مهن السوريين في تركيا تتقدم وتزدهر

مهن السوريين في تركيا تتقدم وتزدهر

مطعم سوري جنوب تركيا (آدم أتلان/أ.ف.ب/Getty)

تعد تركيا من أكثر الدول تساهلًا مع اللاجئين السوريين على أراضيها، وتمنحهم حق العمل دون الحاجة لتصريح كما هو الحال بالنسبة للأجانب. كما أنها تمنحهم حقوقًا أخرى، ولكن هذا لا يعني أن هؤلاء اللاجئين يجدون طريقهم بسهولة إلى عمل يدر عليهم مدخولًا يمنحهم الحد الأدنى من العيش الكريم. الأزمة معقدة. مع توافد أكثر من مليوني لاجئ سوري إلى تركيا، منذ أواخر عام 2011، لم يكن أمامهم أسهل من قطاع النسيج لدخوله والاستفادة من حاجته الشديدة والمستمرة للعمالة، سواء كانت محلية أو وافدة. إنه إحدى حرفهم المفضلة. وبالفعل، غصت معامل الألبسة ومشاغل الحياكة بالعمال السوريين. لكن مرتبات هذا القطاع كانت ضئيلة، ولا تساوي مقدار الجهد والتعب والوقت المبذول فيها.

معامل الألبسة: المهنة الأشهر

نعيم، الذي وصل إلى مدينة اسطنبول التركية بداية عام 2013، ويقيم في حي سلطان غازي شمال المدينة، عمل في الأشهر الأولى من وصوله في معامل الألبسة، ولكنه تركها وتنقل بعدها في عدة أعمال، بحثًا عن الأفضل الذي لم يجده بعد. يقول شارحًا الوضع: "عملت في عدة مشاغل قريبة من مسكني في سلطان غازي، وكان الراتب في البداية سبعمائة ليرة تركية (ثلاثمائة وخمسين دولارًا في ذلك الحين) ثم زاد الراتب بعد أشهر إلى ثمانمائة، لكنه لم يكن يكفي سوى لأجرة المنزل وبعض مصروفه"، ويضيف: "كانت ساعات العمل تبدأ في الساعة الثامنة وتنتهي في الساعة السابعة، لقد كان متعبا جدًا، ولم يكن مردود العمل يستحق هذا التعب".

ولا يكاد يخلو معمل أو مشغل للألبسة في اسطنبول من عمال سوريين، إلا أن العديد منهم، ومع تزايد أعداد السوريين، ومعهم العرب القادمين من العراق وليبيا ومصر خلال العامين الفائتين، توجهوا للعمل في مهنهم الأصلية التي كانوا يعملون بها، رغم عائق اللغة، وذلك لأن ذوي المهن الأتراك بدأوا يواجهون مشكلة في التعامل مع الزبائن العرب الذين أصبحوا يشكلون سوقًا تستحق التركيز عليها، ما اضطرهم لتوظيف سوريين للتعامل مع هذا النوع من الزبائن، لتلافي مشكلة اللغة.

أصحاب العمل الأتراك بدأوا يواجهون مشكلة في التعامل مع الزبائن العرب الذين أصبحوا يشكلون سوقًا ما اضطرهم لتوظيف سوريين

مهن كثيرة

فراس، سوري من حلب، عمل بعد قدومه إلى تركيا في مشاغل الألبسة، لكنه تعرف لاحقًا على مواطن تركي يملك محلًا لبيع الكهربائيات، ولديه قسم يقدم خدمات التصليح للزبائن. قام بتوظيفه نظرًا لكون مهنة فراس الأصلية هي "الكهربجي" في سوريا. ويوضح فراس، الذي يقطن حي باغجيلار في اسطنبول، أنه حظي بعمل أفضل من سابقه، وقال: "حصلت على مرتب جيد مقارنة بمرتبات العمل في النسيج، معلمي يعطيني أربعمائة ليرة تركية في كل أسبوع (أكثر من ألف وستمائة شهريًا)، رغم أنني أبذل جهدًا أقل"، ويضيف: "لم أكن أتكلم اللغة التركية إلا قليلًا، لكن بعدما أمضيت بضعة أشهر في عملي الجديد تعلمت المحادثة وتحسنت لغتي كثيرًا".

الأعداد الكبيرة للاجئين السوريين أفضت أيضًا إلى افتتاح مئات المدارس العربية، وربما الآلاف، في جنوب البلاد وشمالها، ما وفر فرصة مناسبة لعمل المدرسين، فيما توجه الأشخاص ممن لا يمتلكون كفاءة العمل في المهن المختلفة إلى بيع المواد الغذائية التي اعتاد السوريون على استهلاكها في سوريا، ولا تباع في تركيا. هكذا، انتشرت المحال السورية التي تبيع الزيت والزعتر والشاي والقهوة وسلعًا أخرى، وتنتشر أيضًا "البسطات" لبيع ذات السلع على أرصفة الشوارع. لكن أكثر ما يلفتك في عمل السوريين بتركيا هو المطاعم المتكاثرة في كل منطقة أو مدينة يوجد بها سوريون، وتتراوح هذه المطاعم التي ينشئها سوريون خرجوا من سوريا بعدما سحبوا مدخراتهم أو باعوا بعض مقتنياتهم وممتلكاتهم، بين الشعبية والفاخرة، فضلًا عن أنها تلقى إقبالًا شعبيًا كبيرًا، لا يقتصر على السوريين، بل يشارك فيه أيضًا الأتراك.

الأعداد الكبيرة للاجئين السوريين أفضت أيضًا إلى افتتاح مئات المدارس العربية في تركيا

المطبخ السوري في تركيا

المطاعم الشعبية تقدم عادة وجبات الحمص والفلافل والفول والفتة بمختلف أصنافها، بالإضافة إلى الشاورما، وكان مطعم "الطربوش" أول مطعم شعبي سوري يفتتح في اسطنبول، وذلك مع بداية عام 2013، قبل أن تنتشر هذه المطاعم في شارع فندق زادة -الذي يوجد فيه المطعم- بالعشرات، وتلتها المطاعم التي كانت تحظى باسم وسمعة في المدن السورية، لتتحول هذه المطاعم التي أخذت طابعًا محليًا (حلب، دمشق..) إلى ظاهرة تعد المئات، لم تستثن منطقة في اسطنبول ذات الخمسة عشر مليون نسمة.

يوسف يملك مطعمًا في منطقة بيرم باشا، ويقدم الفروج البروستد كوجبة رئيسية، وهي طريقة خاصة معروفة لدى السوريين يطهى بها الفروج. يقول لـ"ألترا صوت" إنه فتح مطعمه في أبريل/نيسان الماضي، ويؤكد أنه اتخذ هذا القرار بعدما رأى الإقبال الكبير على المطاعم في تركيا.

ويضيف يوسف (28 عاما): "اتفقت مع صديقي الذي كان على وشك الخروج من سوريا على فكرة فتح المطعم، وبالفعل نفذنا الفكرة بالشراكة بيننا. لم نكن نتوقع هذا الإقبال الكبير على المأكولات السورية حتى بين الأتراك. يبدو أن المذاق السوري قابل للرواج بسرعة".

ويوضح أن "فتح المطعم هو أفضل ما يمكن أن يفعله السوري في تركيا، لأن سوقه مضمونة ومردوده عال، فضلًا عن أنه لا يحتاج لتعلم اللغة، فأغلب الزبائن من السوريين والعرب، ويكفي الاستعانة بنادل يتحدث التركية للتعامل مع الزبائن الأتراك". وفي الآونة الأخيرة شرعت بعض العائلات وذوو الحرف اليدوية ممارسة حرفهم، على أمل النجاح والتوسع لاحقًا، مثل صناعة إكسسوارات الألماس التقليدي، والتطريز، إلا أنها لم تتحول إلى سوق حقيقية بعد، ولا زالت مجرد محاولات، يحول بينها وبين النجاح المضمون عوائق كثيرة، أدناها اللغة.

اقرأ/ي أيضًا:
"الحلبيات".. أنوثة رغم أنف الحرب
مقاهي "النضال" في تركيا.. حلاويلا يا حلاويلا!