ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

"مهد القطة" .. كيف حوّل كورت فونيجت عنف الحرب وعشوائيتها إلى نكتة كونية؟

17 ديسمبر 2025
tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
الروائي كورت فونيجت (The Atlantic)
يارا أبو زيديارا أبو زيد

المقالة التالية ترجمة لمقالة The Making of Kurt Vonnegut's Cat's Cradle.. How the novelist turned the violence and randomness of war into a cosmic joke المنشورة على موقع The Atlantic.

__________________________________

في الخامس من آب/أغسطس عام 1945، في اليوم الذي سبق نهاية العالم، كان فرانك سيناترا في نادٍ لليخوت في سان بيدرو بولاية كاليفورنيا. وهناك، قيل إنه أنقذ طفلًا في الثالثة من عمره من الغرق.

وفي الجهة الأخرى من البلاد، كان ألبرت أينشتاين، مؤسس النظرية النسبية، يقيم في كوخ رقم 6 في نادي نولوود المطل على بحيرة ساراناك السفلى، في جبال الأديرونداك. لم يكن أينشتاين يجيد السباحة، ومن ثم على عكس سيناترا، أنقذ صبيّ في العاشرة أينشتاين من الغرق ذات مرة.

ما لم يدركه أي منهما عند الاستيقاظ صباح السادس من آب/أغسطس أنه عند الساعة الثامنة والنصف صباحًا بتوقيت اليابان، أُلقيت أول قنبلة ذرية، المُلقبة بـ "الولد الصغير"، على مدينة هيروشيما، فسوّت المباني بالأرض، وقتلت ما يقرب من ثمانين ألف شخص.

"اليوم الذي انتهى فيه العالم" هكذا وصف كورت فونيجت ذلك اليوم في روايته "مهد القطة" المنشورة عام 1963. خدم فونيجت في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، وكان واحدًا من قلّة نجَت من هجوم أمريكي آخر: القصف الحارق لمدينة دريسدن الألمانية، الذي أسفر عن مقتل ما يصل إلى خمسة وثلاثين ألف شخص، ودمّر المدينة التي وُصفت يومًا بأنها "فلورنسا على ضفاف نهر الإلبه".

كتب فونيجت لاحقًا في روايته "المسلخ رقم 5"، التي صاغ فيها تجربته في قالب روائي: "كانت السماء سوداء من الدخان، والشمس رأس دبوس صغير غاضب. بدت دريسدن الآن أشبه بالقمر، لا شيء فيها سوى المعادن. كانت الحجارة ساخنة. وكل من كان في الجوار قد مات".

يُعتقد، وفق بعض التقديرات، أن القنبلة الذرية التي أُسقطت على هيروشيما قتلت ما يصل إلى مئة وستة وأربعين ألف شخص، وذلك بعد احتساب الإصابات والحروق والتسمّم الإشعاعي طويل الأمد، وهو رقم يعادل تقريبًا عدد سكان مدينة غاينسفيل في ولاية فلوريدا اليوم.

هذه صورة الأطفال الذين أسقطوا القنبلة:

وأستخدم كلمة "أطفال" لأن قائد المهمة، العقيد بول تيبتس، كان في الثلاثين من عمره. والطيار المساعد روبرت أ. لويس كان في السابعة والعشرين. أما المسؤول عن إلقاء القنابل، توماس فيريبي، فكان في السادسة والعشرين، والملاح، ثيودور "داتش" فان كيرك، كان في الرابعة والعشرين. وهذه صورة لما حدث للأطفال هناك:

في ذلك الوقت، كان الرئيس هاري ترومان على متن السفينة الحربية "يو إس إس أغوستا"، عائدًا من مؤتمر بوتسدام في ألمانيا بعد استسلامها. وقاطع قبطان السفينة غداء ترومان ليبلغه برسالة تعلن تنفيذ الهجوم.

وفي ذلك المساء، حضر ترومان عرضًا ترفيهيًا ومباراة ملاكمة أُقيمت على سطح السفينة، وعزفت فرقة السفينة الموسيقية. لكن توقفت مباراة الملاكمة فجأة عندما انهارت أعمدة الحلبة، وأدت إلى إصابة أحد المتفرجين إصابة طفيفة. هكذا كان شكل المعاناة البشرية في ذلك اليوم.

"مهد القطة" هي الرواية الرابعة لفونيجت. بدأ بكتابتها قبل نحو عقد من الزمن، في عام 1954، حين كان في الحادية والثلاثين من عمره. تحكي الرواية قصة جونا، الصحافي الذي يشرع في تأليف كتاب عما كان يفعله المشاهير يوم قصف هيروشيما. في سياق الرواية، يتعقّب جونا ثلاثة من أبناء الدكتور فيلكس هوينيكر، الذي يُعد واحدًا من "آباء القنبلة الذرية". هوينيكر عالِم غريب الأطوار سبق أن ترك إكرامية لزوجته بجوار فنجان قهوته، ثم ابتكر لاحقًا مادة تُدعى "آيس 9"، وهي مادة قادرة على تجميد كل مياه الأرض في درجة حرارة الغرفة، وبذلك تُنهي العالم.

لم تُحدِث "مهد القطة" عند صدورها تأثيرًا ثقافيًا يُذكر، مثل كل أعمال فونيجت السابقة. فقد نُشرت روايته الأولى "Player Piano" قبل أكثر من عشر سنوات، ولم تحظَ إلا بإشادة محدودة، وكان فونيجت يكافح لتأمين احتياجات أسرته المتنامية. لكن بعد الحرب، حقق دخلًا جيدًا من كتابة القصص القصيرة، إلى أن بدأ ذلك السوق بالتراجع. ومنذ ذلك الحين، عمل مدرسًا للغة الإنجليزية في مدرسة للأولاد المشاغبين، ثم مسؤول علاقات عامة في شركة جنرال إلكتريك، وفي لحظة تفاؤل، افتتح وكالة لسيارات "ساب" في كيب كود، لكنها سرعان ما فشلت. لذا يمكن القول إن أفضل كلمة تصف الحالة الذهنية لفونيجت في تلك السنوات هي اليأس. فلم يكن يعلم آنذاك أن روايته "مسلخ رقم 5"، التي نُشرت عام 1969، ستجعله واحدًا من أشهر الكتّاب في العالم.

ولم يدرك كذلك أن الحرب العالمية الثانية ستكون آخر حروب ما يسميه المؤرخون بـ "العصر الصناعي". ففي القرن التاسع عشر، أحدثت الآلات البخارية ثورة في النشاط البشري. ومع تطور الكهرباء، حدثت موجة غير مسبوقة من الابتكار تمثلت في اختراع التلغراف، والهاتف، والسيارة، والطائرة، في الوقت نفسه الذي عمل فيه فيزيائيون مثل أينشتاين وخلفائه على كشف أسرار بنية الكون. وكثير من هؤلاء الفيزيائيين نفسهم انضمّوا لاحقًا إلى مشروع مانهاتن، لتسخير قوة الذرة وصناعة أول سلاح نووي.

وبطريقة ما، كانت قنبلة "الولد الصغير" ذروةَ اختراعات العصر الصناعي، الذي ما لبث أن انتهى بعد ذلك بسنوات قليلة. وبالطبع، حل محله العصر الذري، ثم تبعه في السبعينيات عصر المعلومات. ولو كان فونيجت حيًا اليوم لربما قال إن أيًا كان اسم العصر الذي تعيش فيه فهو في الحقيقة يشير إلى اسم السلاح الذي يستخدمونه لمحاولة قتلك.

وفي عام 1943، أي قبل عامين من قصف هيروشيما، ترك كورت فونيجت جامعة كورنيل والتحق بالجيش. كان في العشرين من عمره، وهذه صورته:

علّمه الجيش كيفية إطلاق مدافع الهاوتزر، ثم أُرسل إلى أوروبا ككشّاف. وقبل مغادرته، فاجأ والدته إيديث بزيارة إلى المنزل في عيد الأم لعام 1944. وفي المقابل، فاجأته والدته بقتل نفسها. ففي تلك الليلة من يوم السبت، تناولت حبوبًا منومة بينما كان فونيجت مستلقيًا في غرفة أخرى غافلًا عما يحدث. وبعد سبعة أشهر، كان الجندي من الدرجة الأولى فونيجت يعبر شاطئ لوهافر مع الفوج 423 من فرقة 106 مشاة.

سار الفوج باتجاه بلجيكا وتمركزوا في غابة الأردين قرب بلدة سانت فيث. كان ذلك أحد أبرد فصول الشتاء المُسجّلة، وكان الموت يحيط بهم من كل اتجاه. وفي السادس عشر من كانون الأول/ديسمبر، شنّ الألمان هجومهم. وانهارت القوات الأمريكية قليلة الخبرة التي تولت خط الجبهة، ما أحدث ثغرة في خط القتال، وهو ما منح المعركة اسمها لاحقًا. وعندما انتهى القتال، أُصيب أو قتل ما يقرب من ثمانين ألف جندي أمريكي.

لكن فونيجت لم يبلغ نهاية المعركة، فلم يصمد سوى ثلاثة أيام. وبعد مُحاصَرَتهم وتَفوُّق العدو عليهم عددًا، أُجبر فَوجُه على الاستسلام، وأُسر فونيجت مع أكثر من ستة آلاف جندي آخرين. وفي أثناء تقدم القوات الألمانية، صرخ صديقه برنارد أوهير في وجه الجنود قائلًا: "Nein scheissen!" ظنًا منه أنها تعني "لا تُطلقوا النار!" لكنها في الحقيقة كانت تعني: "لا تتغوطوا!"

وبعد مسيرة قسرية طويلة، حُشر فونيجت وآلاف من أسرى الحرب الأمريكيين في عربات قطار مغلقة. كانت العربات مظلمة للغاية، وتفوح منها رائحة روث البقر، وكان الجنود متكدسين إلى درجة أنهم لم يجدوا مكانًا إلا للوقوف. استغرق تحميلهم يومين كاملين. روى فونيجت لاحقًا أن بعد ثماني عشرة ساعة فقط من انطلاقهم، تعرّض القطار الألماني مجهول المعالم لهجوم من سلاح الجو الملكي البريطاني. كان ذلك عشية عيد الميلاد. وتحت وابل من نيران المقاتلات البريطانية وقنابلها التي كانت تتساقط من كل اتجاه، قُتل عشرات الأسرى الأمريكيين على يد طائرات الحلفاء نفسها. وبمعجزة نادرة، ظلّ فونيجت حيًا.

أما اسم "الولد الصغير" فقد اختاره روبرت سيربر، وهو فيزيائي عمل في مختبر لوس ألاموس وشارك في تصميم القنبلة. يبدو الاسم ملائمًا على نحو مريب لسلاح ألقاه أطفال من طائرة تحمل اسم والدة قائدها "إينولا غاي". كان طول القنبلة عشرة أقدام ووزنها ما يقارب عشرة آلاف رطل، مصنوعة من صفائح فولاذية مثبتة بالمسامير، والأسلاك، وكانت تُعرف بين العلماء باسم "الأداة". كانت القنبلة قبيحة المنظر، لا تشبه بأي شكل التكنولوجيا الأنيقة اللامعة التي نعرفها اليوم. انظر بنفسك:

كانت "الولد الصغير" قنبلة تعمل بآلية المدفع، أي أنها تنفجر عبر إطلاق رصاصة من اليورانيوم باتجاه هدف آخر من اليورانيوم أيضًا. وعندما تلتحم القذيفة بالهدف، تتكون كتلة فوق الحرجة تفجر تفاعلًا نوويًا متسلسلَا لا يمكن إيقافه. وهذه هي طريقة العلماء المُعقدة في قول "انفجار هائل"، وكان كذلك فعلًا.

تَحدُث تفاعلات الانشطار بسرعة مذهلة تجعل من الصعب وصفها وفق إحساسنا البشري بالزمن. ففي غضون جزء من مليون من الثانية بعد اصطدام رصاصة اليورانيوم بهدفها، تكونت كرة نارية تبلغ حرارتها ملايين من الدرجات، مولّدة موجة تصادم تعادل قوة انفجار خمسة عشر كيلو طنًا من مادة الـTNT، دفعت الهواء بسرعة تفوق سرعة الصوت، وانطلقت بسرعة ميلين في الثانية من مركز الانفجار.

هذه الموجة النارية سوّت كل شيء في طريقها بالأرض، حتى أنها أشعلت النار في الطيور وهي محلقة في الهواء. كما أُطلق نحو ثلث طاقة القنبلة على هيئة إشعاع حراري: أشعة غاما والأشعة تحت الحمراء التي اخترقت الملابس، وحفرت نقوش الأقمشة على جلود الضحايا، وتسببت في حروق شديدة على مسافة وصلت إلى ميل كامل. وفي الوقت الذي يستغرقه نطق كلمة "بوم"، تحوَّل نحو ثمانين ألف إنسان إلى رماد، ومُحيت 4.4 أميال مربعة من المدينة عن الوجود.

كان ولفريد بورشِت أول مراسل غربي تطأ قدماه هيروشيما بعد القصف. وفي الثاني من أيلول/ سبتمبر، كتب وهو جالس فوق قطعة من الركام: "لا تبدو هيروشيما كمدينة تعرضت للقصف، بل تبدو وكأن مدحلة عملاقة مرّت فوقها وسوّتها بالأرض حتى اختفت". للتوضيح: المدحلة هي آلة من آلات العصر الصناعي تُستخدم لضغط التراب والحصى لصنع طرق مستوية تستطيع المركبات السير فوقها.

وهكذا انتهى العالم، إن لم يكن فعليًا، فعلى الأقل نظريًا.

عندما وصل فونيجت إلى درسدن، أُجبر هو ورفاقه من أسرى الحرب على العمل في مصنع لشراب الشعير، حيثُ كانوا يصنعون طعامًا للألمان لم يُسمح للأسرى نفسهم بأكله. كان الحراس قساة، والعمل منهكًا. كما تعرّض فونيجت على وجه الخصوص للاستهداف والضرب المبرح. وفي إحدى الليالي، بينما كانت تعوي صفارات إنذار الغارات الجوية، دُفع فونيجت وأسرى الحرب الآخرون إلى قبو مسلخ، حيث تزاحموا بين قطع اللحم المُعلَّقة، بينما تُقصف المدينة فوقهم.

ألقت القوات البريطانية والأمريكية أكثر من ثلاثة آلاف وتسعمائةِ طن من القنابل الحارقة وشديدة الانفجار على دريسدن في تلك الليلة. وصف فونيجت ذلك في رسالة إلى عائلته قائلًا: "في حوالي الرابع عشر من شباط/ فبراير، جاء الأمريكيون أولًا، ثم لحقت بهم القوات الجوية الملكية البريطانية.. ومعًا دمّرا دريسدن بالكامل، التي ربما كانت أجمل مدينة في العالم. لكنني لم أمت".

هذه صورة المدينة قبل القصف:

وهكذا بدت بعدما انتهى الحلفاء منها:

احتاج تدمير مدينة دريسدن إلى إسقاط مئات القنابل على مدار ساعات طويلة. أما لتدمير مدينة هيروشيما، فلم يتطلب الأمر سوى قنبلة واحدة. وهذا ما قد يعتبره شخص ساخر شكلًا من أشكال التقدم.

كتب آرثر كوستلر، الكاتب والصحفي المجري البريطاني في مجموعته المقالية عن العصر الذري "The Ghost in the Machine" الصادرة عام 1967: "يمكن تلخيص أزمة عصرنا في جملة واحدة. منذ فجر الوعي حتى منتصف هذا القرن كان على الإنسان أن يعيش مع احتمال موته كفرد، أما منذ هيروشيما، فعلى البشرية كلها أن تعيش مع احتمال فنائها كنوع بيولوجي".

على امتداد التاريخ البشري، تبنّى الأطفال قاعدة قتال تحظر الضرب في الوجه، يمكن اعتبارها النسخة الأولى من اتفاقية جنيف. ويتعرض المخالف لهذه القاعدة لانتقام شديد، لأنه فعل حرب. وعندها يجوز لي أن أضربك في وجهك، أو أسوأ. وربما ينبغي لي أن أركلك في أعضائك الحساسة لألقّنك درسًا وأستعيد ميزان القوى. وربما يجب أن أجعل تكلفة ضربك لوجهي مرتفعة جدًا إلى درجة تمنعك من مجرد المحاولة مجددًا.

وإذا كان هجوم بيرل هاربر لكمة غير مبررة في الوجه، فهيروشيما هي الركلة الساحقة بين الساقين، تلك التي تهدف إلى إنهاء الحروب المستقبلية كلها. وقد جعل علماء العصر الصناعي تلك الركلة ممكنة.

كانت علاقة فونيجت بأطفاله بعد الحرب علاقة مضطربة. إذ بلغ عددهم سبعة أطفال إجمالًا، ثلاثة من صلبه، وأربعة من أبناء شقيقته الذين انتقلوا للعيش معه ومع زوجته جين، عام 1958 بعد وفاة صهره جيم، إثر خروج قطار الضواحي عن مساره وسقوطه من جسر خليج نيوآرك إلى مياه الخليج. وبعد يومين فقط، توفيت أليس، شقيقة فونيجت، بسرطان الثدي. هكذا هي الحياة.

كانت أليس هي من أيقظت فونيجت يوم عيد الأم عام 1944 لتخبره بأن أمهما قد ماتت. وكان فونيجت يُعدّ أليس مصدر إلهامه، فقد كتب لاحقًا في كتابه "Slapstick": "لم أخبرها بذلك قط، لكنها كانت الشخص الذي كنت أكتب له دائمًا. كانت هي سرّ أي وحدة فنية حققتها في حياتي".

فجأة امتلأ البيت بأطفال بين عمر سنتين وأربعة عشر عامًا. وعلى مدى السنوات الخمس التالية، حاول فونيجت وفشل في كتابة "مهد القطة". وجعله الضغط الناتج عن إعالة أسرة بهذا الحجم بالكتابة فقط، بينما لا يزال يعالج صدمات الحرب، سريع الانفعال. لم يكن يومًا أبًا منخرطًا في التفاصيل اليومية، إذ ترك معظم مهام التربية الفعلية لزوجته جين. ومع امتلاء البيت بصخب الحياة العائلية، كان ينعزل في مكتبه طوال اليوم، ويدخّن بلا توقف. وكان أقلُّ صوت يصدره الأطفال كفيلًا بدفعه إلى الخروج من الغرفة صارخًا وغاضبًا.

أما فونيجت نفسه، فقد نشأ في بيتٍ يعشق الرياضيات والعلوم. كان والده مهندسًا معماريًا. أما أخوه فكان عالمًا رائدًا في مجال استمطار السحب. ومع ذلك، كانت علاقة فونيجت بمفهوم التقدم علاقة معقدة. فقد جعلته تجربته في الحرب ينفر من فكرة أن العلم قوة خير دائمًا. إذ كان يرى بأن العلماء والمهندسين ينشغلون بسؤال: "هل نستطيع أن نفعل ذلك؟" بدلًا من: "هل ينبغي لنا أن نفعل ذلك؟" وكان يرى هذا بوضوح في مشروع مانهاتن. فعلى الرغم من أن علماء لوس ألاموس كانوا يعلمون أن القنبلة التي يُصمّمونها ستُلقى على بشر، فإنهم نادرًا ما فكّروا في عواقب إلقائها.

وبعد الحرب، اعترف الفيزيائي فيكتور فايسكوبف، الذي عمل على القنبلة في لوس ألاموس، بأنه "يخجل من الاعتراف بأن القليل منا فقط فكّر في الاستقالة. كان هناك افتتان بالمهمة نفسها، وكان الانسحاب آنذاك أمرًا مستحيلًا". ثم أضاف أن المهمة في نظره كانت "فاتنة تقنيًا".

استخدم جي. روبرت أوبنهايمر هذا الوصف نفسه خلال شهادته في جلسة التحقيق الخاصة بتصريحه الأمني بعد الحرب، إذ قال: "إن رأيي في هذه الأمور أنه حين ترى شيئًا حلوًا وفاتنًا من الناحية التقنية، فإنك تمضي قدمًا لتنفيذه، ولا تناقش ما ينبغي فعله حياله إلا بعد تحقيق النجاح التقني. وهذا بالضبط ما حدث مع القنبلة الذرية. ولا أظن أن أحدًا عارض صنعها".

"جميل، جميل، جميل جدًا.. العديد من الأشخاص المختلفين في الجهاز نفسه". هكذا كتب بوكونون في "الكاليبسو الثالث والخمسين" في رواية "مهد القطة". بوكونون هو المؤسس المُتخيَّل لديانة ابتكرها فونيجت في الرواية، فالرواية تتناول نفاق المؤسسات الدينية بقدر ما تتناول الحرب. وتقول أول وصايا بوكونون: "كل الحقائق التي سأخبركم بها الآن هي أكاذيب وقحة".

وإليك كذبة وقحة أخرى: أُلقيت القنبلة الذرية من أجل إنقاذ الأرواح. هذه إحدى الوظائف الجانبية التي تؤديها الحرب، إنها تقلب اللغة رأسًا على عقب. فالأرواح التي كانت تهمّ العلماء في لوس ألاموس هي الأرواح الأمريكية فقط. لذلك ركّزوا على الأرواح التي سيتم إنقاذها، أي الجنود الأمريكيين الذين كانوا سيلقون حتفهم نظريًا في حالة الغزو التقليدي، بدلًا من التركيز على المواطنين اليابانيين الذين ماتوا فعليًا عند إلقاء القنبلة. وهكذا أصبح تبرير أفعالهم أسهل. وبهذه الطريقة، حافظوا على "حلاوة" الأمور.

لكن للاقتباس من أحد الناجين: "أولئك العلماء الذين اخترعوا القنبلة الذرية، ماذا اعتقدوا أنه سيحدث إذا ألقوها؟"

إليك حقيقة بعض ما حدث: تحوّل النهار إلى ليل. وفي لحظة خاطفة دمّرت القنبلة ستين ألفًا من أصل تسعين ألف مبنى داخل دائرة نصف قطرها عشرة أميال. ومن بين 2,370 طبيبًا وممرضة في هيروشيما، قُتل أو أُصيب 2,168 منهم بإصابات بالغة جعلتهم غير قادرين على العمل.

هذا ما فعلته القنبلة الذرية بالناجين: "لم يكن لديهم شعر لأن شعرهم احترق، ولم يكن بالإمكان، من النظرة الأولى، أن تميّز إن كنت تنظر إليهم من الأمام أم من الخلف". هكذا قال أحد الناجين لصحيفة نيويورك تايمز عام 1981، ثم أضاف: " وكانت جلودهم تتدلى، ليس فقط على أيديهم، بل على وجوههم وأجسادهم أيضًا". وبهذه الهيئة كانوا يترنحون في الطرقات بلا وجهة كأشباح تسير على قدمين.

لم ينجُ سوى قلة من الأطفال، إذ إن معظم التلاميذ القريبين من مركز الانفجار قُتلوا فورًا. ويرجع ذلك إلى أنهم عند الساعة الثامنة والربع صباحًا من يوم السادس من آب/ أغسطس قد تجمعوا خارج مدارسهم للمساعدة في إنشاء حواجز لإبطاء انتشار الحرائق في حال تعرّضت المدينة لغارات بالقنابل الحارقة، كتلك التي دمّرت طوكيو والعديد من المدن اليابانية الأخرى. أتساءل إن سمعوا هدير طائرة B-29 البعيد وهي تحلّق فوقهم؟ فقد أُطلقت صفارات الإنذار قبل ذلك ساعة، لكن لم تظهر أي طائرات، ولذلك عندما اقتربت طائرة "إينولا غاي"، لم يكلف الكثيرون أنفسهم عناء النظر إلى الأعلى.

تخيّل أطفال هيروشيما في ذلك الصباح المشمس: آلاف قصّات الشعر الصغيرة، وآلاف الابتسامات ذات الأسنان الناقصة. آلاف الأطفال يحاولون أن يكونوا مواطنين صالحين، ويتساءلون عن وجبة الصباح الخفيفة. هؤلاء هم من ألقى الطيّارون الأطفال القنبلة فوق رؤوسهم: تلاميذ مدارس وآباؤهم. فيما يفترض بنا أن نفكر غير ذلك؟ لم تكن لمدينة هيروشيما قيمة عسكرية أو تكنولوجية حقيقية. لقد كانت مركزًا سكانيًا اختير لإرسال رسالة إلى الإمبراطور.

هكذا تسير الأمور، أو كما يقول الناجون من هيروشيما: "شيكاتا غا ناي"، وهي عبارة تُترجم تقريبًا إلى "لا حيلة لنا في الأمر" أو "لا مفر". وُلِد هذا الشعور من ممارسة الزن البوذية اليابانية، وهي ديانة مُختلقة أقدم حتى من البوكونونية، كما قد يقول فونيجت. ومع ذلك، ماذا يمكن للمرء أن يقول عن عالم يُسقِط فيه الأطفال قنابل على أطفال آخرين؟

في رواية "مسلخ رقم 5"، يكتب فونيجت عن جدال دار بينه وبين زوجة صديقه القديم في الجيش، ماري. يذهب فونيجت إلى منزلهما ليشربا ويتبادلا قصص الحرب، وعندما يخبرهما بأنه يكتب رواية عن الحرب، تثور ماري قائلة: "لم تكونا حينذاك سوى طفلين".

ويرد فونيجت: "ماذا؟"

ثم أجابت: "لقد كنتما طفلين في الحرب، مثل الأطفال الذين يلعبون في الطابق العلوي! … ولكنك لن تكتبها بهذه الطريقة، أليس كذلك؟… ستكتبه متظاهرًا أنكم كنتم رجالًا لا أطفالًا، وستُعرض القصة على الشاشة ويلعب دوركما فرانك سيناترا أو جون واين أو غيرهم من أولئك الأشخاص اللامعين كبار السن، هؤلاء القذرين الذين يعشقون الحروب... وستبدو الحرب شيئًا رائعًا، وهكذا سنخوض الكثير منها، وسندخل هذه الحروب بأطفال آخرين بالضبط مثل الأطفال الموجودين في الطابق العلوي".

لاحقًا، وهو يعيد التفكير في شخصية الفيزيائي اللا أخلاقي الدكتور فيليكس هوينيكر في "مهد القطة"، قال فونيجت: "ما أشعر به تجاهه الآن هو أنه سُمح له بالتركيز على جانب واحد من الحياة أكثر مما ينبغي لأي إنسان. لقد كان مُفرط التخصص، ولهذا أصبح لا أخلاقيًا … فإذا فعل عالِم هذا، يمكنه من دون قصد أن يصبح شخصًا شديد التدمير".

وللأسف، هذا الإفراط في التخصص ليس خللًا في عصر المعلومات، بل سمة أساسية فيه. فماذا تكون هواتفنا وأجهزتنا اللوحية ومنصّات التواصل الاجتماعي إن لم تكن "فاتنة تقنيًا"؟ لقد بلغت هذه الأدوات درجة من الأناقة والإبهار التكنولوجي، بشفراتها الخفية وقدرتها الحاسوبية الهائلة، إلى حدّ جعلها، كما كتب آرثر سي. كلارك مرة، لا تختلف عن السِحر. وربما يكون هذا، في نهاية المطاف، أخطر ما فيها.

إذ لم يُمنح سؤال "هل ينبغي لنا فعل ذلك؟" القدر الكافي من التفكير في عصر المعلومات. ماذا سيحدث لو منحنا البشر جهازًا ترفيهيًا صغيرًا يمكن حمله في جيوبهم، يربطهم فورًا بكل حقيقة وكل كذبة ابتُكرت يومًا؟ هكذا وجدنا أنفسنا، كمجتمع، غير مستعدين. فإذا كانت القنبلة الذرية، المصنوعة من ألواح فولاذية وأسلاك ظاهرة، دليلًا لا يمكن إنكاره على قوة العلم، فكيف يمكن للأجهزة الحديثة الأكثر تطورًا أن تُضعف ثقتنا بالعلم وتؤدي إلى إنكار واسع للخبرة والمعرفة؟

يا لها من كذبة وقحة فعلًا. ومع ذلك، كيف يمكن تفسير حقيقة أن المعلومات المضللة المنتشرة عبر أجهزتنا السحرية تُقوّض إيمان الناس بالعلم ذاته الذي تقوم عليه هذه الأدوات؟ وبعبارة أبسط: إذا كانت القنبلة آلة رأينا من خلالها المستقبل، فقد أصبحت هواتفنا مرآة تَجُرُّنا إلى الماضي.

شيكاتا غا ناي.

بعد الحرب، صارع فونيجت ما اعتبره اكتئابًا وراثيًا، فَاقَمَه انتحار والدته، ووفاة شقيقته، وصدمة الحرب. فلم يستطع أن يجد مبرّرًا لنجاته بينما مات كثيرون من حوله، ولم يشأ أن ينسب حظه الجيد إلى الله، فاستسلم بدلًا من ذلك للعبث. أنا أعيش، وأنت تموت. وهكذا تمضي الحياة.

فلو كان الجو غائمًا في هيروشيما ذلك الصباح لسقطت القنبلة في مكان آخر. ولو دُفع أسير الحرب فونيجت إلى عربة قطار مختلفة، أو اختار خندقًا آخر، أو لو لم يحشره الألمان في قبو المسلخ عندما دوت صفارات الإنذار، وهكذا سلسلة لا تنتهي من "لو" كان ختامها الموت. ومع ذلك، بطريقة ما، نجا فونيجت. ولذلك، تحوّلت النجاة لديه إلى مزحة كونية، الموت فيها هو التمهيد، والحياة هي النكتة القاضية.

في الحادي عشر من أيار/ مايو عام 1955، ظهر كيوشي تانيموتو، وهو قسًا ميثوديًا وأحد الناجين من هيروشيما، في البرنامج التلفزيوني الأمريكي This Is Your Life. كان قد جاء إلى الولايات المتحدة لجمع التبرعات لضحايا القنبلة الذرية اللواتي عُرفن باسم فتيات الجدرة أو العذارى الذريات.

جلس تانيموتو على أريكة إلى جوار مقدم البرنامج رالف إدواردز، مرتديًا بدلة واسعة وعلى وجهه ملامح الذهول. وبعد فقرة تمهيدية، انتقلت الكاميرا إلى ظلّ رجلٍ يقف خلف شاشة، يتحدّث عبر ميكروفون قائلًا: "حين نظرتُ من من ارتفاع آلاف الأقدام فوق هيروشيما، لم أفكر إلا في شيء واحد: يا إلهي، ماذا فعلنا؟"

تعود الكاميرا إلى إدواردز وتانيموتو. يقول المقدّم للناجي من هيروشيما الجالس بجواره: "أنت لم تلتقِ به من قبل، ولم تره قط، لكنه هنا الليلة ليصافحك كصديق. إنه النقيب روبرت لويس من سلاح الجو الأميركي، الذي شارك بول تبيتس في قيادة الطائرة التي أُلقيت منها أول قنبلة ذرية فوق هيروشيما".

تتحرك الكاميرا عبر المسرح، ويخرج النقيب لويس من الظل. يتقدّم تانيموتو إلى الصورة ويصافحه. يبدو كلا الرجلين وكأنهما على وشك التقيؤ.

يقول إدواردز: " النقيب لويس، تفضّل بالاقتراب، هلا أخبرتنا يا سيدي عن تجربتك في السادس من آب/ أغسطس عام 1945؟" تسود لحظة صمت خانقة، نتساءل خلالها ما إذا كان لويس سيتمكن من المتابعة. تنتقل الكاميرا إلى لقطة مقرّبة لوجه لويس الذي يعجز عن النظر مباشرةً إلى تانيموتو.

لكنه يجيب أخيرًا: "حسنًا، يا سيد إدواردز، عندما غادرنا تينيان في جزر ماريانا في الثانية وخمسٍ وأربعين دقيقة فجر يوم السادس من آب/ أغسطس عام 1945، كانت وجهتنا اليابان. كان لدينا ثلاثة أهداف: هيروشيما، وناغازاكي، وكوكورا..  وقبل نحو ساعة من وصولنا إلى الساحل الياباني، أخبرونا بأن سماء هيروشيما صافية. وهكذا أصبحت هيروشيما هدفنا".

تنتقل الكاميرا إلى تانيموتو، وهو يصغي، مشدوهًا من هول ما يسمع، لكنه يظل ساكنًا مُقيَّدًا بالعقد الاجتماعي للسلوك الإنساني.

ويتابع لويس: "وقبل الساعة الثامنة والربع صباحًا بتوقيت طوكيو بقليل، قام توم فيريبي، مُوجّه القذائف الماهر لدينا، بالتصويب الدقيق نحو هدفه، وهو مقر القيادة الثاني للجيش الإمبراطوري الياباني. وفي تمام الثامنة والربع أُسقطت القنبلة.. ثم استدرنا بسرعة للابتعاد عن آثار الإشعاع القاتل والانفجار. رأينا أولًا وميضًا كثيفًا، ثم ضربت موجتا الصدمة الطائرة. وبعد وقت قصير، عُدنا لنرى ما حدث، وهناك أمام أعيننا اختفت مدينة هيروشيما".

يقول إدواردز: "وهل دوّنتَ شيئًا في سجل الرحلة آنذاك؟" ينكسر صوت لويس، ويفرك صدغيه محاولًا استجماع نفسه، ثم يقول: "كما ذكرت سابقًا يا سيد إدواردز، كتبت لاحقًا: يا إلهي، ماذا فعلنا؟"

بعد تقاعده من سلاح الجو، عمل النقيب لويس في مجال صناعة الحلوى، حيث سجّل براءات اختراع لعدد من التحسينات في آلات تصنيع الحلوى. حلوى للأطفال. تخيّلوهم، كل أولئك الأطفال السعداء. تخيّلوهم وهم يضعون العملات المعدنية في آلات البيع. تخيّلوهم بأزياء الهالووين التي اشتراها آباؤهم، يحملون أكياسهم وينتظرون الحلوى. هؤلاء الأطفال ليسوا أقل واقعية من أطفال هيروشيما، لكن على خلافهم، كان مقدّرًا لهم أن يكبروا.

كبروا وهم يتدربون على تمارين الانبطاح والاختباء، وتعلموا أن يلقوا بأنفسهم تحت الطاولات عند صرخة الصفارة، كبروا وهم يختبئون في الملاجئ التي بناها آباؤهم خوفًا من موت نظري جعلته القنبلة الذرية أمرًا شبه حتميًا.

"جميل، جميل، جميل جدًا، العديد من الأشخاص المختلفين في الجهاز نفسه".

كلمات مفتاحية
مجلة النيويوركر

"النيويوركر": مئة عام من الصحافة مئة عام من الثقافة

حضرت "النيويوركر" كمجلة تقيم في الأدب أكثر مما تقيم في الصحافة، وتشتبك مع السياسة بوصفها سؤالًا، لا مع الإعلام بوصفه جهازًا

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd-2.png

حوار| هادي زكاك: الأفلام تسمح برؤية التاريخ من غير منظار

حوار مع المخرج اللبناني هاني زكاك

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

مارغريت آتوود: لو كنت أميركية كنت لأقلق على بلادي

مارجريت آتوود تجيب على أسئلة الغارديان

باربي
مجتمع

الكشف عن "باربي" مصابة بالتوحد من أجل تعزيز التنوع والشمولية

هذه الدمية الجديدة تنضم إلى مجموعة باربي التي تحوي بالفعل دمى تمثل أشخاصًا بمتلازمة داون، وباربي كفيفة، وباربي وكين مصابين بمرض البهاق

كامل إدريس
سياق متصل

عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم.. آمال عريضة هل تبتلعها التحديات؟

حملت السلطة التنفيذية حقائبها، يتقدمها رئيس الوزراء كامل إدريس، عائدةً لمزاولة أعمالها من العاصمة السودانية الخرطوم بعد 1000 يوم غياب

تشابي ألونسو
رياضة

تشابي ألونسو وريال مدريد: عندما لا يكون النجاح خيارًا.. بل شرطًا للبقاء

تشابي ألونسو لم يفشل لأنه مدرب ضعيف، بل لأنه دخل نادٍ لا يمنح الوقت

مظاهرات في طهران
سياق متصل

واشنطن تضغط على طهران: إيران في قلب معادلة التصعيد المفتوح

تدخل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الخطورة، تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية والعسكرية مع احتجاجات داخلية غير مسبوقة منذ سنوات