من مشروع مثير للجدل إلى إقالة مدير العمليات.. ماذا يحدث داخل الفيفا؟
18 أغسطس 2026
دخل الاتحاد الدولي لكرة القدم مرحلة جديدة من أزمته الداخلية، بعدما انتهت علاقة المنظمة بمدير العمليات التنفيذي كيفن لامور، بعد أسابيع قليلة من انتقاده العلني لرئيسها جياني إنفانتينو بسبب خطة مثيرة للجدل لبيع حصص من عائدات كأس العالم لمستثمرين من القطاع الخاص.
وتأتي مغادرة لامور في وقت يتزايد فيه الضغط على إنفانتينو، الذي يواجه انتقادات غير مسبوقة منذ توليه رئاسة الفيفا عام 2016، بعدما تحولت مبادرة تجارية ضخمة كان يراهن عليها إلى مصدر لانقسام واسع داخل كرة القدم العالمية.
من هو كيفن لامور؟
كان لامور من أبرز المسؤولين التنفيذيين داخل الفيفا، بعدما تولى منصب مدير العمليات في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قادمًا من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، حيث شغل منصب نائب الأمين العام.
ولم تكن علاقته بإنفانتينو عابرة؛ إذ عمل الرجلان معًا خلال فترة وجودهما في اليويفا، ما يجعل خروجه من الفيفا بعد انتقاده رئيس المؤسسة أكثر دلالة، خصوصًا أن لامور كان جزءًا من الدائرة الإدارية العليا للمنظمة.
بعد أسابيع قليلة من انتقاده العلني لجياني إنفانتينو، إقالة رئيس العمليات التنفيذي للفيفا، كيفن لامور
وفي 31 تموز/يوليو، خرج لامور عن الصمت وانتقد بشدة طريقة إدارة مشروع "FIFA Forward Enterprise"، الذي كان يهدف إلى تحويل جزء من الحقوق والأرباح المستقبلية المرتبطة بكأس العالم إلى استثمار خاص.
وقال لامور إن إدارة الفيفا تعرضت لـ"الخداع" بسبب عدم الوضوح في طريقة إعداد المشروع، منتقدًا ما وصفه بتعامل إنفانتينو مع الفيفا وكأنه يجسّد المؤسسة نفسها، بدلًا من أن يكون رئيسًا يعمل لخدمتها.
ولم يكتفِ بذلك، بل دافع عن موظفي الفيفا، قائلًا إنهم "يستحقون أفضل من الاحتقار والترهيب"، في انتقاد نادر الحدة يصدر عن مسؤول رفيع داخل المؤسسة.
مشروع بـ20 مليار دولار
كانت الأزمة مرتبطة بمشروع تجاري ضخم أطلق عليه اسم "FIFA Forward Enterprise"، وكان يستهدف جذب مستثمرين من القطاع الخاص إلى نشاطات مرتبطة بكأس العالم، عبر بيع حصص في أرباح مستقبلية للبطولة.
وقدرت قيمة المشروع بنحو 20 مليار دولار، ما جعله أحد أكثر المشاريع التجارية طموحًا في تاريخ الفيفا، لكنه أثار منذ الكشف عنه مخاوف واسعة بشأن مستقبل إدارة البطولة، وحول مقدار النفوذ الذي يمكن أن يحصل عليه المستثمرون في واحدة من أكبر العلامات الرياضية في العالم.
كما كان المشروع يتضمن إنشاء ذراع تجارية جديدة للفيفا وإتاحة جزء من العوائد المستقبلية أمام مستثمرين من القطاع الخاص، في محاولة لتعظيم القيمة المالية لكأس العالم.
لكن المشكلة لم تكن مالية فقط. فقد تحولت المسألة سريعًا إلى قضية تتعلق بالحوكمة وطريقة اتخاذ القرار داخل الفيفا، بعدما اعتبرت اتحادات قارية ومسؤولون كبار أن المشروع طُرح دون التشاور الكافي مع الأطراف المعنية.
من مشروع تجاري إلى تمرد داخلي
سرعان ما تجاوزت الاعتراضات حدود الخلاف الإداري، ووصلت إلى أعلى مستويات كرة القدم العالمية.
وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه لامور موقفه، استقال كارلوس كورديرو، أحد كبار مستشاري إنفانتينو، احتجاجًا على المشروع، واعتبر الخطة التجارية التي تبلغ قيمتها 20 مليار دولار "صفقة سيئة لكرة القدم".
وكانت هذه الاستقالة، إلى جانب تصريحات لامور، مؤشرًا على أن المعارضة لم تعد قادمة من خارج الفيفا فقط، بل بدأت تظهر من داخل الدائرة المحيطة بإنفانتينو نفسه. ثم اتسعت دائرة الرفض، خصوصًا في أوروبا، حيث هدد اليويفا بمقاطعة مباريات وفعاليات الفيفا إذا مضت الخطة قدمًا.
وأمام هذا الضغط، اضطر إنفانتينو إلى التراجع، وأعلن في 31 تموز/يوليو أن المشروع لن يستمر، بعد أن تسبب في انقسامات وصفها بأنها لم تعد تخدم أهداف الفيفا.
لماذا أصبحت إقالة لامور مهمة؟
قد تبدو مغادرة مسؤول تنفيذي واحدة داخل مؤسسة ضخمة حدثًا إداريًا، لكن توقيتها يجعلها أكثر حساسية. فلامور كان قد قال صراحة إنه يدرك أن انتقاده للمشروع قد يكلفه منصبه، بل أشار إلى أنه مستعد لتحمل هذه النتيجة. وبعد أيام، انتهت بالفعل علاقته بالفيفا.
وفي 17 آب/أغسطس، أكدت المنظمة أن علاقة العمل مع لامور انتهت، فيما قال الأمين العام للفيفا، ماتياس غرافستروم، للموظفين إن لامور سيغادر المؤسسة.
ولم يقدم الفيفا تفسيرًا مفصلًا للقرار، مكتفيًا بتوجيه الشكر إلى لامور على عامين من الخدمة وتمني التوفيق له مستقبلًا، مع التأكيد على أنه لن يدلي بمزيد من التعليقات بشأن القضية.
بذلك، جاءت الإقالة بعد فترة قصيرة جدًا من موقف لامور العلني، ما عزز الانطباع بأن خلافه مع قيادة الفيفا كان عاملًا رئيسيًا في خروجه، رغم عدم إعلان المنظمة رسميًا أن الإقالة جاءت بسبب تصريحاته.
إنفانتينو تحت ضغط أكبر
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه إنفانتينو تحديًا سياسيًا حقيقيًا داخل كرة القدم العالمية. فبعد سنوات بدا خلالها رئيس الفيفا في موقع قوي للغاية، أصبح مستقبله السياسي أكثر غموضًا منذ انهيار مشروع "FIFA Forward Enterprise".
فسبق أن وجه رؤساء ثلاث اتحادات قارية، تمثل أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية والوسطى والكاريبي، رسالة مفتوحة انتقدوا فيها المشروع ووصفوه بأنه "خرق أساسي للثقة"، فيما استخدموا أيضًا تعبير "الخداع" لوصف طريقة إدارة الملف. كما سحبت بعض الاتحادات الوطنية دعمها لإنفانتينو، بينما لا يزال رئيس الفيفا يحظى بدعم جهات أخرى.
وفي المقابل، أعلن رؤساء ستة اتحادات عربية لكرة القدم الأسبوع الماضي "دعمهم الكامل" وثقتهم بإنفانتينو، ما يعكس الانقسام المتزايد داخل الأسرة الدولية لكرة القدم بشأن مستقبل الرجل.
هل انتهى طريق إنفانتينو إلى ولاية جديدة؟
قبل اندلاع أزمة المشروع التجاري، كان إنفانتينو يبدو في طريق شبه مضمون نحو إعادة انتخابه، حتى إن التوقعات كانت تشير إلى إمكانية خوضه الانتخابات دون منافس قوي. لكن المشهد تغير بسرعة. فالفيفا حدد 18 تشرين الثاني/نوفمبر موعدًا نهائيًا لتقديم المرشحين، بينما ستجرى الانتخابات العام المقبل في المغرب. ومع اتساع المعارضة، لم تعد إعادة انتخاب إنفانتينو تبدو مسألة محسومة كما كانت قبل أزمة المشروع.
ولا يعني ذلك أن إنفانتينو فقد فرصه في البقاء؛ فالفيفا يضم 211 اتحادًا عضوًا، ولا يزال رئيسه يمتلك شبكة واسعة من التحالفات داخل المؤسسة، كما أن مواقف الاتحادات من الأزمة ليست موحدة. لكن الأزمة كشفت للمرة الأولى منذ فترة طويلة حدود قدرته على تمرير مشروع كبير عندما يتعارض مع مصالح اتحادات قارية وقوى مؤثرة داخل اللعبة.
ضربة جديدة لصورة الفيفا
يحاول الفيفا منذ سنوات تقديم نفسه كمؤسسة عالمية قادرة على إدارة كرة القدم بعيدًا عن الأزمات التي ضربته في عهد جوزيف بلاتر.
لكن أزمة "FIFA Forward Enterprise" أعادت إلى الواجهة الأسئلة القديمة حول الشفافية، وتركيز السلطة، وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة. وإقالة مسؤول كبير بعد انتقاده القيادة تضيف طبقة جديدة إلى الأزمة، حتى لو لم يربط الفيفا رسميًا بين خروجه وتصريحاته.
فبعد انهيار المشروع، واستقالة مستشار رفيع، وتهديد "يويفا" بالمقاطعة، وسحب بعض الاتحادات دعمها لإنفانتينو، أصبح خروج لامور أحدث حلقة في سلسلة أحداث تشير إلى أن المعركة داخل الفيفا لم تنتهِ بسحب مشروع الـ20 مليار دولار. بل ربما كان إلغاء المشروع مجرد بداية لمعركة أكبر على مستقبل قيادة كرة القدم العالمية.