مواجهة إسرائيل بين الولاء والبراء الإنساني

مواجهة إسرائيل بين الولاء والبراء الإنساني

مخيم الرشيدية في صُور اللبنانية (أرشيف الأونروا)

يتخذ الصراع العربي- الإسرائيلي أبعادًا ذات طابع حقوقي، وليس عرقيًا أو دينيًا كما يريد أن يسوغ له المعتدي، إذ هناك شعب تم سلب وطنه بدعم خارجي، وتم توطين كتلة بشرية كبيرة تم استقدامها من شتى أرجاء العالم، لا تجمعها سوى الرابطة الدينية، وزرعها كبديل للفلسطينيين.

كانت فلسطين قبل احتلالها وطنًا لكل مواطنيها مع تعدد أديانهم من إسلام ومسيحية ويهودية وبهائية

ما هو معلوم أنه كان هناك تواجد يهودي في فلسطين قبل إعلان وعد بلفور في عام 1947، كما كان هناك اختراق صهيوني قبل هذا العام وتغلغل في الأراضي الفلسطينية تمهيدًا للسيطرة عليها، إلا أن العرب عمومًا لم تكن لديهم حساسية وتحامل تجاه مواطنيهم اليهود في فلسطين، في حين أن الإدارة البريطانية كانت تمارس سلطتها لتوطين اليهود القادمين رغم أن الفلسطينيين كانوا رافضين لذلك الضرر الذي لحق بهم.

اقرأ/ي أيضًا: القدس...أرملة عروبتكم

فيما بعد تمت سيطرة الإسرائيليين وكان الإعلان عن دولة يهودية، دولة لشعب معين ودين وأحد، في حين كانت فلسطين قبل احتلالها وطنًا لكل مواطنيها مع تعدد أديانهم من إسلام ومسيحية ويهودية وبهائية. انطلق الصراع من تلك الخلفية، حيث تعاطف العرب مع أقرانهم في فلسطين، فكانت حرب 1948 التي شاركوا فيها إلى جانب المقاومة الفلسطينية، وبطبيعة الحال فإن التفوق العسكري الإسرائيلي لم يحل دون ممارسة التزاماتهم تجاه الفلسطينيين، لدى كانت تصورات الفترة ما بين 1948 - 1973، ذات رؤية مستوعبة لطبيعة الصراع، فكانت تلك السنوات الـ 25 بمثابة اليوبيل الفضي لمواقف العرب والقضية، ورغم إخفاقات تلك الفترة إلا أنها حفظت الحد الأدنى من النظرة تجاه الصراع.

تلت ذلك سنوات تفكك وهزيمة، كاد عمرها يبلغ قدر يوبيل ذهبي منح العدو استمرارية وتصدرًا، في حين نال من مواقف أصحاب الحقوق المشروعة وانتهى بهم السبيل إلى التفكك، وسعيهم لتعاطي الأحادي مع إسرائيل بمعزل عن القضية الجامعة، وهو ما أسفر عن الاتفاقيات العربية مع تل أبيب، بما في ذلك اتفاق أوسلو 1993 الذي خاضته حركة فتح بمعزل عن الفلسطينيين، العرب والمسلمين وكل القوى المحبة للعدل والسلام العالمي، والذي توج بالتخاذل والترويج بأن الفلسطينيين قد أبرموا اتفاق سلام أحادي مع إسرائيل، وأن سلطة وطنية لهم قد تم تأسيسها، رغم أن الجميع دفع الطرف الفلسطيني نحو موقف غير متكافئ في صراعه مع الكيان الغاصب نظرا لتخلي العملي عنهم.

ساهمت الأنظمة العربية في إجراء أوسلو الانتحاري الذي دفعت إليه حركة فتح بفعل الضغوط وفسادها، وبطبيعة الحال فإن الموقف الفلسطيني قوة وخنوعًا، تماهى مع الواقع السياسي العربي إيجابًا وسلبًا منذ عام 1948، وتراوح ما بين مسيرة مقاومة وتطبيع.

إلا أن ما لا يمكن تجاوزه، سواء على المستوى العربي أو الفلسطيني، هو التخلي عن خيار النضال والمقاومة، رغم التراجع الكبير الذي شمل المواقف الرسمية لدول العربية وإعلان التطبيع قبل استعادة الأراضي الفلسطينية، والسورية والأردنية، وتقبل الهزيمة والتبعية للخصم.

قيام الدول العربية والإسلامية بالتطبيع مع كيان مغتصب هو إعلان قطيعة مع القيم الإنسانية

كما أن تلك الحقوق مؤشر حقيقي لطبيعة مشروعية المواقف العربية في أراضيها المسلوبة، إلا أن ذلك لم يحل دون أن يقعوا في خطأ تاريخي، وهو قبولهم بتحكيم الخصم، فالولايات المتحدة ليست طرفًا محايدًا في الصراع حتى يتم تفويضها دور راعي لعملية سلام شامل. واشنطن خصم حقيقي لقضايا العرب والمسلمين والإنسانية، ومواقفها وتصريحات قادتها السياسيين والعسكريين تؤكد ذلك، رغم أن مصالحها أكثر ارتباطًا مع هؤلاء مقارنة مع إسرائيل التي لا ترتبط معها بمصالح حقيقية، سوى علاقة تحالف استراتيجي قائمة على الابتزاز والسيطرة على الآخر.

اقرأ/ي أيضًا: صفقة القرن.. انحياز لشرعية القوة

في المحصلة، قيام الدول العربية والإسلامية بالتطبيع مع كيان مغتصب هو إعلان قطيعة مع القيم الإنسانية والدينية بشقيها، الإسلامي والمسيحي، ومن المؤكد أن التطبيع سيضعهم في واقع رضوخ مستمر وأكبر، ولن يكون هناك أي سلام وتعاون حقيقي مع إسرائيل، ويستشف ذلك من طبيعة علاقتها مع مصر، خاصة أن الأخيرة لا زالت مكبلة بقيود سياسية سلبتها سيادتها على سيناء وقرارها السياسي ومواردها الواقعة رهن السيطرة.

ماذا سيستفيد العرب، الأفارقة، المسلمين، المسيحيين وغيرهم من التطبيع مع دولة عنصرية وذات قدرات محدودة وقائمة على الدعم الأمريكي المستمر؟ وقبل ذلك هل هناك قواسم مشتركة تبيح العلاقة مع كيان متمرد عن النسق الإنساني المشروع؟

هناك من يقول إن لديها قدرات على المستوى الزراعي والصناعي والتكنولوجيا، وأنها دولة متطورة.. ترى ماذا استفادت مصر منها خلال رحلة التطبيع؟ هل خيار العرب وغيرهم في التطور مرهون بالعلاقة مع إسرائيل؟

الإجابة الحقيقية هي أن كل ذلك يتم لصالح إرضاء الولايات المتحدة والتقرب منها، فالصراع يتجاوز إسرائيل، والدول الرأسمالية الكبرى والأنظمة العربية بدورها خصوم لقضايا العرب العادلة، وهؤلاء في عجلة من أمرهم لتصفية حقوق العرب المستلبة. أليس بمقدور العرب أن يخلقوا واقع تكامل شامل فيما بينهم يغنيهم عن الكيان الصهيوني؟

هناك واقعة ذات صلة بالتقسيم والتسويات غير المتكافئة، إنها تجربة الصومال مع بريطانيا الاستعمارية

رفض العرب قرار التقسيم الأممي رقم 181 في عام 1947، وكانوا صائبين في رفضهم، فليس من المنطق أن يتم وضعك في خيار أن تترك بعض أبنائك للعدو وتأخذ البعض الآخر! ثم قبلوا بقرار إعادة الأراضي العربية المحتلة رقم 242 لعام 1967، فالعدو رغم سيطرته على أراضي دول عربية وفلسطين ما كان قادرًا على الاحتفاظ بها في حال استمرار مقاومتهم المشتركة، وقد أكدت الدلائل على ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: المركز العربي يبحث تاريخ نكبة فلسطين في عامها الـ70

لأجل ذلك تم التركيز على اختراق مصر في عام 1978 كمدخل لبعثرتهم ولإسقاط دولهم، كلٌّ منها بصورة فردية، إذ جنى الرئيس محمد أنور السادات، على مصر وعليهم جميعًا، فكان تبريره: أنني لا أستطيع محاربة الولايات المتحدة، رغم أن العرب بدورهم كانوا يدركون أنهم في مواجهة مع أمريكا، إلا أن الاستحقاق الذي لم يضعه الجميع في حساباتهم هو ضرورة قيامهم بحاجات توحيد الصف لترجيح كفتهم في المقاومة.

هناك واقعة ذات صلة بالتقسيم والتسويات غير المتكافئة، إنها تجربة الصومال مع بريطانيا الاستعمارية، والتي كانت تطالبها مقديشو بضرورة منح الصوماليين الذين بقوا تحث سيطرتها حقهم في تقرير مصيرهم والاستقلال، بينما أرادت بريطانيا تقسيم أراضيهم ما بين مقديشو ونيروبي، وذلك قبل رحيلها من أراضي الصوماليين وكينيا في عام 1963، وجاء موقف الصومال رافضًا لتقسيم هذه الأراضي ما بين الدولتين، فكان ردها القيام بإلحاق المقاطعات الصومالية الستة جميعها بدولة كينيا الوليدة، والحكومة الصومالية كانت حينها صائبة في قرارها المتمسك بوحدة تلك المقاطعات، وأن يمنح كل السكان الصوماليين حق تقرير المصير، وأن يترك لهم خيار تأسيس دولة مستقلة بحد ذاتها، أو خيار اتحادهم مع الجمهورية الصومالية التي استقلت في عام 1960.

إن منطق السلام العادل يسبق إجراءات التطبيع، وليس العكس، وحين يكون الأمر كذلك فهو واقع استسلام، فالتطبيع حالة تخلٍ عن فلسطين والأراضي العربية الأخرى المحتلة، وأبرزها الجولان المحتل الذي تم ضمه رسميًا من قبل إسرائيل، فالموقف السوري كان أكثر اتزانًا من غيره وذلك في إطار شمولية الحل، فدمشق أصبحت طرفًا في الصراع العربي مع الكيان الغاصب، انطلاقًا من القضية الفلسطينية، وحين تفاوضت شمل موقفها ما تبقى من أراضي عربية محتلة.

المحصلة أن هناك أنظمة عربية تتصدر تصفية القضية الفلسطينية، وتتخذ هذا القرار بمعزل عن شعوبها والتي ترتبط عضويًا مع الفلسطينيين، ناهيك عن أنها تدفع أنظمة أخرى لكي تسلك المنحى ذاته، القضية التي لا يرغب المهرولون لتطبيع استيعابها هو أنه ليست هناك عروبة أو إسلام في ظل تصفية القضية الفلسطينية، فعلى تلك الشعوب أن تعلن حينئذٍ وبصورة موازية قطيعتها مع قيمها الكبرى، وأن يشمل ذلك مسيحيي المشرق العربي الذين غيبتهم الأنظمة من المشهد العام حين حصرت الصراع بطابع ديني بحث، انطلاقًا من ممارستها الطائفية وفكر شيوخها، الذين يستحضرون عادة خطاب مواجهة الحروب الصليبية في القرون الوسطى تجاه مواطنين عرب لمجرد تميزهم الديني.

طريق الانطلاقة يستدعي أن تحلّ جماعة أوسلو تبرير أنها سلطة وطنية، وأن تترك خيار تقرير المصير للشعب، وأن تتنازل الفصائل عن أيديولوجياتها الشوفينية القومية، والماركسية الأحادية، والإسلام السياسي المستبد، وأن يترك خيار تقرير المصير للشعب، وحتى تتبلور وحدة وطنية يمكن الالتفاف حولها والتعويل عليها لحماية القضية، وعلى المستوى الإقليمي على العرب إسقاط أنظمتهم التي ارتكبت كل المحظورات.

كيف يمكن الوثوق بكيان عنصري لم يستطيع بعد 72 عامًا استيعاب من تمت تسميتهم بفلسطينيي 48، ويهود الفلاشا؟

كيف يمكن الوثوق بكيان عنصري لم يستطيع بعد 72 عامًا استيعاب من تمت تسميتهم بفلسطينيي 48، ويهود الفلاشا الذين تم جلبهم من إثيوبيا قبل 35 عامًا؟

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة: كل فلسطين قدس

إن طبيعة الولاء والبراء المطلوبة تقتضي أن تتجاوز المنظور الديني الإسلامي، نحو واقع تمازج عربي عام، وبالعودة إلى مرجعية ثقافية وتاريخية تستوعب العرب الذين مزقتهم الأيديولوجيات، وحتى يتم تحقيق تمايز إنساني عن الحالة العنصرية السائدة في الكيان الإسرائيلي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

68 نكبة.. ونكبة

القضية الفلسطينية ووعي السينما المصرية