من وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب.. استراتيجية هجومية أم مجرد دعاية وحرب نفسية؟
6 سبتمبر 2025
لم ينتظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب طويلًا ليغيّر اسم البنتاغون من وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، إذ لم يمضِ أكثر من أسبوعين على طرحه المقترح لأول مرة.
وكان من المتوقع أن يمر التعديل عبر الكونغرس، غير أن ترامب فاجأ الجميع بإقرار التغيير، أمس الجمعة، عبر توقيعه أمرًا تنفيذيًا. ويُفسَّر تسارع الخطوة جزئيًا بالعرض العسكري الضخم الذي نظمته الصين الأربعاء الماضي، وحضره كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والكوري الشمالي كيم جونغ أون، حيث علّق ترامب على الحدث قائلًا إن شي جينبينغ وكيم جونغ أون وبوتين اجتمعوا للتآمر على الولايات المتحدة الأميركية.
لكن الانتقال من تسمية وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب يثير مفارقة لافتة، إذ "يتعارض" مع ادعاء ترامب عن نفسه بأنه "رجل سلام"، ومع مساعيه لنيل جائزة نوبل، نظير إنهائه المزعوم ست حروب خلال ستة أشهر فقط من ولايته الرئاسية الثانية.
ليست وزارة الحرب بالتسمية الجديدة على الولايات المتحدة الأميركية، فبعد فترة وجيزة من تأسيسها أنشأت الحكومة الأميركية في آب/أغسطس 1789وزارة الحرب للإشراف على الجيش والبحرية ومشاة البحرية
لكن إدارة ترامب لا تقرّ بوجود أي تناقض بين الأمرين: نزعة الحرب التي تعكسها تسمية "وزارة الحرب"، وصورة صانع السلام التي تغذّيها مزاعم إنهاء الحروب القائمة؛ إذ تقوم الاستراتيجية المثلى لسياسة ترامب في هذا المجال على رؤية "فرض السلام عبر القوة".
ويُشار إلى أن ترامب، وخلال الأشهر الأخيرة من ولايته الثانية، شنّ حملة عسكرية على مواقع الحوثيين في اليمن استمرت شهرًا كاملًا من دون أن تنجح في وقف أنشطتهم العسكرية في البحر الأحمر وباب المندب. كما أمر بتنفيذ ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، وسط شكوك متزايدة في أنها أنهت بالفعل مشروع إيران النووي.
وفي الوقت الراهن، يهدّد ترامب بشن حملة عسكرية في فنزويلا قد تتحول إلى حرب مع الجار الجنوبي، تحت ذرائع مكافحة المخدرات والهجرة وتأمين الحدود الجنوبية؛ إذ حرّك البنتاغون عدة سفن حربية محمّلة بآلاف الجنود إلى الكاريبي قبالة السواحل الفنزويلية. وفي المقابل، أعلنت كاراكاس النفير العام تحسّبًا لأي عمل عسكري أميركي، متهمة واشنطن بالتخطيط للإطاحة بنظام نيكولاس مادورو.
من الدفاع إلى الهجوم
ليست وزارة الحرب تسمية جديدة على الولايات المتحدة الأميركية؛ فبعد فترة وجيزة من تأسيسها أنشأت الحكومة الأميركية في آب/أغسطس 1789 وزارة الحرب للإشراف على الجيش والبحرية ومشاة البحرية.
واستمر هذا الاسم حتى ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حين أدخلت الحكومة تعديلات على هيكلة وزارة الحرب انتهت في تموز/يوليو 1947 بتغيير اسمها إلى وزارة الدفاع، تعبيرًا عن نزعة عالمية إلى طي صفحة الحروب المدمّرة والإبقاء على هوامش محدودة لاستخدام القوة العسكرية تنحصر في الردع والدفاع.
لكن هذا التوجّه لم يكن يعني بأي حال من الأحوال تهاونًا في التسليح أو التجنيد؛ إذ واصلت الولايات المتحدة تراكم قوتها العسكرية، وهو ما يفسّر النمو السريع لوزارة الدفاع بعد الحرب العالمية الثانية، حيث وظّفت أكثر من 3 ملايين مدني وعسكري، وتُعَدّ حاليًا أكبر جهة توظيف في الولايات المتحدة.
إعادة صياغة صورة الجيش
بدأت إعادة الصياغة في وقت مبكر عندما قرر ترامب تنظيم عرض استثنائي للجيش وسط العاصمة واشنطن، بالإضافة إلى قرار إعادة الأسماء الأصلية للقواعد العسكرية التي جرى تغييرها عقب احتجاجات العدالة العرقية عام 2020.
وفَضلًا عن ذلك، دفعت إدارة ترامب بقوات الجيش إلى لوس أنجلوس وواشنطن، وأنشأت مناطق عسكرية على طول الحدود مع المكسيك، في تحدٍّ صريح للأعراف الراسخة بشأن الانتشار الداخلي للجيش الأميركي.
شنّ ترامب في أواخر ولايته الثانية حملة على الحوثيين استمرت شهرًا دون أن توقف أنشطتهم، كما أمر بضرب منشآت نووية إيرانية وسط شكوك بشأن إنهاء المشروع النووي
ما الذي سيتغيّر؟
وصف ترامب الانتقال إلى اسم "وزارة الحرب" بأنه "تغيير بالغ الأهمية، لأنه موقف. الأمر يتعلق حقًا بالفوز"، وفق تعبيره.
من جانبه، اعتبر بيث هيغسيث الذي عيّنه ترامب وزيرًا للحرب أن الرئيس الأميركي حقق أخيرًا ما كان يصبو إليه، قائلًا: "سننتقل إلى الهجوم، لا الاكتفاء بالدفاع. أقصى قدر من الفتك، لا شرعية فاترة".
ولا يبدو أن ترامب قلق من احتمال رفض الكونغرس لهذا التغيير، إذ قال: "حتى وإن فُرض علينا تصويت في الكونغرس، فستُمنَح الإدارة الأميركية الضوء الأخضر للتغيير نتيجة الأغلبية الجمهورية في مجلسَي النواب والشيوخ".
ويُشار إلى أن التغيير سيكلّف الخزانة الأميركية عشرات الملايين من الدولارات، بما في ذلك تعديل الزي العسكري لجميع الجنود الأميركيين.