من نوكيا إلى الخرائط الورقية.. كيف تحمي التكنولوجيا القديمة مستخدميها؟
3 سبتمبر 2026
في وقت تتسابق فيه الشركات والمستخدمون نحو أحدث الأجهزة والبرمجيات، يبدو من غير المنطقي أن تكون التكنولوجيا القديمة أكثر أمانًا من نظيرتها الحديثة. لكن خبراء في الأمن السيبراني يرون أن بعض الأنظمة العتيقة قد تمتلك ميزة غير متوقعة، فببساطة، القراصنة لم يعودوا يهتمون بها.
هذه الفكرة، التي يطلق عليها خبراء "الأمان بفضل القِدم" أو "الأمان بفضل التقادم"، تقوم على مبدأ بسيط، فكلما قل عدد المستخدمين لنظام أو جهاز قديم، انخفض الحافز الاقتصادي لاستهدافه، حتى لو كان يحتوي على ثغرات أمنية معروفة.
خبير أمني اختار برنامجًا منسيًا
ووفقًا لتقرير نشرته شبكة "بي بي سي"، يقدم خبير الأمن السيبراني الفنلندي ميكو هيبونن مثالًا لافتًا على هذه المفارقة. فعلى الرغم من خبرته الطويلة في مجال حماية الأنظمة، كان يستخدم لسنوات برنامج البريد الإلكتروني القديم Eudora، متجنبًا خدمات أكثر انتشارًا مثل Hotmail وGmail.
ويقول هيبونن إنه استمر في استخدام البرنامج حتى بعد انتهاء دعمه التقني بسنوات، لأنه كان يرى أنه "متفوق فعلًا من نواحٍ كثيرة". لكن السبب الأمني أصبح أكثر وضوحًا مع مرور الوقت. فمع انتقال المستخدمين إلى برامج بريد أحدث، تراجع اهتمام القراصنة بـEudora، ما جعل البرنامج القديم، رغم افتقاره إلى التحديثات الحديثة، أقل جذبًا للمهاجمين. ويطلق هيبونن على هذه الظاهرة اسم "الأمان بفضل القِدم"، فيما يستخدم آخرون تعبير "الأمان بفضل التقادم".
ومع ذلك، يؤكد الخبير أن استخدام أحدث البرامج مع تثبيت جميع تحديثات الأمان يظل الخيار الأمثل في الظروف العادية، لكن هناك حالات محددة قد تجعل التكنولوجيا القديمة خيارًا أكثر أمانًا.
القراصنة يبحثون عن العائد
السبب الرئيسي وراء هذه المفارقة اقتصادي قبل أن يكون تقنيًا. يقول هيبونن إن الغالبية العظمى من المهاجمين هم مجرمون يسعون إلى تحقيق أرباح، ولذلك لا يكون من المنطقي بالنسبة إليهم استهداف أنظمة يستخدمها عدد ضئيل جدًا من الأشخاص.
بمعنى آخر، لا يحتاج القراصنة بالضرورة إلى البحث عن النظام الأكثر ضعفًا، بل عن النظام الذي يجمع بين سهولة الاختراق وعدد كبير من الضحايا المحتملين. وهنا قد يكون النظام القديم، الذي لم يعد يستخدمه سوى عشرات أو مئات الأشخاص، أقل جاذبية من نظام حديث يستخدمه ملايين الأشخاص، حتى لو كانت ثغرات النظام القديم معروفة.
تجربة كشفت المفارقة
اختبر عالم الكمبيوتر مات بيشوب هذه الفكرة بصورة غير مباشرة خلال تسعينيات القرن الماضي.
فقد أنشأ بيشوب وزملاؤه نظامًا متصلًا بالإنترنت وتركوه متاحًا عمدًا، بهدف جذب القراصنة والبرمجيات الخبيثة ومراقبة محاولات الاختراق. ويعرف هذا النوع من الأنظمة باسم "مصيدة العسل" (Honeypot)، وهو أسلوب يستخدم في أبحاث الأمن السيبراني لاستدراج المهاجمين في بيئة خاضعة للمراقبة.
لكن الفريق ارتكب، بحسب وصف بيشوب، نوعًا من "الخطأ المفيد": فقد استخدم نسخة قديمة من البرنامج كان قد جرى تحديثها عدة مرات منذ إطلاقها. والنتيجة كانت مفاجئة؛ لم يهتم القراصنة بالنظام تقريبًا. يقول بيشوب إنه عندما قام الفريق بترقية النظام إلى النسخة الجديدة، "حصلنا على كل الهجمات التي أردناها".
وبذلك كشفت التجربة أن حداثة النظام قد تجعله أحيانًا هدفًا أكثر جاذبية، ليس بالضرورة لأنه أكثر ضعفًا، وإنما لأنه أكثر انتشارًا واستخدامًا.
الهاتف القديم في مواجهة الهاتف الذكي
تمتد الفكرة إلى الأجهزة الشخصية أيضًا، يقول هيبونن إن لديه أصدقاء يرفضون استخدام الهواتف الذكية، مشيرًا إلى شخص يعرفه لا يزال يستخدم هاتف Nokia 9210، وهو هاتف بسيط طرح قبل نحو 25 عامًا. الهاتف يعمل بنظام Symbian الذي يحتوي بالفعل على ثغرات أمنية قديمة ومعروفة، لكنه لم يعد هدفًا شائعًا للقراصنة.
ويشير هيبونن إلى أن الهاتف لا يمكن استهدافه بالطريقة نفسها التي يمكن بها مهاجمة أجهزة Android أو iOS الحديثة، لأن عددًا قليلًا جدًا من الأشخاص يستخدمونه اليوم. لكن ذلك لا يعني أنه آمن تمامًا؛ فقد يكون أكثر عرضة لأساليب أخرى، مثل التنصت على المكالمات. وهنا تظهر الفكرة الأساسية، فالأمان ليس مطلقًا، بل هو مقايضة بين أنواع مختلفة من المخاطر.
الورق يتحدى التكنولوجيا الرقمية
ولا تقتصر المسألة على أجهزة الكمبيوتر والهواتف، ففي أواخر تسعينيات القرن الماضي، كتب بيشوب خطابًا جادل فيه بأن أجهزة الكمبيوتر أصبحت "أقل أمانًا بكثير من الأنظمة الورقية التي ما زلنا نستخدمها والتي يجري استبدالها بسرعة". ولا تزال هذه المخاوف حاضرة خصوصًا في مجال الانتخابات الإلكترونية. فأنظمة التصويت الإلكترونية توفر ميزة مهمة تتمثل في تسريع إعلان النتائج، لكن هذا لا يقنع جميع الخبراء بأن الانتقال الكامل من الورق إلى التكنولوجيا الرقمية يستحق المخاطر الأمنية المحتملة. ويقول هيبونن إن التصويت يمثل "أساس ديمقراطيتنا"، ولذلك فهو لا يرغب في إضعافه، خصوصًا إذا كانت فوائد الانتقال إلى النظام الإلكتروني محدودة.
في الحروب.. الخريطة الورقية لا يمكن التشويش عليها
ربما يظهر مفهوم "المرونة التناظرية" بأوضح صورة في المجال العسكري. ويشير توماس وِذِنغتون، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إلى استخدام القوات في أوكرانيا للخرائط الورقية أو المغلفة بالبلاستيك والبوصلة. ويقول إن هذه الأدوات البسيطة تتمتع بميزة حاسمة: "لا يمكنك التشويش عليها". ففي ساحات القتال الحديثة، يمكن التشويش على إشارات الأقمار الصناعية وتعطيل أنظمة الملاحة والاتصالات الرقمية. لكن الخريطة الورقية والبوصلة لا تحتاجان إلى شبكة أو قمر صناعي أو مصدر كهرباء كي تعملا، ووسط الحرب في أوكرانيا، حيث تعرضت الاتصالات عبر الأقمار الصناعية للتدخل، وأصبحت إشارات GPS هدفًا للتشويش المكثف، ازدادت قيمة هذه الوسائل القديمة.
GPS تحت الضغط.. والراديو يعود
دفعت هجمات التشويش على أنظمة GPS بعض الدول إلى إعادة النظر في التخلي الكامل عن تقنيات الملاحة القديمة. وفي إيرلندا، أبطأت السلطات برنامجًا كان يهدف إلى استبدال منارات الملاحة اللاسلكية الأرضية بأنظمة تعتمد على الأقمار الصناعية. أكدت متحدثة باسم هيئة الطيران الإيرلندية أن الإبقاء على المنارات جاء "جزءًا من استراتيجية مخطط لها للمرونة".
ويشير فيكتور تاسييمسكي، مهندس الأنظمة في شركة Overlook Systems Technologies، إلى أن أنظمة الملاحة القديمة قد توفر طبقة احتياطية مهمة في حال تعرض GPS للتشويش. ومن البدائل المطروحة نظام eLoran، وهو نظام ملاحة لاسلكي تعود جذوره إلى تقنيات عسكرية طُورت خلال الحرب العالمية الثانية.
ويتميز eLoran بإشارات أقوى بكثير من إشارات GPS، ما يجعل التشويش عليها أكثر صعوبة. ويقول تاسييمسكي إن التغلب على جهاز إرسال بقوة ميغاواط واحد يمثل تحديًا كبيرًا.
الجيش لا يتخلى بسهولة عن التكنولوجيا القديمة
ويواجه مصممو الأنظمة العسكرية تحديًا إضافيًا، ويتمثل بكيفية جعل التكنولوجيا القديمة والجديدة تعمل معًا. ويقول ستيفان كراوس، الشريك المؤسس والمدير التقني لشركة Kraus Hamdani Aerospace، إن منصات الاتصالات التي طورتها شركته للطائرات المسيّرة يمكنها الربط بين أفراد يستخدمون أجهزة راديو قديمة وآخرين يعتمدون على تقنيات أحدث. ويصف تقنيات الراديو العسكرية التي تعود إلى عقود بأنها "مُجربة ومختبرة وآمنة"، مضيفًا أن الجيش الأميركي لا يتجه إلى التخلي عنها ببساطة.
فالأنظمة القديمة، رغم افتقارها إلى بعض إمكانات التكنولوجيا الحديثة، تتمتع بميزة مهمة في المجالات الحساسة: لقد جرى اختبارها على مدى طويل وتراكمت الخبرة حول طريقة عملها ونقاط ضعفها.
الشريط المغناطيسي.. حصن ضد برمجيات الفدية
من أكثر الأمثلة غرابة على استمرار التكنولوجيا القديمة في العصر الرقمي، الأشرطة المغناطيسية التي ظهرت في خمسينيات القرن الماضي. ورغم مرور أكثر من سبعة عقود، لا تزال الشركات والمؤسسات البحثية والجهات الحكومية تستخدمها لتخزين كميات ضخمة من البيانات. وتطورت كثافة التخزين بشكل هائل منذ ظهور التقنية، لكن المبدأ الأساسي بقي كما هو، عبارة عن معلومات محفوظة على شريط يمكن فصله عن أنظمة الكمبيوتر.
وهذه الخاصية تمنح الأشرطة ميزة أمنية كبيرة، إذ يمكن فصلها عن الشبكات ونقلها إلى أماكن تخزين شديدة الحماية، بما في ذلك منشآت تحت الأرض ومناجم جرى تحويلها لأغراض التخزين.
ويقول هوغز ميراث، الرئيس التنفيذي لشركة Quantum المتخصصة في تخزين البيانات، إن برمجيات الفدية هي التي أبقت الأشرطة في سوق التخزين خلال السنوات الـ10 إلى الـ15 الماضية.
لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، لكن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية
فإذا تمكن هجوم فدية من إغلاق أنظمة مؤسسة بالكامل، فإن وجود نسخ احتياطية على أشرطة منفصلة عن الشبكة يمكن أن يمنح المؤسسة وسيلة لاستعادة بياناتها المهمة.
رغم كل هذه الأمثلة، لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، بل على العكس، يظل استخدام البرامج والأجهزة الحديثة التي تحصل على تحديثات أمنية منتظمة هو الخيار الأكثر أمانًا في المهام اليومية. لكن الدرس الذي تطرحه هذه الظاهرة هو أن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية.