مهرجان كان: تسييس السينما فعل ثقافي أيضًا
25 مايو 2026
لم أشأ أن أغادر حديث السياسة في مهرجان كان دون التعريج على ما اختار له مبرمجوه من رؤيةٍ ودورٍ انحازا لمقارعة فجاجة الواقع، حيث بدا الانحياز خيارًا أخلاقيًا، شاء أن يكون فاقعًا في انغماسه بالآنية، صريحًا مباشرًا في وقوفه إلى جانب الحق كما رأوه.
في تضادٍّ جليٍّ بين منصّتَين، وفي موقف معلن مدروس ومفكّر فيه، بدءًا باختيار الملصق، أتى مهرجان كان محمّلًا بكلّ ما لم يطق مهرجان برلين حمله. أتى بمواقف سياسية صاخبة، غير معتذرٍ عنها. فالمهرجان الذي وُلد مناضلًا منذ نبضات وجوده الأولى، لم يستطع ابتلاع تصريح فيم فيندرز الأخرق، حين أعلن من على منصّة مهرجان برلين، رئيسًا للجنة تحكيمه، أنّ صناعة الأفلام هي "نقيضُ السياسة". جملةٌ انزلقت للعلن دون تأمّلٍ أو تفكيك، لكنها كافيةٌ لتكشف هشاشة المؤسسة التي تحدّث فيندرز باسمها، لتُسانده عندها مديرة المهرجان تريسيا تاتل بتصريح زلقٍ أقلّ ذكاءً وحساسية، لم يكن وقتها سوى إعفاءٍ للفنانين من حديث السياسة. هكذا، بضربتين متتاليتَين، حاول مهرجان برلين أن يرفع جدارًا بين السينما والعالم الذي ما زالت تتوالد منه. وهكذا، بعد ثلاثة أشهر، جاء مهرجان كان ليُجيب على كلّ ذاك الهذر بلقطة، تمامًا كما اعتادت السينما أن تفعل.
على صورتنا ومثالنا
على ملصق الدورة السادسة والسبعين أطلت علينا سوزان ساراندون من لقطة في "ثيلما ولويز"، بشعرٍ مُطلق للريح، ونظّارة تُخفي عينين تعرفان متى وأين تفرّان، بينما تحاول صحراء أريزونا ابتلاعهما كذاكرة لا تبغي غير النسيان. كما ليس من براءةٍ في كادر، كذلك لا براءة في اختيار ملصقٍ دعائي؛ ولم يترك المهرجان في جدران "الكروازيت" شيئًا للصدفة ولا للنوستالجيا. فساراندون نفسها أُدرجت على ما يُسمّى بـ"القائمة السوداء" عقابًا على مواقفها من الحرب على غزة. موقفٌ يُعيدنا إلى المكارثية التي طالما تذكّرتها هوليوود، وربّما ستعتذر حين تعي أنّها تُعيد إنتاجها، حين يستقرّ الكون ويرتاح لانحيازات سيُغربلها الوقت قريبًا، ويرضى عنها البلداء، حتى تصبح بلا قيمةٍ ولا ثمن.
طوال فترة المهرجان، تابع عشّاق السينما ومهووسوها قراءات كبار المخرجين والممثلين للسياسة التي تطعننا في حياتنا بحقائقها. ظهر بيدرو ألمودوفارو على صدره شارة "فلسطين حرة"، فكثّف الموقف حين أعلن أنّ أوروبا يجب ألا تخضع لترامب أبدًا، وأنّ الولايات المتحدة ليست ديمقراطية كما تدّعي
كان: حين يُحرج الإبداعُ التخاذلَ
لم يكن خافيًا، ومنذ لحظات المهرجان الأولى، أنّ معظم من أتوا إلى كان جاؤوه وهم واعون لمسؤولياتهم الإنسانية أولًا، والإبداعية والثقافية ثانيًا. فها هو بارك تشان ووك، رئيس لجنة التحكيم، مقارعًا التيار الآمن، يقف ليقول جملةً قصيرة بدت كأنّها رسالة مباشرة إلى فيم فيندرز وإلى برلين، إذ رأى أنّ "الفن والسياسة ليسا مفهومين متعارضين". ثم جاء بول لافيرتي، الكاتب الإسكتلندي، ليحوّل المؤتمر الصحفي الافتتاحي إلى ما يُشبه المانيفستو الأخلاقي. أشاد بسوزان ساراندون، ثم استدعى حكمة ويليام شكسبير في تحفة "الملك لير"، مشبّهًا ما نعيشه بمجانين يقودون عميانًا. وأضاف، بصرامة لا تقبل المراوغة، أنّ ساراندون وبارديم وروفالو وُضعوا على قائمة سوداء في هوليوود لأنهم عارضوا قتل النساء والأطفال في غزة، وأنّ العار سيلحق بمن فعل ذلك.
كان: منصّة لأحرار الوجدان والمخيّلة
طوال فترة المهرجان، تابع عشّاق السينما ومهووسوها قراءات كبار المخرجين والممثلين للسياسة التي تطعننا في حياتنا بحقائقها. ظهر بيدرو ألمودوفارو على صدره شارة "فلسطين حرة"، فكثّف الموقف حين أعلن أنّ أوروبا يجب ألا تخضع لترامب أبدًا، وأنّ الولايات المتحدة ليست ديمقراطية كما تدّعي، قبل أن يُسلّم وصيّته: للفنانين واجب أخلاقي في الحديث عن غزة. كما أكمل خافيير بارديم من زاوية أخرى، قائلًا إنّ "الجيل الأصغر يعي ما يجري لأنه يراه مباشرة على هاتفه وشاشاته". ثم جاءت هانا أينبايندر لتختزل المعادلة في جملة واحدة: "كلفة عدم الكلام أعلى".
كلّ ما فعله مهرجان كان وسيفعله، أنّه ترك السينما لتتحدّث بما تعرف، وتركها لتتقاطع كما دائمًا مع تراثها الأعمق، من بيير باولو بازوليني إلى كين لوتش، ومن جان لوك غودار إلى إيليا سليمان، حيث دفع منتجو مدارس السينما الكبرى ثمن مواقفهم وانحيازاتهم غير الخاضعة لابتزاز السوق، ولا لضرورات القسوة وأحكام القوة.
السينما آلاف من المرايا والرؤى
ربما من قبيل الكسل أو الإحباط، تتكرّر مقولة أمام انهزام الزمن وتعب الذاكرة من مآسيها: أنّ السياسة ستتلاشى بخيالاتها وولاءاتها، وأنّ التاريخ سينقى من نزقه، وأنّ الفن سيبقى للفن، لصنّاعه ولعشّاق الجمال. مقولة لطالما بدت منجية مريحة، تحمل في ظاهرها زهدًا ميتافيزيقيًا، وفي باطنها تواطؤًا ناعمًا: لندع المعركة للتاريخ، ولننتظر أن ينحاز الزمن وحده للعدل. لكن السينمات الكبرى تصدّت لذلك الطرح على لسان من صنعوها.
قبل أن يُقتل بسنوات، صرّح بازوليني بأنّ الفنان، حين يكون نزيهًا وشغوفًا، هو محض احتجاج حيّ. وبمجرد أن يفتح فمه، فإنه يحتج: ضد التواطؤ، ضد ما هو سلطوي، ضد ما يستكين إليه الجميع. حين يفتح الفنان فمه، يصبح ملتزمًا، لأن مجرد كلامه افتضاح خالص.
في الجهة المقابلة من القارة العجوز، صاغ كين لوتش الفكرة ذاتها بصرامة مختلفة: "التاريخ حال معاصر بطبعه. فهمك للتاريخ يؤكد كل ما تعتقده عن الحاضر. إنه ليس محايدًا". حيث، بضربة واحدة، أسقط لوتش وهم "الفن الذي تصطفيه الأبدية".
لأننا إن ذهبنا أبعد في تاريخ السينما، سنذكر حكمًا كوستا غافراس، الذي صنع "زد" (Z)، وهو يعرف أنّ الديكتاتورية اليونانية ما زالت تحكم بلاده، فلخّص الأمر في عبارة تستحق التأمل: "الفنون، وليس السينما وحدها، لها وظيفة سياسية في المجتمع، لا بالمعنى الأيديولوجي فحسب، بل في تأثيرها على سلوكنا الاجتماعي".
عن كان ماضيًا وحاضرًا
حين سُئل دييغو لونا في كان 2026 عن فيلمه "رماد في الفم"، لم يتحدث بلغة المنظّرين، بل قال جملة تُقفل النقاش: "السينما، بحكم تعريفها، سياسية. لا مفرّ من ذلك". لم يقل إن على السينما أن تكون سياسية، بل إنها كذلك أصلًا، شاءت أم أبت. وحين تتظاهر بالعكس، تكون قد اتخذت أعمق أشكال المواقف السياسية: التطبيع مع ما هو قائم.
المقولة التي يُكررها كثيرون اليوم، أنّ الزمن سينصف الفن وحده دون السياسة، يرد عليها تاريخ السينما لا بشيء إلا بتعداد أفلامه، وها هو يقول العكس تمامًا: الأفلام التي بقيت هي تلك التي وقفت في زمنها.
السينما: سؤال أم مساءلة
من هنا يكتسب ما حدث في كان 2026 معناه الأبعد. إذ لم يكن المهرجان يخوض معركة سياسية فحسب، بل، وبكل وضوح وقصدية، يخوض معركة ثقافية: ضد تحويل السينما إلى منتج سوقي فقط، وضد تحويل المنصات الثقافية الكبرى إلى واجهات مبهرة بملوك الصناعة والمال، وضد الفكرة الخبيثة بأن على الفن أن يمثل الواقع بدل أن يسائله.