من منبج إلى بيروت

من منبج إلى بيروت

أطفال من منبج

ملل يلفُّ أزقّة المدينة المقدّسة هيرابوليس "منبج"، وشوارعها العريضة التي تتصل بمستديرات بأشكال هندسية تراثية تجاوز عددها الخمس عشرة مستديرة، وتحمل بعضها أسماء شعراء "البحتري". لقد كانت هذه المستديرات بمثابة حدائق يلهو بها أطفال المدينة، يتمرّغون في عشبها الأخضر النديّ، ويصفّون ماءها كلّما تعكّر أيام العطل الدراسية.

منبج

- بتروح عالدّوار؟
- ليش، شو في؟
- إعدام 
- امشِ
....
- وين راسو؟
- ليكو عند رجلو اليمين.

اعتاد أطفال المدينة على هذه المشاهد والحوارت، طيلة احتلال تنظيم داعش للمدينة، واغتصاب كل مقوّمات الحياة فيها. لقد اعتمد التنظيم منذ البداية على تجنيد الأطفال -الذين لا حول ولا قوّة لذويهم- بمعسكرات شرعية أطلقوا عليها اسم "أشبال الخلافة"، تكون بمثابة ملء وتشويق وترويض لفرط نشاطهم، ومناداتهم بأسماء مركبة قوية جزلة، ثمّ الزج بهم في معارك التنظيم. لست في صدد الحديث عن ممارسات التنظيم، التي لم تعد تخفى على أي أحد، وتجاوزت الخيال، لكنّها حقيقة مؤلمة.

بيروت

-سندويشاتك معك؟
- oui
- مطرة المي مليانة؟
- oui
- bye
- bye

هذا المشهد لأطفال في بيروت، وهم يهمّون بركوب الباص في السادسة وأربعين دقيقة صباحًا، يثير تساؤلات تحزّ في النفس، لمن يدرك أبعادها في المدينة الأخرى "منبج" أمام انتزاع براءتهم وملء الفراغ الشاسع في دماغ الطفل المستقبِل بالعنف. عقد فلتت حباته في عشب المستديرات اليابس المدمى. هل يمكننا أن نعيد ضمّها بعد انسحاب التنظيم من المدينة، والعمل على ملف التعليم، وسط مظاهر حياة شبه معدومة، في مدينة خرجت لتّوها من الظلام؟

اقرأ/ أيضًا:

من أجل رغبة صغيرة

نهاية الحفلة