26-أكتوبر-2016

مهرجان دوز المسرحي/ تونس 2016

لا تتعاطى مدينة دوز، 540 كيلومتر جنوب تونس العاصمة، المسرح بصفته نشاطًا موسميًا، ضمن أجندة فنية ترسمها وزارة الثقافة والجمعيات العاملة بمنطق الدعم الحكومي، بل بصفته حياة ثانية لها. بهذا المنطق، بات سكانها إما ممارس للمسرح وإما مشاهد له.

لا تتعامل مدينة دوز التونسية مع المسرح بصفته نشاطًا موسميًا، بل بصفته حياة ثانية لها

ظهر هذا الانخراط المثير للدهشة، في حفل افتتاح الدورة الحادية عشر لـ"مهرجان المسرح العربي"، الذي تشرف عليه "فرقة بلدية دوز"، حيث خرجت المدينة، كبارًا وصغارًا، لترحب بالفرق القادمة من الجزائر وليبيا والمغرب ومدن تونسية مختلفة.

اقرأ/ي أيضًا: روسيا في لبنان.. السينما بوابة سياسية أيضًا

خيّالة وجمّالة وصبايا وشباب وكهول وشيوخ يجوبون الشوارع والأزقة، كأنهم يأخذون ولاءها للفن الرابع، مرفوقين بموسيقات مختلفة، شعبية وعالمية، دلالة على أن المدينة الصحراوية الصغيرة، تتشبث بملامحها المعجونة بالرمل، لكنها تصافح العالم فنونًا ووجوهًا.

ضاقت الأبواب الأربعة لسوق المدينة الذي أنجز عام 1910عن الداخلين، وتزاحمت ساحته عن الوافدين الذين جاؤوا ليشهدوا مباهج لهم، أصرّ المنظمون على أن يهندسها الجيل الجديد بطريقته الخاصّة، فكانت اللوحات جامعة بين تمثيل صامت نطقت فيه الأجساد، واستعراض للخيول والجِمال، بصفتهما أيقونتي المرازيق سكان المكان.

شمل التكريم نخبة من المسرحيين اعترافًا بعطاءاتهم، منهم الممثلة منى نور الدين التي واكبت تجربتها مرحلة الاستقلال الوطني، فاندفعت الأجيال كلها إلى تحيتها والتعبير لها عن الامتنان، والكاتب المسرحي محمد العوني والمخرج المغربي محمد الزيات والليبي شرح البال عبد الهادي.

بين دار الثقافة الحاملة لاسم الباحث محمد المرزوقي ودار المسرح التابعة لفرقة بلدية دوز للتمثيل، رصدنا تجلياتٍ أخرى لتعلق إنسان المدينة بالمسرح وتحلّيه بحضارة المشاهدة، إذ يعمّ الصمت بمجرد أن يعمّ الظلام، ويندر أن ينسحب داخل إلى القاعة قبل انتهاء العرض وتحيّة وجوهه، أو يُترك هاتف نقال على قيد التشويش.

لقد كان الأطفال ملح التظاهرة ووقودها، فهم لم يكتفوا بالعروض الخاصّة بهم فقط، بل راحوا يزاحمون الكبار على عروضهم أيضًا، فكانوا يسبقونهم إلى الأبواب والمقاعد والمنصات، ولسياسة فرقة دوز للتمثيل دور في هذا الإعداد المبكر للطفل مسرحيًا، من خلال ورشات التكوين المستمرّة، وقد تضمّن المهرجان ورشة السينغرافيا التي أشرف عليها حمزة جاب الله وورشة الكتابة التي أشرف عليها بوكثير بودومة، بل إن أحد وجوه الفرقة، الكاتب والممثل عبد الناصر عبد الدايم، يشرف على القسم التحضيري لإحدى مدارس المدينة، فبات التلميذ يجتهد في الحصول على دينار، لا ليشتري به الحلوى، بل ليحضر عرضًا مسرحيًا.

في تونس، خيّالة وجمّالة وشباب وكهول يمنحون ولاءهم للفن الرابع

وضع عرض الافتتاح للمخرج التونسي أنور الشعافي الجميع أمام نخبة من الأسئلة المتعلّقة بحاضرهم من خلال ماضيهم، إذ دمج مناخات ثلاث مسرحيات لوليام شكسبير في مسرحية واحدة سمّاها "أو لا أكون"، وبين الأرض والسماء قدّم ممثّلوه لوحات بصرية أثارت كثيرًا من التأمل والنقاش في الوقت نفسه. في المقابل كان الصمت لغة مسرحيتين أخريين اشتركتا في رصد الأوجاع المترتبة عن تجربة الربيع العربي.

اقرأ/ي أيضًا: هل بوسع ديلان رفض جائزة نوبل؟

عملت مسرحية "هوية" على تفجير مواهب الصمّ والبكم، بانطلاقها من بيان حقوق الإنسان للأمم المتحدة، منها الحق في الحياة، في تتبع خطى الوجع السوري، داخل وخارج سوريا، مستعينة بشاشة كبيرة عرضت عليها مشاهد مؤثرة مما وقع للمقيمين واللاجئين، وما ترتب عن ذلك كلّه من الخوف في صمت.

من جهته رصد المخرج الليبي شرح البال عبد الهادي مظاهر هذا الخوف لدى المرأة الليبية، في ظلّ تطاحن المليشيات وتفكك الدولة وهيمنة منطق الرصاص، في عرض حمل عنوان "بكاء الموناليزا"، إذ لم تنبس الممثلة رغدة عبد اللطيف ببنت شفة على مدار العرض، تعبيرًا عن كون المقام أكبر من الكلام، مستعينة بالإشارات في إيصال رسالتها.

وعكس مسرحية "أطياف ورقيا" للمخرج الجزائري جهيد الهناني و"الحكرة" للمغربي محمد الزيات، اللذين فضّلا الاشتغال على هواجس تتعلّق بالثقافة الشعبية، توغلت مسرحية "شيّر شار" للمخرج التونسي منصور الصغير، في تشريح الواقع التونسي بعد ثورة الياسمين، والإشارة إلى أن فخ الكرسي بقي مستمرًا بعدها، وهو ما يدعو إلى المراهنة على الاستثمار في الإنسان.

اقرأ/ي أيضًا:

إعادة ترميم أقدم مكتبة في العالم

مادغيس ؤمادي.. مشاغل اللغة الأمازيغية