مواسم إعلام لبنان.. هشام ومارسيل وكوارث أخرى

مواسم إعلام لبنان.. هشام ومارسيل وكوارث أخرى

يجعل التنافس البرامج التلفزيونية في لبنان أكثر سطحية (تويتر)

انتهت الإجازة التلفزيونية الصيفية في لبنان، وهو الموسم التي تنخفض فيها مشاهدة التلفزيون إلى أدنى مستوياتها، فتقوم المحطات التلفزيونية بإيقاف معظم برامجها السياسية، الحوارية والفنية، وتنشغل بالتحضير للموسم الجديد. وعاد الحديث تدريجيًا عن المنافسة في جذب المشاهدين، وأرقام المشاهدات، وبرز كالعادة مصطلح "سباق الرايتنغ"، حيث تدّعي كل محطة بأن برامجها تحقق المشاهدات الأعلى، معتمدة على دراسات وإحصاءات لا تحظى بثقة المشاهد اللبناني، خاصة في ظل التضارب في الأرقام بين شركة الإحصاء هذه وتلك، بما يخدم مصلحة قناة أوأخرى.

يمكن العثور على ما يسري في تنقلات سوق  كرة القدم بين الأندية من ضجيج في تنقلات الإعلاميين بين الشاشات اللبنانية

كما ينتقل اللاعبون في كرة القدم بين الأندية، فإن الإعلاميين والمذيعين وكذا مقدّمي البرامج في لبنان، ينتقلون من محطة إلى محطة، حيث تلجأ إدارات المحطات إلى استقطاب من ترى أنه قادر على رفع نسب المشاهدة وتحقيق "رايتنغ" عالٍ. والأمر هذا يفيد المحطة ماليًا، حيث تجني مبالغ طائلة من المحطات الإعلانية.

اقرأ/ي أيضًا: قانون الإعلام اللبناني.. قيود مغلفة بالإصلاح

لا يأبه جلّ المحطات اللبنانية بنوعية ومحتوى المواد التي تعرضها، ولا توجد مشكلة لديها في عرض برامج مبتذلة مليئة بالإسفاف والسطحية متذرعين برغبات الجمهور. يذكر في هذا السياق التشهير الذي طال الممثل المسرحي زياد عيتاني قبل سنة تمامًا، إذ تسابقت المحطات يومها على اختلاق الأحداث مستبقة نتيجة التحقيق، الأمر الذي خلق انطباعًا لدى الرأي العام بأن عيتاني مدان فعلًا بالتخابر مع إسرائيل. علمًا أن براءته ثبتت لاحقًا بالأدلة الدامغة والموثقة بالصوت والصورة.

كان الحدث الأبرز في الإعلام اللبناني في السنة الأخيرة، انتقال الإعلامي مارسيل غانم، من محطة LBC/شاشة بيار الضاهر إلى محطة .MTV/شاشة المر، مع العلم أن غانم قد استمر لأكثر من عشرين سنة، في تقديم برنامج "كلام الناس" على LBC، وهو برنامج حواري سياسي يحظى بشعبية عالية في لبنان.

خسرت  LBC مارسيل غانم إذًا وباتت بحاجة للقيام بردة فعل لمواجهة MTV. برز في السنوات الأخيرة برنامج "لهون وبس" الذي يقدّمه هشام حداد، وهو برنامج ساخر، لا يخلو من التعليقات العنصرية والمسيئة، ولا يتوانى عن اجترار الأفكار نفسها ونقل النكات عن وسائل التواصل وتقديمها على أنها من ابتكار معدي البرامج. وكردة فعل، نقلت LBC موعد "لهون وبس" من مساء الثلاثاء إلى مساء الخميس، لكي تنافس به برنامج مارسيل غانم الجديد "صار الوقت"، والذي تبين بشكل جلي، ومن أول  حلقة، أن MTV قد وضعت كل خبرتها وإمكاناتها في ما يتعلق بالصوت، المسرح، الإضاءة، الديكور والمسرح للخروج ببرنامج قادر على تحقيق نسب مشاهدات عالية. كذلك يستفيد مارسيل غانم، كعادته، من شبكة العلاقات التي يبنيها مع الساسة اللبنانيين، للحصول على مقابلات من "الصف الأول" تحظى باهتمام اللبنانيين.

لا يوفّر غانم وسيلة للتقرب من السياسيين، عبر التزلف لهم وتلميع صورتهم. فيما يحرص الساسة على الحفاظ على علاقة طيبة مع غانم، فهو يشكل منبرًا هامًا لهم قادرين من خلاله على إيصال مواقفهم السياسية.

قبيل انطلاق الحلقات الأولى من البرنامجين، بدأت حرب شعواء على تويتر بين "صار الوقت" و"لهون وبس"، وشنّ هشام حداد هجومًا عنيفًا على مارسيل، واتهمه بمحاباة الزعماء والوزراء والنواب. وقد استغرب عدد من الناشطين هجوم حداد على غانم، مع العلم أن حداد معروف بانتمائه السابق للتيار الوطني الحر، وقد قام عدة مرات بنشر صور له مع قادة لبنانيين، وكتب عليها عبارات التبجيل والتمجيد لهم.

اقرأ/ي أيضًا: الإعلام اللبناني يضرب مجددًا!

بعد انتهاء حلقات الخميس، يبدأ كل طرف بالادعاء بأن حلقته حققت نسبة المشاهدة الأعلى، وتنتشر الردود والردود المضادة، مع العلم أنهما برنامجان من طبيعة مختلفة، ولا يمكن بطبيعة الحال مقارنة برنامج سياسي بآخر كوميدي - ترفيهي. وقد لاحظ المتابعون في هذا المجال، شعبوية هشام حداد وسطحيته، وإصراره المستمر على ذكر برنامج مارسيل غانم في تغريداته، مستخدمًا ألعابًا كلامية ولفظية.

بدأ المتابعون اللبنانيون يضيقون ذرعًا بالمهاترات الأسبوعية، والهراء الذي يعاد استهلاكه بعد كل حلقة تلفزيونية

 استضاف مارسيل في حلقاته الثلاث الأولى على التوالي، رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وزير الخارجية جبران باسيل، والوزير السابق والزعيم الماروني الشمالي سليمان فرنجية، ثم استضاف في الحلقة الرابعة كلًا من القياديين البارزين في التيار الوطني والقوات اللبنانية، الوزير السابق إلياس بو صعب، ووزير الإعلام الحالي ملحم رياشي. وبدا أن معدي البرنامج يحرصون على اختيار ضيوفهم بعناية، بهدف رفع نسب المشاهدة. في المقابل، فإن هشام حداد أضاف في هذا الموسم إلى برنامجه فقرات جديدة، حيث باتت تظهر في حلقاته شخصيات تنشط على مواقع التواصل، وهو أسلوب يستخدمه هشام حداد اليوم لرفع نسب المشاهدة، مع العلم، وللمفارقة،  أن حداد  كان قد انتقد في السابق عادل كرم وبرنامجه "هيدا حكي"، بسبب اعتماده المتكرر على مشاهير من مواقع التواصل، لإنقاذ برنامجه.

بعد انتهاء حلقتي الخميس الماضي، كتب فيليب أبو زيد، أحد معدّي برنامج مارسيل غانم، تغريدة على تويتر، ردّ فيها على التغريدات المتتابعة لحداد، وأكد أن هناك فارق بين الجمهرة، وبين التأثير على الرأي العام. رد حداد بسرعة على أبو زيد، من خلال تويتر أيضًا، واستغرب أن يعتبر شخص بثقافة وعلم أبو زيد، أن البرامج قادرة على التأثير على الأجندات السياسية.

من جهتهم، بدأ المتابعون اللبنانيون يضيقون ذرعًا بالمهاترات الأسبوعية، والهراء الذي يعاد استهلاكه بعد كل حلقة، وكأن اللبنانيين الغارقين بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، لا يشغل بالهم سوى معرفة من يفوز بمعركة الرايتنغ هذه. في الوقت الذي تبدو فيه محطات التلفزة عاجزة عن مواكبة العصر، وبات المواطن يفضّل قضاء وقته على مواقع التواصل ومواكبة كل جديد، على أن يتسمّر أمام الشاشة الفضية، لمتابعة المحطات اللبنانية ببرامجها المستهلكة والشعبوية، والتي لا تخلو من الإسفاف والتكرار.

 

اقرأ/ي أيضًا:
إعلام لبنان الإسخريوطي

كوميديا جاد غصن "تبع الأخبار": نكتة المراسل السمجة