مهرجان برلين السينمائي: المقاطعة كفعل مقاومة سلمي
16 فبراير 2026
أعادت حملة المقاطعة التي شهدها مهرجان برلين الأخير طرح السؤال القديم المتجدّد حول دور السينما، وما المطلوب من الفيلم كحركة ثقافية، أو ما الذي لا يُطلب منه. أعاد ذلك الفعل السلمي الأشهر، المتمثّل بسحب المشاركة والحضور من فعالية ثقافية، إلى الواجهة نقاشًا حاميًا: هل يُنتَج الفن للفن أم للمعنى الأوسع، "للقضايا"؟
للإجابة، ربما علينا إعادة صياغة السؤال عبر نفيه: ماذا لو كانت المعركة قد حُسمت منذ البداية لصالح الفن النقي المنزّه عن أسئلة الفضاء العام؟ ماذا لو لم يُنجز السينمائيون حول العالم أفلامهم سوى خارج "السياسي "بمعناه المباشر أو غير المباشر؟ ما الذي كان سيتبقّى فعلًا من تاريخ السينما لو عزلنا عنه أفلام الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ ماذا لو استبعدنا أفلام الدكتاتوريات وتهاويها في أميركا اللاتينية وأفريقيا؟ ماذا لو وضعنا جانبًا أفلام المحرقة، وصراع العنصرية بين البيض والسود، وحرب فيتنام، وقضية البوسنة والتيبت، وفي النهاية الصراع العربي الإسرائيلي وحكاية فلسطين مع حرب إبادة ممنهجة ونظام فصل عنصري لم يعد يُفترض أن يكون له مكان في عالم يدّعي الحداثة؟
بعد الإجابة عن هذا السؤال الافتراضي، سنتوقف قليلًا لنسأل: ما الذي سيتبقّى من تاريخ السينما ككل؟
لم تأت مقاطعة تظاهرات السينما كفعل طارئ أو اعتباطي. لم تشكّل المقاطعة رد "حرد" أو انفعالًا طفوليًا عابرًا، بل تشكّلت وأخذت قوامًا متماسكًا بالتدريج كأحد أشكال الاحتجاج السلمي المناهض للعسف داخل الحقل الثقافي نفسه. هو رد دفاعي تطوّر في قلب الصناعة التي يُفترض أنها تُنتج الخيال وتؤرّخ الذاكرة.
المقاطعة لم تتحول إلى "حركة" ذات معنى سياسي واضح إلا في ستينيات القرن الماضي، حين اندمجت السينما ضمن موجة أوسع من المقاطعة الثقافية العالمية، خاصة ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا
بإمكاننا، إن رحنا للتأريخ قليلًا، أن نردّ بذور هذا الفعل إلى العقد الثاني من القرن العشرين، حين واجه فيلم "مولد أمة " (Birth of a Nation) موجة احتجاجات واسعة نظّمتها حركات مدنية طالبت بمنع عرضه أو تقييده بسبب خطابه العنصري. في تلك اللحظة المبكرة، تسلّلت فكرة جديدة إلى الوعي العام. حاز الفيلم كمنتج ثقافي على قيمته ووعى دوره المؤسس في تشكيل الثقافة والتاريخ، مبتعدًا قليلًا عن خطابه الترفيهي، ومؤكدًا قدرته على تشكيل المخيال الاجتماعي. هذا الاستخدام الواعي للفن كسلاح منح السينما ثقلاً وصوتًا يمكن من خلاله المقاومة، كما تفعل أي بنية رمزية أخرى.
غير أن المقاطعة لم تتحول إلى "حركة" ذات معنى سياسي واضح إلا في ستينيات القرن الماضي، حين اندمجت السينما ضمن موجة أوسع من المقاطعة الثقافية العالمية، خاصة ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. اكتسب الامتناع عن العرض أو المشاركة أو التعاون مع جهات مشكوك بتمويلها أو توجهاتها بُعدًا أخلاقيًا منظّمًا. صار الفنانون يعلنون أن الغياب عن تلك الفعاليات قد يكون الفعل الملائم لرسم معنى الشهادة. صار الحضور يتحقق عبر تفعيل الغياب ذاته. مع الثمانينيات ترسّخت الفكرة رمزياً وعمليًا في الثقافة العالمية.
ما الذي أشعل النقاش في برلين
في دورة برلين 2026 لم تكن عروض الأفلام وحدها على المحك، بل النقاش الأزلي حول وظيفة السينما نفسها. اشتعلت الشرارة الأولى في المؤتمر الصحافي الافتتاحي عندما وُجِّهت أسئلة مباشرة إلى لجنة التحكيم عن حرب غزة وعن موقع الفنان داخل لحظة عالمية تتشظّى فيها معايير التضامن والعدل وسؤال الأخلاق.
هنا اختار رئيس لجنة التحكيم، المخرج ويم فيندرز (Wim Wenders)، أن يرسم حدًا فاصلًا بين الفن والسياسة. أكد أن السينما تستطيع تغيير العالم "لكن بطريقة غير سياسية"، ورأى أن على صناع الأفلام أن يبقوا خارج السياسة. دعمت هذا الموقف عضو اللجنة المنتجة البولندية إيفا بوشتشينسكا (Ewa Puszczyńska)، معتبرة أن تحميل الفنانين مسؤولية الإجابة الجماعية عن الأسئلة السياسية الكبرى أمر مجحف. بدا المشهد، لكثيرين، انسحابيًا من الدور المعرّف لبرلين السينمائي، كما لو أنه محاولة لإعادة تعريف وظيفة الفن في اللحظة التي يبدو فيها من المستحيل الفصل بين الشاشة والدماء التي تلطخها.
بعد تلك التصريحات، لم يتأخر الرد، وجاء عبر أقدم أشكال الاحتجاج الثقافي وأكثرها رمزية: الانسحاب. أعلنت الروائية والناشطة أرونداتي روي (Arundhati Roy) مقاطعتها المهرجان بعد إدراج النسخة المرممة من فيلمها (In Which Annie Gives It Those Ones) ضمن برنامج الكلاسيكيات، ووصفت تصريحات رئيس لجنة التحكيم بأنها غير مقبولة. رأت أن الصمت أو الحياد في لحظة كهذه يسهم في إغلاق النقاش الأخلاقي حول جريمة تُرتكب أمام العالم.
لم تقف عاصفة برلين 2026 عند حدود تصريح عابر أو انسحاب فردي، بل اتسعت الدائرة عربيًا بعد انسحاب روي، وسُحبت من البرنامج نسخ مرمّمة كان من المفترض عرضها ضمن فعاليات المهرجان لأعمال رائدة في السينما الوثائقية: المخرجة المصرية عطيات الأبنودي بفيلم "أغنية توحة الحزينة" (The Sad Song of Touha) (1972)، والمخرج السوداني حسين شريف بفيلم "إنتزاع الكهرمان" (The Dislocation of Amber) (1975).
في قلب هذا المشهد، وصفت مديرة المهرجان، تريشيا توتل (Tricia Tuttle)، الدورة بأنها من أكثر الدورات استقطابًا عالميًا. لم يكن الوصف مبالغًا فيه، غير أن تاريخ برلين نفسه وضع هذا الجدل في سياقه الأوسع. فالمهرجان الذي تأسس عام 1951 في برلين الغربية لم يولد من الحياد أو الترفيه أو فكرة تنحية الفن في أوقات الأزمات، وُلد من الانقسام، خرج من رحم السياسة، وحضر كواجهة ثقافية في مدينة مقسومة خلال الحرب الباردة، وكعرض رمزي لما سُمّي آنذاك "العالم الحر". منذ ذلك الحين ظل المهرجان أحد أكثر المهرجانات الأوروبية التصاقًا بأسئلة السلطة والذاكرة والحقوق. لذلك بدت عاصفة 2026 استمرارًا طبيعيًا لتاريخ مهرجان لم يعرف يومًا كيف يفصل سينماه عن العالم الذي يضيء شاشاته.
فلسطين أيضًا ودائمًا
قد يضيق كثيرون بتكرار اسم فلسطين، بحضورها الذي يبدو طاغيًا على كل حدث ثقافي، كأنه شبح لضميرٍ منهك. نقول فلسطين فيتسرّب الملل من الوجوه لشدة تكرار الاسم في نشرات الأخبار. قد نمل إحباطًا من غياب الحل ومن متسلقين يعتاشون على الحكاية. لكن خارج هذا كله يبقى السؤال اختبارًا لوعيك وأخلاقك وانحيازاتك كإنسان: لماذا تشتعل المعارك كلما قيل اسم فلسطين؟ هل فكرت بإجابة؟