موت الكتب الورقية.. خوف يأكل الروح

موت الكتب الورقية.. خوف يأكل الروح

قارئ في الصين (Getty)

هل يؤثر إدمان القراءة الإلكترونية والمتابعات على الإنترنت على القدرة الذهنية لدى من اعتادوا القراءة المتأنية والمتعمقة للكتب الورقية؟ يطرح هذا السؤال الكاتب الأمريكي فيليب يانسي في مقال له بصحيفة "واشنطن بوست" محاولًا الإجابة عنه باستعراض تجربته الشخصية في هذا المجال.

معظم الأمريكيين -وخاصة الشباب منهم- يعانون تراجعًا شديدًا في مدى الوقت الذي يقضونه في القراءة

يستهل فيليب يانسي صاحب "المسيح الذي لم أعرفه أبدًا" بقوله: "لقد مررت بتجربة شخصية عصيبة. فقد اعتدت حب القراءة، وأكتب تدوينتي هذه في مكتبي محاطًا بسبعة وعشرين خزانة طويلة للكتب، تحوي خمسة آلاف كتاب، قرأتها جميعًا على مدى الأعوام، ووضعت ملاحظاتي على صفحاتها، وسجّلت شروحاتي وتعليقاتي في قاعدة معلومات على الكمبيوتر، كي أستخدم إشارات إليها في كتاباتي. لقد شكّلت هذه الكتب حياتي المهنية إلى حد كبير". ويتابع فيليب يانسي، المتخصص في الكتابات الإيمانية والعقائدية، أن هذه الكتب ساعدته في تحديد هويته، وأرشدته في رحلته الإيمانية، وفتحت أمامه عجائب العلم والعالم الطبيعي وبصّرته بقضايا العدل والتفرقة العنصرية. والأهم من ذلك أنها كانت مصدرًا للجمال والبهجة والمغامرة، فتحت له نوافذ عدة على واقع لم يكن ليعرفه لولاها.

اقرأ/ي أيضًا: أحتفي بالقرّاء الذهبيين

بيد أن الكاتب يشعر بالحزن والأسى لأن ما وصفه في السطور السابقة ينتمي إلى الماضي وليس إلى الحاضر، يقول: "تعوّدت أن أقرأ ثلاثة كتب في الأسبوع الواحد، وفي أحد الأعوام كرّست ليلة من كل أسبوع لقراءة مسرحيات شكسبير كلها (حقًا، ربما استغرق الأمر عامين، بسبب تقاطعه مع بعض الانشغالات الأخرى). وفي عام آخر قرأت أهم أعمال تولستوي وديستويفسكي. أما في الوقت الحاضر فلا أقرأ سوى أقل القليل من الكتب، بل أقل من ذلك من نوع الكتب التي تحتاج جهدًا كبيرًا". ويفسّر الكاتب ما حدث له بأن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي درّبت عقله على قراءة فقرة أو فقرتين، يبدأ بعدها في التلفت حوله. وفي ذلك يقول: "عندما أقرأ مقالًا على الموقع الإلكتروني لصحيفة "ذي أتلانتيك" أو "ذي نيويوركر"، أجدني، بعد بضع فقرات، أنظر سريعًا إلى الشريط السفلي المتحرك لأحدد طول المقال. يتشتت عقلي، وأجدني أضغط على الشرائط المتحركة والروابط البارزة، وسرعان ما انتقل إلى موقع "سي إن إن" الإخباري مثلًا لأقرأ آخر تغريدة لدونالد ترامب، أو تفاصيل أحدث هجوم إرهابي، أو ربما لتفقد أخبار طقس الغد". ثم يستطرد الكاتب لبيان أن أسوأ الاحتمالات تتمثل في لجوئه إلى قراءة ما يظهر أسفل تلك المقالات من روابط لموضوعات مقترحة في مواقع أخرى تحمل عناوين على شاكلة "30 حقيقة مدهشة ستجعل جلدك ينكمش"، أو "كاميرات الوول مارت التقطت هذه الصور الرائعة"، وبعد عدة ضغطات يفقد اهتمامه بالمقال الأصلي الذي كان يقرأه.

ويستعرض فيليب يانسي تفسير علماء الأعصاب لهذه الظاهرة، وهي أنه عندما يتعلّم المرء شيئًا بسرعة تنشط مادة كيميائية في المخ تضيء مراكز الشعور بالسعادة. وفي تجربة شهيرة في ذلك ظلّت الفئران تواصل الضغط مرارًا على رافعة للوصول إلى ذلك الإحساس، مفضلة إياه على رغبتها في الطعام والتزاوج. وفي حالة البشر، تشبع الرسائل الإلكترونية ذلك الشعور أيضًا وتحفّز مراكز السعادة، وكذلك تفعل منصات إلكترونية مثل تويتر وسنابشات وإنستغرام.

يعرض فيليب يانسي وهو مؤلف كتاب "الأعماق الضحلة: ما يفعله الإنترنت لعقولنا" لنيكولاس كار، ويراه يقدّم تحليلًا جيدًا للظاهرة، لأن الكتاب يوضّح أن معظم الأمريكيين -وخاصة الشباب منهم- يعانون تراجعًا شديدًا في مدى الوقت الذي يقضونه في القراءة. ويؤكد ذلك بإحصاء نشرته المؤسسة الدولية للاستعلامات عام 2016 أظهر أن عامة الأمريكيين يخصصون أكثر من عشر ساعات يوميًا لمتابعة وسائل الإعلام –بما فيها الراديو والتلفزيون وشتى الوسائل الإلكترونية- ويشكّل ذلك 65% من ساعات الاستيقاظ، مما يترك وقتًا أقل للأعمال التي تحتاج مزيد من الجهد، مثل القراءة المتعمقة التي تحتج إلى تركيز شديد. يستشهد الكاتب أيضًا بكتاب "مرثيات غوتنبرغ"، الذي يرثي مؤلفه سفن بيركيرتس غياب "القراءة المعمقة التي تتطلب تركيزًا عاليًا، وخفضًا واعيًا لبوابات الاستقبال الخارجي، وسرعة أهدأ في القراءة".

اقرأ 500 صفحة من هذه كل يوم. هكذا تعمل المعرفة، إنها تتزايد وتتراكم مثل الأرباح المركبة

أثار الكتاب شجون كاتب المقال فوقف أمام مكتبته الزاخرة يتحسّر على أيام كان يقرأ كتبًا فكرية عميقة تحتج إلى قدر كبير من إعمال الفكر والتركيز.

اقرأ/ي أيضًا: القراءة.. مرايا من ورق

ويستعرض الكاتب دراسة نشرتها صحيفة "بيزنس إنسايدر" تقول إن مشاهير مثل الإعلامية الأمريكية أوبرا وينفري ورجال أعمال ناجحين مثل إلون ماسك وبيل غيتس ووارين بفيت ومارك زوكربيرغ يشتركون جميعًا في ممارسة يطلق عليها المؤلف "قاعدة الخمس ساعات"، وتعني أن كل منهم يخصص ساعة على الأقل في اليوم (أو خمس ساعات في الأسبوع) للتعلم بتدبر وتعمق. فعلى سبيل المثال يقرأ بيل غيتس 50 كتابًا في السنة، ويقرأ مارك زوكربيرغ كتابًا على الأقل كل أسبوعين، وأصبح إلون ماسك يقرأ كتابين في اليوم، وعندما سُئل وارين بفيت عن سرّ نجاحه أشار إلى كومة من الكتب وقال: "اقرأ 500 صفحة من هذه كل يوم. هكذا تعمل المعرفة، إنها تتزايد وتتراكم مثل الأرباح المركبة. يستطيع كل الناس ذلك، ولكن قليل منهم يفعلونه".

ومع ذلك يثبت علماء الأعصاب ما وصل إليه هؤلاء الناس المنغمسون في عمالهم، وهو أن التركيز على مهمة واحدة بتعمق يستغرق طاقة أقل من التنقل بين المهام المختلفة. فبعد ساعة من التأمل أو القراءة المتعمقة ينتهي المرء أقل تعبًا واستنفادًا لطاقته العصبية، ومن ثم أكثر قدرة على التحديات العقلية.

ويرى الكاتب أنه إذا تعذر الوصول إلى سرعة بفيت في القراءة، فإن قراءة 400 كلمة في الدقيقة تصل به إلى 417 ساعة في العام، وهي تكفي لقراءة 200 كتاب، أي أقل من 608 ساعة يقضيها الفرد الأمريكي في وسائل التواصل الاجتماعي أو 1642 ساعة يقضيها في مشاهدة التلفزيون. ويواصل الكاتب أن الإرادة وحدها لا تكفي، ولكن علينا أن نبني ما يُطلق عليه "حصنًا من العادات"، ويضرب في ذلك مثلًا بما وجده على موقع الكاتبة الأمريكية آني ديلارد، وفيه تقول: "لم يعد باستطاعتي السفر، لا أستطيع مقابلة الغرباء، ولا توقيع الكتب، ولا الكتابة بالطلب، ولا الرد على الرسائل. فما أفعله الآن أن قرأ وأركز فيما أقرأ".

ومن ذلك يخلص كاتب المقال إلى أن "الالتزام بالقراءة معركة لا تنتهي، ربما تشبه في ذلك تلك المعركة التي يخوضها البعض ضد إغراءات الإنترنت. علينا أن نشيّد حصونًا جدرانها على درجة عالية من الصلابة لتتحمل إغواء ذلك الشعور بالسعادة الذي يحدثه الحصول السريع على المعلومات من الإنترنت، بينما تهيئ تلك الحصون بيئة تسمح بازدهار القراءة المتعمقة".

الشعر يساعد في إحداث صفاء ذهني لأنه يجعل إيقاع قراءتك أقل سرعة وأكثر تمهلًا

ويضيف الكاتب أنه في ظل الحضارة الحديثة تظهر معوقات هائلة أمام طبيعة الجانب الروحي والإبداعي، وحيث إنه كاتب في شؤون الإيمان والعقيدة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي  فلديه صفحة على فيسبوك وموقع إلكتروني ويكتب تدوينات من وقت لآخر. يقول إنه منذ ثلاثين عامًا كان يتلقى خطابات من قراء له، ولم ينتظروا ردًا قبل أسبوع أو أسبوعين، ولكنه الآن يتلقى رسائل إلكترونية وإذا لم يتلق مرسلوها ردًا في يوم أو يومين يعيدون الكتابة ويسألون "هل وصلتك رسالتي الإلكترونية".

اقرأ/ي أيضًا: طوطم الكتاب

يؤكد الكاتب أن ذلك يشكّل ضغطًا نفسيًا عليه ويجعله "محاطًا بطغيان جموع البشر"، وأنه إذا استسلم لذلك الطغيان امتلأت حياته بتراكمات ذهنية، ويضيف أن الضجر يصيب المبتكرين، كما يرى بعض الباحثين: "يجول العقل المبدع في فضاءات جديدة غير متوقعة، فعندما أعتزل في الجبال وأنفصل عن العالم لبضعة أيام يحدث شيء سحري. ربما أذهب إلى الفراش تحيّرني مسألة متعثرة فيما أكتب، وأجدني أستيقظ في اليوم التالي وقد تجلّى لي الحل واضحًا براقًا، وهو أمر لا يحدث أبدًا عندما أقضي وقت فراغي أجوب الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي". الشعر يساعد في إحداث ذلك الصفاء الذهني، كما يؤكد الكاتب، لأنه يجعل إيقاع قراءتك أقل سرعة وأكثر تمهلًا، ويدفعك للتفكير والتركيز وتذوق العبارات والكلمات، لذلك "أحاول الآن أن أبدأ كل يوم مع مجموعة مختارة من أشعار جورج هربرت أو جيرارد مانلي هوبكنز أو ر.س. توماس". ويختم الكاتب مقاله بالتأكيد على أننا في خضم حرب تملك فيها التكنولوجيا أسلحة ثقيلة، مشيرًا إلى كتاب رود درير "خيار بنديكت: استراتيجية للمسيحيين في أمة ما بعد مسيحية" الذي يجادل بأن مَن امتلك الإيمان بالتراجع عن جدران الرهبنة كما فعل البينديكتين، حافظ على الثقافة ومعرفة القراءة والكتابة خلال واحدة من أحلك العصور من تاريخ البشرية. يقول فيليب يانسي: "لا أتفق تمامًا مع درير، ولكنني مقتنع بأن الحفاظ على القراءة يتطلب شيئا أقرب إلى خيار بنديكت".

 

اقرأ/ي أيضًا:

حيَّ على القراءة

العرب والقراءة.. ستيريوتايب القطيعة