مهمّة لقتل الموت

مهمّة لقتل الموت

لوحة لـ ميمو بالادینو/ إيطاليا

الوحيد لا يخشى البلل.

بقعة الماء التي تنتظرني على زاوية الشارع كأنها كابوس لا ينتهي، وفي كلِّ مرّة أعبرُ بنجاحٍ عادي فوقها أسمعها تسألني؛ هل ستنجو؟

صارَ السؤالُ لازمةً أرددها بعد كلِّ خطوةٍ أنجح في إيجاد رقعةٍ أثبّتُ قدمي عليها؛

هل سأنجو؟

شعري قصير وأكمامُ معطفي تغطي رسغَيَّ، الهواء الذي لا يحملُ خبرًا سارًّا لي لا يعنيني، جفافُ الجلد أصبحَ صديقي الذي يُسليني في الطريق الطويل ما بين النجاةِ والنجاة، أكلّم نَفسي كالممسوسين لأطرد غبار الغربة الذي لا يشبهني بشيء، يبتسمُ غرابٌ لَمح خلفي وجبةَ غدائه، أحاولُ خلقَ كائناتٍ جديدة أتآلف معها، تصطدمُ الخطوط التي شكّلتها في ذهني بسورٍ قاتم، تغيب الشمس ساعة الظهيرة وتتوقف الساعات عن مشيها المعتاد.

حين رأيت اشارات المرورِ بالأسود والأبيض تذكرت ذلك الغُراب، فلعنته، وقبيلته آجمعين.

هل سننجو؟

الهواء البارد الذي يمر مُسرعًا على أجسادنا، يأخذُ بعضًا من قشورنا ويلقيها في مكانٍ بعيد، نصيرُ هُناك ونحن هُنا، وكلّما أسرعت الريح في مشيها وصلنا للأبعد، وإن مَشينا لمسافةٍ أطول سقط منّا أكثر، نواسي اهتراءنا بأنه نصيبُ الغريب الذي سيجمعه يومًا ما، ورقةُ يانصيب على شاكلة ذاكرة وكلمات وأرقام كثيرة جمعناها على أصابعنا كانت تعني لنا شيئًا.

 أكوامٌ من جُمَلٍ مبعثرة نحن، ترتيبها يحتاج لحياةٍ ثانية بعد أن نفهم الأولى.

*

 

لم يكتب أحد آخر لحظات السمكة قبل أن يُجرح فمها بحديدةِ الصنارة، لكننا نشعر بطعم الحديد حين يلقيه يومٌ -كنّا نظنّ أنه عادي – في فمنا، تتخذُ الأيام طعم الصدأ، نبلعها، نُجبرُ أمعاءنا على هضمها والاعتياد عليها، يصيرُ الطَعمُ العادي رفاهية من الماضي، ولليوم، والغد خشونة الحديد.

نسبحُ في الدموع لنثبتَ أن وزنها قادرٌ على حَملِ أجسامنا، تمشي إبرة الميزان خمسة كيلوات إضافية وإن أصابتنا دهشة لهذه الزيادة المفاجئة، تذكرنا ما ألقته الساعات القليلة الماضية على أكتافنا، فنستسلمُ للرقم الجديد.

هل نجونا؟

نُصادف لوحةً تجارية بصدفةٍ غبية تقول في آخرها "ليسَ بعد"، نخترعُ حديثًا لا يعني شيئًا لنبتعدَ عن الوهم الذي يأكلنا، توقظنا رنّة الهاتف الذي يتذاكى في كل شيء إلاّ معرفة الوقت المناسب ليصرخ في وجهنا، هُنا وهناك نحن، نقاتلُ ما لحقَ بنا من هواءٍ لكي نسترجعَ منه دقائقنا الأخيرة، يرنُّ الهاتف مجددًا، نلعن التكنولوجيا الفاقدة للعواطف، نُجيب، رسالة مسجلة لنصّابين يحاولون سرقةَ عشرة دولارات، نشتم، نلعن، نرمي الهاتف وكلّنا استعداد لدفعِ أضعافِ ما طلبوه لنعود إلى تلك اللحظة، لحظة ما قبل الرنّة.

الوحيد لا يخشى الغرق.

حين تكتمل ورقة اليانصيب في يدِ الغريب، تموت الحكاية التي ولدنا لروايتها.

يحيطنا الماء والهواء، نشربُ أكثر من قدرتنا على الاحتمال، وفائض الهواء يخنقنا، نقفزُ عن فراغٍ لنستقرَ في آخرٍ يترقبنا، همساتنا صارت صراخًا مكتومًا امتصّته الجدران، وكما جُعل من الماء كلَّ شيءٍ حي، فإن كلَّ شيءٍ يموت إن زادَ عن الخطِّ الرفيع بين المسافتين.

*

 

لن ننجو.

كعدّائين في سباق المسافات القصير نركضُّ بين خطّين، صافرةُ المراقب إنذارٌ أخير كي لا نميلَ نحو الحارة المجاورة، أصواتُ المشجعين لا تعنينا، والميداليات التي صُفّت على الطبق الكبير سينالها الذي أسقطَ عن كتفيه كل أثقالِ الأيامِ العادية، فالأخف وزنًا هو الأسبق في الخروجِ من البابِ الأخير.

*

 

سنخرجُ من الطابور ونقفُ في آخره مرّة بعدَ مرّة حتى نعثر على ما سقطَ منّا لنعيد لملمةَ الحكاية التي أردنا قولها، وحينها فقط، سنسمحُ للريح أن تحملنا إلى الهُناك البعيد.

*

 

لن يُدير دولاب اليانصيب أحدٌ سواي، فقصتي الأخيرة تستحقُ أن اختارَ من يحملها،

والورقة الرابحة سأدفنها معي، أو سأحرقها..

لن أستسلم للريح،

فلتصرعني، أو لأقتلها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سايلا سوسيلْوتو: الطيور ذات رأسين

ماذا لو كانت هذه الأغنية معطفًا؟