من يُجهز بيت الزوجية؟ مصريات يُعدن فتح ملف الإنفاق والمساواة
9 مايو 2026
زادت وتيرة النقاشات في الداخل المصري مؤخرًا، خاصةً بين النساء، حول المشاركة في تأثيث مسكن الزوجية، وهو عُرف اجتماعي سنَّه المصريون تيسيرًا لأمر الزواج. غير أن أجيالًا جديدة بدأت تخالف هذا العرف لأسباب، منها المطالبة بالمساواة والاعتراض على تحميل النساء أعباءً مالية لا تقابلها حقوق عادلة.
حين تتقدّم الأعراف على الشرع
جرى العُرف، على مدار عقود، أن تشارك النساء في تأثيث مسكن الزوجية جنبًا إلى جنب مع الرجل لتخفيف الأعباء عنه، وباتت لكل منطقة أعرافها الخاصة، حتى اتفق غالبية المصريين على هذا العُرف. إلا أن ارتفاع أعداد الغارمات والنساء اللاتي يدخلن السجون بسبب تلك المشاركة كشف الوجه الأكثر قسوة لهذا العُرف، خصوصًا حين تتحمل النساء وأسرهن قروضًا لا يملكن سدادها.
وبحسب ورقة بحثية لمنتدى "دراية"، يعود السبب الرئيس لوجود الغارمات إلى الاستدانة لشراء مستلزمات الزواج؛ إذ تقوم الأم عادةً بشرائها بنظام القسط الشهري أو بالاقتراض، فيصل الأمر إلى ساحة القضاء، وقد يتطور إلى سجنها لعدم قدرتها على السداد. وبلغت نسبتهن بين السيدات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 45 و55 عامًا نحو 60%، فيما بلغت نسبة المطلقات 50%، والأرامل 25%.
وعلى إثر ذلك، ظهرت موجتان متوازيتان؛ الأولى تقودها نساء يؤمنَّ بالمساواة بين الجنسين، وتهدف إلى المشاركة في تأثيث مسكن الزوجية مقابل المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة. أما الثانية، فتدعو إلى أن يتحمّل الرجل الأعباء المالية لتأثيث المسكن، أسوةً بالنساء في الدول العربية، مقابل مبدأ القوامة.
أطلقت دار الإفتاء المصرية حملة بعنوان "لتسكنوا إليها" بهدف تيسير الزواج على المقبلين عليه. وأعلنت في إحدى فتاواها أن الزوج يتحمل تكلفة تجهيز مسكن الزوجية، ولا إلزام على عائلة الزوجة في ذلك
موجة نسوية من الشابات
أما صاحبات التوجه الأول فيرون أن بعض الرجال يطالبون النساء بالمشاركة في التجهيز والإنفاق، ثم يتهربون لاحقًا من التزاماتهم الزوجية، وفي حال الطلاق لا تحصل المرأة على حقوق مالية عادلة.
سارة جميل (اسم مستعار)، شابة مصرية متزوجة من ألماني الجنسية وتقيم في ألمانيا، تقول إنها رفضت الزواج من مصري نتيجة هذا التصور غير المتوازن للعلاقة الزوجية. وتوضح أنها تؤمن بالمساواة داخل الزواج، بما يشمل تقاسم الأعباء المالية مقابل تقاسم الواجبات المنزلية.
تقول سارة لـ"الترا صوت": "زوجي هو من جهّز البيت. علاقتنا مريحة وليست آلية، وبها تقاسم للمسؤوليات المالية والأعباء المنزلية، ولا يستغل أحدٌ الطرف الآخر. في وقت كان دخله قليلًا كنت أنفق، ثم تبدّل الحال فأصبح هو الأكثر إنفاقًا".
يتحجج بعض الرجال حاليًا برفضهم الإمضاء على قائمة المنقولات الزوجية، وفقًا لحملة فيسبوكية. إلا أن سارة كان لها وضع مختلف؛ تقول: "لم يوقّع زوجي على قائمة، لكن بخصوص حق تطليق نفسي، أكد لي أن ذلك حق للنساء المتزوجات في ألمانيا".
أما دعاء، وهي مصرية عزباء تقيم في مصر، فترى أن تعقيد النزاعات الزوجية في مصر يجعل من الأفضل أن يتحمل الرجل تجهيز المنزل بما يستطيع، بينما تذهب المرأة إلى الزواج بأقل قدر ممكن من الالتزامات المادية. وتضيف في حديثها لموقع "الترا صوت": "أرى أن يجهّز الرجل البيت وفقًا لقدرته، وألا تشتري المرأة شيئًا سوى حقيبة ملابسها، وعند الطلاق أو الخلع تغادر بها، حتى لا تدور في دوامة معقدة من الإجراءات القانونية للحصول على حقوقها. وأن يكون مصروف البيت بالمشاركة، بشرط أن تعمل الزوجة حتى تكون مستقلة ماديًا إذا تغيرت الظروف وأصبح هو بلا عمل أو في حالة الانفصال".
حملة على وسائل التواصل
ظهرت قبل أشهر حملة بعنوان "مصريات ضد تجهيز شقة الزوجية للرجل في مصر"، تعارض العادات والتقاليد المُتبعة في الزواج من تقاسم تجهيز الشقة بين الرجل والمرأة. وإذ يبدو أنها حُذفت نتيجة حملة تبليغات، فقد ظهرت العديد من الصفحات والحملات المضادة التي تعادي أفكارها، مثل حملة "معًا ضد القايمة"، التي تحث الرجال على عدم التوقيع عليها حتى لا يتعرضوا لخطر المقاضاة القانونية.
كانت الصفحة تنادي بمعاملة النساء في الزواج أسوةً بنساء العرب اللاتي لا يجهزن شقة الزوجية على نفقتهن الخاصة، وأن يتحمل الرجل تجهيزها بالكامل على نفقته، وكانت تلقى رواجًا واسعًا. حاولنا الوصول إلى الأدمن، لكننا لم نوفّق في ذلك.
الرجل مكلّف شرعًا
في عام 2022، أطلقت دار الإفتاء المصرية حملة بعنوان "لتسكنوا إليها" بهدف تيسير الزواج على المقبلين عليه. وأعلنت في إحدى فتاواها أن الزوج يتحمل تكلفة تجهيز مسكن الزوجية، ولا إلزام على عائلة الزوجة في ذلك، لأن الأصل في تجهيز منزل الزوجية يقع على الزوج، بوصفه مكلّفًا شرعًا بنفقات زوجته من طعام وكسوة ومسكن، وغير ذلك من جهات النفقة الثابتة عليه. واستندت في ذلك إلى ما أورده قدري باشا في كتابه "الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية"، إذ نصّ في المادة (112) على أن الزوج مُلزم بإعداد مسكن الزوجية.
هناك جذور تاريخية تؤكد وجود تلك العادة لدى المصريين؛ فبحسب تصريحات صحفية سابقة لمجدي شاكر، كبير الأثريين، تعود أصولها إلى الأسرة الثلاثين، حيث وُجدت بردية في إدفو تعود إلى نحو عام 360 قبل الميلاد. وفي العصر الوسيط، يحتفظ المعبد اليهودي في القاهرة بأقدم قائمة منقولات معروفة لزوجين يهوديين، كُتبت عام 1160 ميلادية، وتتضمن تفاصيل ما اشترته الزوجة، وتشبه المتداولة اليوم في مصر.
محمد توماس، شاب مصري من النوبة، يرى أن عادات الزواج في بلده تغيرت كثيرًا بفعل الظروف الاقتصادية وغلاء الأسعار، حتى باتت المشاركة في تجهيز مسكن الزوجية أمرًا ضروريًا. لكنه يرى أنه لو امتلك القدرة المادية الكافية قبل الزواج لتحمّل تجهيز البيت كاملًا دون مشاركة من زوجته، معتبرًا أن ما تدفعه الزوجة يظل تفضّلًا منها، لا التزامًا مفروضًا عليها.
ويقول لموقع "الترا صوت": "إن بعض الرجال باتوا يتنصلون من مسؤولياتهم بإلزام زوجاتهم بالمشاركة، رغم أن الأصل -دينيًا واجتماعيًا- أن يتحمل الرجل تلك المسؤولية". وعلى الرغم من الواقع الذي يفرض المشاركة بين الزوجين في تجهيز البيت والإنفاق، يرى توماس أن ذلك يستلزم حفظ حقوق الزوجة عبر توقيع قائمة المنقولات الزوجية ضمانًا لحقها.
المساواة بين مؤيد ومعارض
في المقابل، يعارض حامد عمدة، وهو مصري مقيم بالقاهرة، فكرة إلزام الرجل وحده بتجهيز المنزل، معتبرًا أنها أقرب إلى نموذج عربي قبلي لا يتوافق، من وجهة نظره، مع طبيعة المجتمع المصري.
ويشير في حديثه لـ"الترا صوت" إلى أن الأسر، خاصةً في صعيد مصر، كثيرًا ما تتباهى بما تحمله العروس من جهاز، فيتحول تقييم الزواج إلى مساءلة للمرأة أكثر من الرجل. وهو يؤيد المشاركة في التجهيز ونفقات المعيشة، بل وحتى تقاسم الثروة بعد الطلاق، على غرار النماذج الأوروبية.
أما ندى رسلان، وهي ناشطة نسوية، فترى أنه طالما لا يدفع الرجل مهرًا فعليًا، فهو مُلزم بتجهيز المسكن كاملًا، من الأثاث إلى الأجهزة الكهربائية وغيرها. ويمكن للمرأة، من وجهة نظرها، أن تساهم بما تريده إذا رغبت في إضافة رفاهية لا يقدر عليها الزوج، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى التزام.
وتقول لموقع "الترا صوت": "من الملزم أن يشتري الرجل كل شيء، وأن تتكفل المرأة بالأشياء البسيطة، لكن العادات الحالية التي تلزم النساء بتجهيز نصف البيت أمر غير منصف، لأن الرجال باتوا لا يدفعون مهورًا أو مؤخرًا، أو حتى يشترون شبكة تليق بالنساء".
كما ترى أن المساواة الصارمة بين الرجل والمرأة في الإنفاق ليست عادلة، لأن النساء يتحملن أعباءً بيولوجية ورعائية لا يمكن مساواتها ماديًا، من الحمل والولادة إلى الرضاعة والرعاية المبكرة للأطفال لمدة عامين على الأقل، تتوقف فيها حياتها الاجتماعية والعملية. كما أن عملها خارج المنزل يحملها أعباءً إضافية، لذلك فإن مناصفة الأعباء المالية أمر غير عادل للنساء.
وتؤكد رسلان أن حقوق النساء، وفقًا للقانون الحالي، تبدأ من المهر، والقائمة الموثقة، والمؤخر الذي يتهرب بعض الرجال من دفعه، رغم أنها -شرعًا وقانونًا- حقوق أصيلة للمرأة. كما تعتبر من حق النساء كتابة شروطهن في عقد الزواج، والتي يرفض بعض المأذونين تدوينها.
ضد المشاركة
وتؤيد داليا، التي مرت بظروف صعبة في زواجها حيث شاركت في تجهيز منزل الزوجية، أن يتحمل الرجل الأمر، قائلة: "أنا ضد المشاركة عن تجربة، اشتريت نصف الأثاث، رغم أنه كان يقيم في بيت عائلته وشقته ليست موثقة باسمه".
تأسف داليا لأنها لم تملك إثباتًا ورقيًا بفواتير ما اشترته، لأنه لم يوقّع على قائمة منقولات لرفضه ذلك. لكن بعد 3 سنوات من الزواج، الذي كان أغلبه معاملة سيئة وضربًا، طلبت الطلاق فرفض، وعلى مدار 8 أشهر اضطرت إلى الخلع، وانتهى الأمر إلى أنها لم تحصل على "قشة" مما اشترته، كما لم يدفع مؤخرًا أو نفقة.
تؤكد في حديثها لموقع "الترا صوت" أن الزواج في مصر بقوانينه الحالية غير منصف، وترى أن الرجل يجب أن يجهز المنزل بحسب مقدرته، قائلة: "المراهنة على أن يكون الزوج شخصًا أمينًا ومحترمًا وقت الطلاق أصبحت لا يُعوَّل عليها".
أما الحسين علي، وهو من الإسكندرية ويقيم في دولة عربية، فيرى أن بعض المصريين أصبحوا يتعاملون مع الأمر باعتباره استحقاقًا، ولا يقدّرون مجهود الطرف الآخر، قائلًا: "لو اتفق الطرفان على أن يتكفل الرجل بكل شيء، وقتها ستنظر الفتاة للأمر بغرور، أنه تكبّد العناء لأجلها، أما أهل الرجل فسينظرون للأمر على أن الفتاة قد بيعت بثمن بخس ولم يشتر لها أهلها شيئًا".
كما يرى أن الجنسيات العربية الأخرى تتعامل بتقدير للطرفين، وليس للأمر علاقة بالشرع، لكن الفكرة في مصر، من وجهة نظره، أن العادة أصبحت أقوى من الشرع، ضاربًا المثل بالمسيحيين اللبنانيين حيث يتكفل الرجل بكل شيء.