مواسم قتل الشعراء

مواسم قتل الشعراء

منذر مصري/ سوريا

همُ الشعراء، السحرة، يَتبعهم الغاوُون، الذين يكرههم الله ويكره بَليغَهم، الأعداء، المنفيّون، المقدس دينيًا يحاربهم، بل ويجعل كلامهم أسوأ من النار في البطن، والسلطة السياسية تقف بوجههم أيضًا، وكأن الشعر طاعون لا بد من مكافحته، لابد من الحَجر عليه وإبادة الغاوين، من يقولونه ويرددونه بوصفهم شياطينَ.

قَتل الشُعراء لا يتوقف عند الفعل المادي -الجسدي للشاعر، بل يتجاوز الأمر إلى بنية "قديمة" تحكم عليه بوصفه طريدًا

قَتل الشُعراء لا يتوقف عند الفعل المادي -الجسدي للشاعر، ولا إخفاء قصائده، بل يتجاوز الأمر إلى بنية "قديمة" تحكم عليه بوصفه طريدًا، إن لم ينصع لها، فالنص المقدّس إلى جانب لا تاريخيته جاء ليقدّم مرجعية مقدسة لا فكاك منها، أبيستومولوجيا يتحرك ضمنها كل من يريد أن يكون فاعلًا به ضمنها تاريخيًا وواقعيًا، ومن يحاول الانفكاك، يطرد منها بل ويحارب ولا ينال الاعتراف، بوصفه مارقًا، لا منصاعًا.

الصراع بين النص المقدس والنص شعري نابع من آلية مرتبطة بالبنية الجوهريّة لمنشأ الاثنين، المقدس يحتكر لنفسه الحدود ومرجعية توليد الأفكار والمجاز، هو الصراط والقيّوم، أما الشعر فهو مرجعية مغايرة، رؤية للكون وعلاقاته يقدمها الشاعر من تجربته وخياله، لكن النص المقدّس، طرح التحدي مع الشعر ثم حسمه بوصفه القاضي والمنافس بذات الوقت، النص القرآني قدم علامة تجنيس جديدة وهي "قرآن"، ليثبت تساميه وترفعه عن التحدي بوصفه يمتلك جماليات جديدة يعجز الشعر عنها.

لكن الشعر بقي النِّد، بقي الشعراء مثيرون للريبة، لا يمكن لشاعر/شخص أن يستبدل رؤيته للكون برؤية المقدس القديم، حتى ولو كان شاعرًا سيئًا، عدا رجل الدعاية لصالح هذا المقدس الديني أو السياسي مدحًا أو هجاءً، فهذا مكرّم لأنه مدجّن، مُنصاع.

الشاعر لا ينتمي، طَريد، وتقييده واجب لأن انفلاته يجعله تهديدًا، واتحاد المقدس مع السياسي جعل مسببات قتله سهلة، لأنها مرتبطة أيضًا بمجاز تفترضه السلطة، نصوص حمّالة أوجه تكتسب قوتها من خضوعها لمنطق تأويل هذه السلطة، من نصوص تحوي مجازًا، كالشعر.

"إهانة الذات الإلهيّة"، "المساس بهيبة الرئيس"، هي تُهم مجازية، تختزن عددًا لا متناهي من العنف، المجاز على جماله له جوانب مظلمة، تبريرات خفية للقتل تختبئ في تكويناته، هو حاضر دائمًا، كداء، أعراضه تظهر حسب المناخ، يشتدّ، ليفتك بضحيته.

الممارسة الشعريّة موقف من العالم، إنشاء جديد لبنيته وعلاقاته، بديل عن النموذج المقدس أو السلطوي

مبررة عداوة المقدس بشخوصه ونصوصه للشعر والشعراء، ما هو شعري قادر على الغواية، على الإغراء للانفلات من السلطة والهيمنة، الشعراء والغاوون، كلاهما في ضلال عن المرجعية الواحدة، الضالون في أحد المعاني هم رواة الشعر، المقدّس يحارب الشعراء ككيانات وأيضًا كنصوص، السلطة ذات الشيء، تغتال الشاعر جسديًا، ثم تسعى لتفتيت أثره، وكلاهما مدعوم بالمجاز، الأول يمارس عنفه، والثاني يمارس فجوره، أيًا كان، فهو فجور لطالما أنه شعر.

الممارسة الشعريّة موقف من العالم، إنشاء جديد لبنيته وعلاقاته، بديل عن النموذج المقدس أو السلطوي، نموذج فردي، شهواني، انهماك باللذة بأنواعها بوصفها حقيقة، الحقيقة الشعريّة بحضورها المجازي أشد حضورًا من الواقع، بل تهدده وتهدد تماسكه، شعراء يغوون الجميع، يمرقون بينهم بثًا للفتنة.

لنقتل الشعراء، لنحرق الشعر، لنعدم كل من يتكلم بسجع، كل من يحاول أن يخلق قافية، كل تحرك بسيط خارج سلطة المقدس، الشاعر، الشاعر الحقيقي من يعيد إنتاج الحقيقة أو كما يسميّه آرثر رامبو "الرّائي"، لا يمكن بمقال واحد إعادة قراءة تاريخ القمع الذي تعرض له الشعر، من الحضور الديني بوصفه أفسد الشعر باحتكاره الحقيقية، حتى الممارسات العنيفة ضد الشعراء كأفراد، فلنقتل كل الشعراء، لكننا سنفشل، هو كالعادة السريّة، انتصاب بوجه السلطة، سيبقى حيًا، ولو بالسر، فالشعراء لن يغادروا مُتردم.

اقرأ/ي أيضًا:

أشرف فياض.. هزيمة لكل شيء

الشعراء الانقلابيون