موريتانيا أين وإلى أين؟

موريتانيا أين وإلى أين؟

مظاهرة ضد تعديل الدستور في موريتانيا (Getty)

مجلس الشيوخ الموريتاني يوجه صفعة لنظام محمد ولد عبد العزيز، ويصوت بأغلبية ضد التعديلات الدستورية المرتقبة في موريتانيا، في ليلة ستظل عالقة في أذهان الموريتانيين كثيرًا، فهي المرة الأولى التي تتجرأ فيها سلطة تشريعية على الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة التنفيذية ممثلة في نظام الجنرال محمد ولد عبد العزيز الصاعد لسدة الحكم سنة 2008، إبان 8 آب/أغسطس ذلك اليوم المشهود  الذي عزل فيه أول رئيس مدني  لمجرد أن تجرأ واتخذ قرارًا تاريخيًا بحل المجلس العسكري، وإحالة القادة إلى التقاعد فكانت النتيجة بعد سويعات انقلاب يطيح بالرئيس المدني وقرار بحل البرلمان وعودة موريتانيا إلى نقطة الصفر، كما عودنا الجنرالات منذ ركنت موريتانيا لعصر الدبابة والسلاح سنة 1979 وإلى يومنا هذا.

التعديلات الدستورية الموريتانية هي نتاج حوار نظام ولد عبد  العزيز في تشرين الأول/أكتوبر 2016، مع بعض أحزاب المعارضة المعتدلة

33 صوتًا فقط مقابل 20 صوتًا، كانت كفيلة بإسقاط التعديلات الدستورية المثيرة للجدل، وهو ما لم يكن أحد يتوقعه، خاصة وأن غالبية أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الحاكم الموالي للجنرال محمد ولد عبد العزيز، فيما يبدو صراعًا خفيًا على المصالح داخل الحزب الحاكم في موريتانيا.

اقرأ/ي أيضًا: موريتانيا بخير يا سيدي الرئيس

وأنهى مجلس الشيوخ بدوره قصة التعديلات الدستورية، والتي تقضي بتغيير النشيد والعلم وبحل مجلس الشيوخ ذاته، والتي حولت موريتانيا إلى بلدين ونشيدين وعلمين، بين مؤيد القرار يرى فيه مصلحة للبلاد، وبين معارض متظاهر مستنكر يرى فيه مصلحة للجنرال ومن معه من الزمرة العسكرية الحاكمة.

والشيء بالشيء يذكر، فإن التعديلات الدستورية هي نتيجة الحوار الوطني الذي أجراه نظام ولد عبد العزيز في تشرين الأول/أكتوبر 2016، مع بعض أحزاب المعارضة المعتدلة وخرج على الشعب يومها بتعديلات دستورية وبوعد بعدم الترشح لولاية ثالثة، ومخالفة الدستور الذي يحرم عليه الترشح لفترة ثالثة، وبما أن التعديلات الدستورية قد أُسقطت فقد أصبح الرجل في حل من وعده يحل له حسب المنطق العسكري الترشح للفترة الثالثة، وكل شيء عند الجنرالات في بلدانهم حلال فلهم ظاهر الأرض ولشعوبهم باطنها، فالبقاء في حكمهم للأقوى فقط.

أما السياسة والديمقراطية والفصل بين السلطات فهي وإن كانت موجودة  مجرد سويعات للإلهاء فقط  فكل القرارات لاغية ما عدا قرارات الجنرال ومجلسه العسكري الذي يحمي ظهره ورقبته إذا تطلب الأمر.

هي موريتانيا المعسكرة كما ارتضى لها جنرالاتها، لا مجلس لها إلا مجلسهم ولا شيوخ يقررون فيها غيرهم، فهم من يملكون زمام المبادرة حتى ولو لم يظهروا في الصورة، ينتهجون الديمقراطية في الوقت المحدد ويطعنونها وقت ما يحبون، أما الوطن فهو في منطقهم للجزء وليس للكل، أليسوا حماة الوطن من الحروب الوهمية التي قد تحدث؟

عام 2008 وخلال حكم أول رئيس مدني مننخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله كان الجميع يرى موريتانيا بالزي المدني، كما لم يروها من قبل

ألم يقتلوا يومًا تلك التجربة الوليدة والوحيدة في موريتانيا؟ التي جعلوها وحيدة بين دول العالم، مستوحشة، فقيرة، محتاجة، تنتظر نموًا لم يحدث وتطورًا كان مجرد أوهامًا ووعودًا انتخابية؛ ليجلسوا هم على سدة الحكم وينهبوا خيرات الوطن.

اقرأ/ي أيضًا: جدل الرموز الوطنية يعود في ذكرى استقلال موريتانيا

في عام 2008 وخلال حكم أول رئيس مدني مننخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله كان الجميع يرى موريتانيا بالزي المدني، كما لم يروها من قبل، فقد تعودوا عليها معسكرة حادة كطبع العسكري، تسير كما يوجهها القائد العسكري، لا كما يريد شعبها أن تسير.

كانت موريتانيا يومها نموذجًا عربيًا فريدًا، لقد تاب الله على عسكري عربي فقرر تسليم السلطة للشعب، وهو أمر لا يحدث كل يوم، بل ومستغرب، في دولنا العربية أو معسكراتنا العربية على الأصح. ولكنهم استيقظوا بعد سنة، فمخطئ من ظن يومًا أن العسكر قد زهد في السلطة، الرئيس المدني عُزل والدستور عُطل، والمجلس العسكري برئاسة الجنرال يحكم البلاد، ويعود بقوة ليتصدر المشهد السياسي، كانت لعبة عسكرية، كان وهمًا باعوه للشعب وصدقناه جميعًا. واليوم يريدون تكرار نفس المشهد ولكن بطرق مغايرة، المهم أن موريتانيا ستعود لنقطة الصفر والأهم بالنسبة لهم أنها ستظل معسكرة ويحكمها الجيش، والجيش فقط.

اقرأ/ي أيضًا:
أن تكون ضد العبودية في موريتانيا
شباب موريتانيا.. الذهب لقهر البطالة