، ومعها إيران بطبيعة الحال، كهدف لوجودها المتمثل في محاربة "الإرهاب"، وﻻ كذلك فيما تخفيه من أهمية وجودها لضمان تقديم الدعم لنظام الأسد "المتهالك"، أو حتى درء خطر التيار الجهادي "المتعولم" الذي بدأ بالتفشي في جمهورياتها مثل أنغوشيا وداغستان والشيشان، ذلك أن لكل دولة خيارها وأهدافها التي تصب في مصالحها أولًا وأخيرًا. 

ما يهم حقًا هو البحث عن إجابة لأسئلة ملحة من مثل: إلى أين سيتجه الملف السوري في ظل هذه المعطيات؟ وماذا عن الدور العربي في تحديد مسار نهاية هذه المأساة؟ بل لعل السؤال الأهم في هذا الوقت هو إلى متى سنبقى في طور الانفعال بما يحدث لنا بدلًا من الانتقال إلى الفاعلية تجاه قضايانا؟