مهرجان سيت.. الشعر ضفة المتوسط الثالثة

مهرجان سيت.. الشعر ضفة المتوسط الثالثة

الشاعر كاظم حنجر خلال إحدى القراءات

شهد مهرجان الشعر الدولي "أصوات حية" حضورًا عربيًا لافتًا في دورته الأخيرة التي اختتمت منذ أيام. المهرجان المقام في نسخته التاسعة عشر والسابعة في مدينة سيت -جنوب فرنسا- استضاف أكثر من مائة شاعر وشاعرة ثلثهم من العرب. وقد توالت فعاليات المهرجان خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 30 تموز/يوليو بحيث بلغت أكتر من 650 فعالية ما بين قراءات شعرية، وحلقات نقاش، وعروض موسيقية. كان هذا البرنامج كفيلًا بتحويل المدينة الصغيرة على ضفة المتوسط من وجهة للاصطياف إلى قِبلة للشعر، بحيث قدر عدد الحضور في الفعاليات إلى أكثر من 60 ألف شخص.

كان الحضور العربي لافتًا في مهرجان الشعر الدولي "أصوات حية" الذي تحضنه مدينة سبت الفرنسية

من جماليات المشاركة العربية في المهرجان أنها لم تقتصر على الأسماء المعروفة، بل تميزت بمشاركة أصوات شعرية شابة تم التعرف عليها للمرة الأولى دوليًا، وقد نجحت هذه الأصوات في اكتساب مكانة هامة في وجدان الجمهور والشعراء المشاركين على السواء. من هؤلاء الشعراء والشاعرات نذكر الفلسطيني طارق العربي الذي لاقت نصوصه تفاعلًا لدى الجمهور الذي طالب العربي بالمزيد، حتى ليخيل إلينا أن الجمهور الأجنبي قد حفظ نصوص "نابلس لا تحب أحدًا"، و"ألف دولار"، و"وقت إضافي" و"ذنوبي الصغيرة".

اقرأ/ي أيضًا: شعر العراق (1- 2).. القذيفة التي ترفض الهبوط

الشاعر العراقي الشاب كاظم خنجر تميز بشعره الأدائي، متجاوزًا حاجز اللغة عبر الحركة والجسد، مع روح كابوسية تظل تؤثث عرس الدم العراقي الطويل، وتحملت شحنات هائلة من الوجع والخيبة، يقول خنجر: "نحن العراقيين نصنع أبواب بيوتنا من الحديد لنصدأ خلفه". ولا يتردد صاحب "نزهة بحزم ناسف" عن صدم الجمهور بمقاطع من الحكمة السوداء عندما يقول: "إذا أنجبتم طفلًا، علموه ألا أصدقاء ولا إخوة في هذا العالم، وإلا أنهى عمره في حساب الجثث". 

ومن السعودية حضر الشاعر عبد الله ثابت بقصيدته النثرية التي تنوعت مواضيعها ما بين الحدث اليومي البسيط مثل مشاهدة مباراة كرة قدم، إلى رسم مشهد حميمي على طريقة "حين تنام بجواري امرأة أبدو مثل كلمة قديمة"، وصولًا إلى التأملات الوجودية، والاعترافات الحساسة إذ يقول: "لا أخجل من كوني فجًا، ولا أني جاف ومجدب، ولا أني أخطئ في اللياقات العامة وأني أطلق كلمات شنيعة في وصف الأشياء، وآكل وأشرب بيدي"، ليختم في نهاية النص: "ما يخجلني فعلًا هو الرذاذ المسكين.. والقبور الساكتة!".
 
أما بخصوص مشاركة الشاعرات العربيات فقد نجحت الفلسطينية فاتنة الغرة في جذب الجمهور إلى قلب نصها الساخن "كرمال غزة" رغم إقامتها منذ سنين في بلجيكا. الغرة شاركت بمجموعة قصائد من ديوانها "خيانات الرب... سيناريوهات متعددة"، أما عبير خليفة فقد أعطت للعذوبة شكل القصيدة مضمونًا وإلقاء عندما قرأت من ديوانها "ما مات يولد". 

إذا أنجبتم طفلًا، علموه ألا أصدقاء ولا إخوة في هذا العالم، وإلا أنهى عمره في حساب الجثث"

اقرأ/ي أيضًا: الشعر في كتالونيا.. مع الناس في الحارات

كذلك أخذت سهام جبار الجمهور بقصيدتها إلى بغداد ويوميات الحرب فيها إذ تقول: "في شوارع بغداد التقطتني الحرب، كنت عمياء فأعارتني النار/ ووحيدة فزوجتني قتلاها، وعندما عدت بلا قدمين من الأيام التي أنفقت/ نزهتي تبسم القلم بوجهي ينقل من أتون الحرب جسدي، يخفي الرؤوس/ على الجانبين فأسير معتدلة بلا أوصال في بغداد طويلة لا تنتهي".

لا بد من الإشادة بجهود الشاعر والمترجم أنطوان جوكي، من جهة لمقدرته الاستثنائية على نقل النصوص العربية إلى أرض فرنسية صلبة، ومن جهة أخرى لدوره التنظيمي في المهرجان وحرصه على السعي للوصول إلى حضور عربي خاص ومتميّز.

خلال الحفل الختامي بدت الصورة أكثر وضوحًا، وهي أن للشعر العربي حضوره الراسخ دوليًا، والأكيد أن عالمنا العربي رغم كل ما يسوده من موت ودمار لا يزال يختزن ما يبهر به العالم.

اقرأ/ي أيضًا:

تشارلز بوكوفسكي.. الكتابة بالجسد

احذر اللقاء بكتابك المفضلين