موديانو والنافذة التي تشبه المقصلة

موديانو والنافذة التي تشبه المقصلة

موديانو

يكتب باتريك موديانو (نوبل 2014) روايته في مكان مجهول، يقول إنّه بين مدينة تطوان وجبل طارق، أو الجزيرة الخضراء. لكنه واضحٌ في وقوعه في منطقة بين حياتين، حياة سابقة وحياة في المدن التي تحدث فيها كل شيء.

في رواية "مستودع الطفولة"، كل شيء يختفي ليستحضر شيئًا آخر، حتى الأبطال يحضرون في أبطال آخرين

الجغرافيا هنا حكاية أخرى عند موديانو، إنّها جغرافيا الحكاية والزمن والأسماء، كل شيء يختفي ليستحضر شيئًا آخر، حتى الأبطال الذين يحضرون في وجود أبطال آخرين. أشخاص إما آتون من مكان، أو ذاهبون إلى مكان آخر.

اقرأ/ي أيضًا: ديفيد فوستر والاس.. مريض بما يكفي من الشك

في رواية "مستودع الطفولة" (منشورات الاختلاف، ترجمة نجيب مبارك) يكتب موديانو سيرة كاتب ترك حياته في باريس وانتقل للعيش في مدينة بين تطوان والجزيرة الخضراء ليعمل في راديو مونديال كاتبًا لسيناريو مسلسل "مغامرات لويس السابع عشر"، يبث المسلسل شخصًا اسمه كارلوس سيرفون. يتعرف الكاتب جيمي سيرانو على فتاة تصغره بأعوام كثيرة، تقول إنها أتت كي تبحث عن الشمس، تستدعي هذه الفتاة عنده ذكريات امرأة أخرى كان يحبها في باريس اسمها ماري روزا، كان لديها فتاة صغيرة. 

هنا، كل نافذة ستفتح نافذةً أخرى خلفية في الحياة الأخرى، النافذة التي تشبه المقصلة، يذكر موديانو العبارة من دون أن يشرحها، لأن التفاصيل والأحداث التي تقع خلف النافذة تخنق ويجب أن تتحرر، وهذا واضح من السرد، العبارة التي قالتها الفتاة هل يمكنك مساعدتي جعلته يتذكر أنها العبارة التي قالها وهو في إسبانيا لكل شخص يجده، سلة الفواكه أيضًا التي نسيها على مقعد حين كان يرافق ابنة ماري روزا، قد حوّلها إلى رسالة يبثها عبر الراديو، إلى من يقدم معلومات حول السلة أن يبعث له برسالة، كان هناك رسالة شخصية، من ماري روزا بانتظاره، أنها تود رؤيته من جديد. 

اقرأ/ي أيضًا: "اختطاف البابا".. الرفض بأمر صنع الله إبراهيم

يكتب موديانو عن علاقته بالكتابة كأنها سفر، لكنه مكان أيضًا يستدعي الحياة القديمة 

يكتب موديانو عن علاقته بالكتابة كأنها سفر، لكنه مكان أيضًا يستدعي الحياة القديمة وتفاصيلها ولا يستطيع محوها وكذلك علاقته بالمكان الجديد. فمراسلة الراديو هو بمثابة مراسلة للحياة، مهنته في الراديو تشبه التحدث إلى الذات، لمستمعين ربما لا يجيبون على رسالته لهم، حتى كارلوس سيرفون، المذيع الذي خرج عن تحفظه المعتاد حين ذكر أمامه عنوان الشارع في الرسالة جعله يستحضر الأسماء والتفاصيل والأماكن، وكأنه تحرر من دفق محصور.

يجعل موديانو (الذي صرح أنه ابن الحرب كما قال في حديث نوبل) الكتابة بحثًا عن أسئلة، تجعلها رواية حديثة مختلفة عما قرأناه في الروايات الكلاسيكية، العمق والسؤال والسرد المبعثر في قالب متين، قريب من القارئ وقريب من حياة تخصه، حيث الاغتراب أبعد من سؤال مكاني "إنه موضوع حول نجاة أشخاص ضائعين من الموت والأمل في أن نلتقي يومًا بهؤلاء الذين فقدناهم في الماضي، ما يستحيل تعويضه لم يحدث، كل شيء سيبدأ كما في السابق"، هذه هي الفكرة التي يتأملها في بداية الرواية وفي فصولها القادمة.

اقرأ/ي أيضًا:

في حضرة محمود درويش الألمانيّ

تشارلز بوكوفسكي.. الكتابة بالجسد