من نوبل للسلام إلى انتخابات بلا منافسين.. إثيوبيا في عهد آبي أحمد
31 مايو 2026
تتجه إثيوبيا، ثاني أكبر دول أفريقيا سكانًا، إلى انتخابات عامة يوم الاثنين 1 حزيران/يونيو، وسط توقعات واسعة بفوز ساحق لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وحزبه "الازدهار"، في ظل معارضة منقسمة، واستبعاد مناطق واسعة من التصويت بسبب النزاعات المسلحة، وتصاعد الاتهامات للحكومة بالتضييق على المعارضة والإعلام.
ويُنتظر أن تمنح الانتخابات آبي أحمد ولاية جديدة تمتد خمس سنوات، بعدما هيمن حزبه على البرلمان الحالي بأكثر من 500 مقعد من أصل 547.
لكن هذه الانتخابات تأتي في سياق مختلف جذريًا عن الأجواء التي رافقت صعوده إلى السلطة عام 2018، حين قُدّم باعتباره رجل إصلاح وسلام، قبل أن تتحول البلاد لاحقًا إلى ساحة نزاعات أهلية وصراعات إثنية متشابكة.
انتخابات وسط الحروب والانقسامات
يشارك نحو 50 مليون ناخب في التصويت من أصل أكثر من 130 مليون نسمة، لكن النزاعات الأمنية في أقاليم أمهرة وأوروميا وتيغراي تهدد نسبة المشاركة، في وقت لن تُجرى فيه الانتخابات أصلًا في إقليم تيغراي للمرة الثانية على التوالي.
ويحرم غياب تيغراي الإقليم من التمثيل داخل البرلمان الفيدرالي، في ظل استمرار التوترات بعد الحرب الأهلية التي اندلعت بين الحكومة المركزية وقوات "جبهة تحرير شعب تيغراي" بين عامي 2020 و2022، وهي الحرب التي قُتل فيها مئات آلاف الأشخاص، وفق تقديرات دولية.
وتخشى منظمات إغاثية من تفاقم الوضع الإنساني في الإقليم، بالتزامن مع تحذيرات من احتمال انزلاق تيغراي مجددًا إلى حرب بالوكالة، وسط توتر متزايد بين أديس أبابا وأسمرة، بعدما اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم جماعات متمردة لزعزعة الاستقرار.
وفي موازاة ذلك، تواجه الحكومة تمردات مسلحة في أمهرة وأوروميا، ما يجعل ملايين الإثيوبيين خارج العملية الانتخابية فعليًا، سواء بسبب انعدام الأمن أو النزوح الجماعي.
بالنسبة إلى كثير من المعارضين، فإن النتيجة النهائية تبدو محسومة سلفًا، في بلد اعتاد منذ إسقاط نظام منغستو هيلا مريم عام 1991 على انتخابات تنتهي بسيطرة حزب واحد على ما بين 90 و100 بالمئة من مقاعد البرلمان
من "إصلاح تاريخي" إلى حرب أهلية
حين وصل آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، بدا وكأنه يمثل قطيعة مع عقود من الحكم الأمني الصارم. وأطلق سريعًا سلسلة خطوات إصلاحية، شملت الإفراج عن معارضين وصحفيين، وفتح المجال الإعلامي نسبيًا، قبل أن يحقق اختراقًا تاريخيًا بتوقيع اتفاق سلام مع إريتريا بعد عقدين من العداء.
ومنح هذا الاتفاق آبي أحمد جائزة نوبل للسلام عام 2019، ورسّخ صورته كزعيم إصلاحي وقائد إقليمي جديد في أفريقيا.
لكن هذه الصورة بدأت تتصدع مع قراره حل الائتلاف الحاكم السابق "الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية"، واستبداله بحزب موحد حمل اسم "حزب الازدهار"، ضمن مشروع لإعادة مركزية السلطة وتقليص نفوذ الأقاليم الإثنية.
وأثار هذا التحول غضب "جبهة تحرير شعب تيغراي"، التي كانت تاريخيًا القوة الأكثر نفوذًا داخل الدولة الإثيوبية، كما أثار احتجاجات في أقاليم أخرى رأت في الخطوة محاولة لإضعاف الحكم الذاتي المحلي.
ومع تصاعد التوترات، عادت الحكومة إلى أساليب أكثر تشددًا، شملت اعتقالات بحق معارضين وصحفيين، وتأجيل الانتخابات، قبل أن تنفجر المواجهة العسكرية مع تيغراي نهاية عام 2020.
بلد بوجهين
تعكس الانتخابات الحالية صورة إثيوبيا المنقسمة بين واقعين مختلفين.
ففي العاصمة أديس أبابا تروج الحكومة لرواية التنمية والتحديث، مع مشاريع بنى تحتية ضخمة وطرق وأبراج وأسواق مالية جديدة، إلى جانب حملات إعلامية تعرض البلاد كقوة اقتصادية صاعدة.
لكن خارج العاصمة تبدو الصورة مغايرة تمامًا، مع مناطق مدمرة بفعل الحروب، واتهامات بوقوع مجازر وانتهاكات ونزوح جماعي.
اتهامات بالقمع وتآكل الشرعية
تتهم المعارضة الإثيوبية حكومة آبي أحمد باستخدام الاعتقالات والتضييق الإعلامي والضغوط الإدارية لإضعاف خصومها السياسيين.
وقال الأمين العام لـ"الحزب الثوري الشعبي الإثيوبي" مسترسيلاسي تاميرات إن الانتخابات الحالية "قد تكون الأسوأ على الإطلاق"، متحدثًا عن "اعتقالات تعسفية ومضايقات وقمع لوسائل الإعلام المستقلة".
كما أكدت أحزاب معارضة أنها تواجه صعوبات في الوصول إلى دوائرها الانتخابية، فضلًا عن حملات ترهيب وتهديدات من جماعات مسلحة.
في المقابل، تنفي الحكومة هذه الاتهامات، وتؤكد أن الانتخابات ستكون الأكثر تنظيمًا في تاريخ البلاد، مع اعتماد تقنيات انتخابية حديثة وزيادة الوعي العام.
معارضة ضعيفة ونتائج شبه محسومة
ورغم وجود نحو 40 حزبًا معارضًا، لا تبدو أي جهة قادرة على تهديد هيمنة "حزب الازدهار".
ويخوض الحزب الحاكم الانتخابات دون منافسة في عشرات الدوائر، بينما يشارك أكبر أحزاب المعارضة "إيزيما" في عدد دوائر أقل، وسط جدل حول مدى استقلاليته، خصوصًا مع مشاركة أحد أعضائه في الحكومة الحالية.
ويسعى الحزب الحاكم عبر ترك بعض الدوائر دون مرشحين إلى السماح بدخول عدد محدود من المعارضين إلى البرلمان، بهدف تعزيز صورة التعددية السياسية ومنح الانتخا بات قدرًا أكبر من الشرعية.
لكن بالنسبة إلى كثير من المعارضين، فإن النتيجة النهائية تبدو محسومة سلفًا، في بلد اعتاد منذ إسقاط نظام منغستو هيلا مريم عام 1991 على انتخابات تنتهي بسيطرة حزب واحد على ما بين 90 و100 بالمئة من مقاعد البرلمان.
ويبقى السؤال الأبرز بعد هذه الانتخابات: هل يستطيع آبي أحمد استعادة صورة "رجل السلام" التي صعد بها إلى السلطة، أم أن إثيوبيا تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا من الانقسامات والصراعات الداخلية؟
تقرؤون المزيد في: توتر بين إثيوبيا وإريتريا: تبادل اتهامات يعيد شبح الحرب إلى الواجهة