موائد رمضان في لبنان.. العز للتراث والدعوة مفتوحة

موائد رمضان في لبنان.. العز للتراث والدعوة مفتوحة

مقبلات لبنانية (Getty)

يشكّل شهر رمضان باباً روحانياً يتقرّب عبره العبد إلى الله، صائماً وذاكراً وساجداً ومزكيّاً ليتشارك الفرحة مع مجتمعه لا سيما المحتاجين فيه.

ويشكّل الشهر الفضيل أيضاً نافذةً على الماضي من خلال الموروثات الثقافية والاجتماعية التي تحرص غالبية المسلمين في لبنان على التمسّك بها، إحياءً للقديم الذي لن يأخذ الحديث مكانه ومكانته في القلب والوجدان. وإذا كان الشهر الكريم فرصةً للعودة عن الأخطاء والتوبة عن الخطايا سُرّ من اغتنمها، فإن "فعلَي" الأكل والشرب فيه يأخذان أبعاداً تتعدّى معنى الجوع والعطش، لا سيما وأن مشاغل الحياة فرّقت أفراد الأسرة، فتضاعفت رغبتهم بتناول طعام "الإفطار" طيلة أيام الشهر الفضيل على مائدة واحدة. وتبقى الغصّة في قلوب المغتربين وذويهم، بعد أن فرّقتهم الأميال وحالت دون تواجدهم تحت سقف واحد في ليالي الخير المباركة.

تهيمن المشروبات التقليدية على مائدة رمضان اللبنانية كالجلّاب والعرق سوس والتمر الهندي فضلاً عن القمر الدين والعصائر الموسمية

ولأن الانقطاع عن الطعام لما يزيد عن الست عشرة ساعة في بيروت ومختلف المناطق اللبنانية يستوجب تحضير المأكولات الصحية التي تمدّ الصائمين بما يحتاجونه من مغذّيات تقوّي أبدانهم وتعينهم على الصيام والقيام، فإن الأمهات ينهمكن لساعات طويلة في المطابخ تحضيراً للأطباق التي ستملأ الموائد قبل دقائق من رفع الآذان، علماً وأن عدداً كبيراً من ربات المنازل يتبارين قبل دنو الشهر الفضيل في "تموين" المأكولات التي بالإمكان إعدادها وحفظها في الثلاجات ليتم طهيها سريعاً في رمضان كالكبة المحشوة باللحم والصنوبر وورق العنب الملفوف والمحشوّ بالرز والخضروات المقطعة ولفائف الجبن أو اللحمة أو الخضروات المقلية.

كبة مقلية (فيسبوك)

اللبنانيون الذين يطبقون المثل المحلي الشهير "كل على ذوقك والبس على ذوق الناس"، يسرف الكثيرون منهم في "حشو" الموائد بالعديد من الأطباق، اللبنانية والعربية (الخليجية كالكبسة خصيصاً) والعالمية (الصينية على سبيل المثال).. لكن تبقى الأطباق التقليدية، التي تكاد تكون واحدة في كل القرى والمدن اللبنانية مع بعض التمايز الطفيف في الوصفة بحكم المتوارث أولاً والذوق ثانياً، خارج المنافسة فمكانها محفوظ في الصدارة... "يومياً".

اقرأ/ي أيضًا: رمضان الشام.. شهر الغلاء واستذكار الغائبين

فالتمر، الذي يعدّ تناوله سنّة نبوية، هو من الثوابت على الموائد. يتبعه المشمش المجفف والذي يوصى به لفوائده الغذائية. أما الأطباق الرئيسية الثابتة طيلة أيام الشهر الثلاثين فهي: شوربة العدس الأسود أو ما تُسمى بـ "المَمروتة" لأن العدس فيها "يُمرَت" أي يطحن تماماً ويتم طهوه مع اللحمة المفرومة والبصل والكمون. الفتّوش سلطة محلّية تكسر خضرتها مكعبات البندورة والفجل والخبز المقرمش، وهو يأخذ "عزّه" مع غياب التبولة التي لا تُعدّ طبقاً رمضانياً.

فتوش (فيسبوك)

تشارك الطعام عادة رمضانية يومية في لبنان فالجيران يتبادلون الأطباق المالحة والحلوة وقد يشمل ذلك حتى المارة

الفتّة أيضاً تعتبر من أساسيات المائدة الرمضانية وهي إما تقتصر على الحمص والخبز المحمص واللبن المثوّم مع رشّة من النعنع اليابس، وإمّا تُضاف إليها اللحوم كلحمة الموزاة أو النيفة (لحمة رأس الخروف) أو اللسانات أو الكوارع التي تُسمى محلياً بـ "المقادم". هذه الأطباق المذكورة تُعدّ يومياً ودون انقطاع في شهر رمضان، تليها في الأهمية لحمة "الكفتة" المقليّة أو المشوية والتي يتناولها الصائمون مع شوربة العدس. أمّا بقية الأطباق فهي تتنوع بين يوم وآخر، وتشكّل الإجابة الأصعب على سؤال الأمهات اليومي: "ماذا أُعدّ لإفطار اليوم؟".

فتة حمص (فيسبوك)

للمشروبات أيضاً لائحة معروفة وثابتة. فغالباً ما يتمّ الابتعاد في شهر رمضان عن المشروبات الغازية حيث تحلّ محلها المشروبات التقليدية كالجلّاب والعرق سوس والتمر الهندي فضلاً عن القمر الدين (معجون المشمش) والعصائر الموسميّة على أنواعها كشراب التوت حالياً في لبنان.

أما الحلويّات الأكثر طلباً في رمضان فهي تلك المعدّة بالقشطة اللذيذة والمحلّاة بالسكر والكثير من القطر كـ "معمول المدّ بقشطة" والكلّاج و"المدلوقة" والشعيبيات والقطائف المحشوّة والمزيّنة بالفستق الحلبي المبروش، كما تحظى الفواكه الموسمية بقدر من الأهمية على "السُفرة" وبما أننا على مقربة من فصل الصيف فإن فواكه رمضان لهذا العام في لبنان هي التوت الحلو (الشامي ذو النكهة الحامضة لم يحلّ موسمه بعد) والأكيدنيا والمشمش والكرز.

اقرأ/ي أيضًا:  جدل الإفطار العلني في رمضان بالمغرب

كلاج (فيسبوك)

لا بد من الإشارة في الختام إلى أن تشارك الطعام عادة رمضانية يومية في لبنان ليس بالضرورة أن يكون على المائدة نفسها. فالجيران يتبادلون الأطباق المالحة والحلوة، وبما أن الطقس مال إلى الحرّ في هذا الوقت من السنة فإن الموائد تُمدّ على الشرفات وفي الحدائق أو على سطوح المباني، فترسل الأطباق رائحتها إلى المارّة بسهولة تنحبس الأنفاس معها قبيل ارتفاع آذان المغرب.. فيعرّج في كثير من الأحيان ضيوف غير متوقعين، لكن الخير كثير في الشهر الأكرم.. فـ "أهلاً وسهلاً".

مدلوقة (فيسبوك)

 

اقرأ/ي أيضًا:

"البوقالة" تؤنس سهرات الجزائريات في رمضان

صيام رمضان بالمغرب قد تفسده "ترمضينة"!