15-مايو-2021

73 عامًا: فلسطين ثورة.. فلسطين ربيع

فتحت فيسبوك قبل أيام، كان ثلث أصدقائي قد أضافوا لصورهم الشخصية إطار "أنقذوا حي الشيخ جراح" مرفقًا بعلم فلسطين، لم أكن أعرف حي الشيخ جراح، لكن اسمه بدا مألوفًا، ألفة أعزوها لعلاقتي المتينة بفلسطين، مدنها وقراها، بعد البحث فهمت تمامًا الصراع على حي ارتجفت لما لاح شبهه بأحياء دمشق القديمة، بيوته القريبة من بيوت باب توما، وباب شرقي، أضفت الإطار لصورتي الشخصية، ورحت أتابع الأخبار العاجلة من القدس بدم يغلي، أسمع شهادات أهل الحي المهددين بتهجيرهم من بيوتهم بحكم محكمة المحتل، نضالهم في تفاصيل اليوم العادية، كأن يفتحوا باب البيت فيتحول فعل فتح الباب لمواجهة مع سارق يدافع عن سرقته بكل وقاحة، يخرجون للشارع فيصطدمون بمستوطنين يدرسون حواريهم ويسنون أسنانهم للاستيلاء عليها بحماية بنادق الشرطة وسياراتها.

فلسطين أرض أعرفها وأبناء جيلي جيدًا، لا من شاشات التلفاز ودروس الجغرافيا والتاريخ وحسب، بل من سنوات طويلة قضيتها في زيارة مخيم اليرموك

موائد الإفطار التي تجمعهم غير مهتمين لجنود الاحتلال وأسلحته التي تفرقهم وتعتقلهم بوجوههم الباسمة وسباب شبابهم الذي صار شعارًا نكتبه في منشوراتنا، ونضعه على الصور ومقاطع الفيديو الواردة من القدس بداية، ثم فلسطين كلها، إذ لم يترك الشباب الفلسطيني القدس تواجه المحتل وحدها، لبوا النداء وانطلقوا لينقذوا حي الشيخ جراح لتتسع دائرة الصراع الذي لم ينته ولم يهدأ منذ ثلاثة وسبعين عامًا، اشتباكات عنيفة شهدها محيط المسجد الأقصى ليلة القدر، تزامنًا مع تظاهرات في المدن الفلسطينية، تحرير مدينة اللد لليلة كاد يقطع أنفاسنا من فرح لم نشهد له مثيل، ثم الصواريخ التي هزت القبة الحديدية وجعلتها مادة للنكات التي نتداولها ونضحك ضحكًا افتقدناه منذ أفقدونا أصواتنا التي نستعيدها الآن، وتترك أثرها على مواقع التواصل التي تحولت لغرف أخبار تنقل لحظة بلحظة ما لا تنقله قنوات الأخبار المسيسة والصحف الداعمة لرواية المحتل، الإطار الذي تغير في أقل من أسبوع ليصير علمًا فلسطينيًا يغطي الصورة بأكملها، كلماتنا المشتعلة التي لم تتمكن منشورات البعض من إخمادها بحجة أننا كسوريين نملك من المآسي ما يكفي ويمنعنا من التضامن مع إخوتنا في فلسطين. والحق معهم فيما يخص التضامن، نحن كسوريين لا نتضامن، نحن شركاء أرض، وذاكرة، ووطن، أصحاب قضية.

اقرأ/ي أيضًا: التضامن مع القدس: في أننا لسنا فلسطينيين

قضية أعرفها وأبناء جيلي جيدًا، منذ كنت ابنة خمس سنوات أتسمر أمام التلفاز مختبئة تحت طاولة الشاي والتوسلات التي تحرج والدي أمام أصدقائه الذين أتوا ليتابعوا معه نشرات الأخبار وأحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية عله يسمح لي بالبقاء، أسمع نقاشاتهم، ومقارناتهم ما يحصل بالانتفاضة الأولى، حماسهم، صراخهم، تحليلاتهم، وخيباتهم، لم أكن أفهم ما يحصل ولا ما أسمع ولا سبب طردي من الغرفة، فهمت لاحقًا لما حُفرت صورة محمد الدرة في ذهني وهو يقتل على الهواء مباشرة، الليالي الطوال التي لم أتمكن فيها من النوم لأن رصاص الكيان الذي اخترق جسده يخترق منامي، علم الاحتلال الذي رسمته وأخي الأكبر على ورقة لنحرقها مع أولاد الجيران في خرابة الحارة بعدما اتفقوا على فعل ثوري أشركوني به كما يفعلون دائمًا، أصابعي المرتجفة وأنا أتابع أخي يشعل الولاعة، الذعر والبحث عن الرصاص الذي سيقتلني أو يقتله كما قتل الأطفال الآخرين، هتافنا "يسقط الاحتلال"، أمي التي تطلب منا إطفاء الأضواء التي لا نحتاجها لأن أطفال فلسطين بلا كهرباء، مواضيع التعبير التي كتبناها لاحقًا في صفوفنا المدرسية عن أطفال الحجارة، وشهداء فلسطين، وبحيرة طبريا، وسائر الأرض المحتلة، سندويشات الزعتر الأخضر الفلسطيني التي سندت معداتنا طيلة تلك السنوات، ورائحة اليانسون في كعك العيد، مقتطفات رواية أم سعد في دروس القراءة، وأشعار إبراهيم طوقان، بطولة أبو صالح التغريبة الفلسطينية، والبارودة التي طلت والسبع الذي ما طل.

أرض أعرفها وأبناء جيلي جيدًا، لا من شاشات التلفاز ودروس الجغرافيا والتاريخ وحسب، بل من سنوات طويلة قضيتها في زيارة مخيم اليرموك، أحفظ أسماء شوارعه، شارع حيفا، صفد، الغوارنة، الجاعونة، العروبة، والتلاتين، أعوج لساني لألفظ "التلاتين" كما يفعل الرفاق الفلسطينيون، الشاب الذي تعرفت عليه في مقهى يحمل أنفاسنا الثائرة، ونقاشاتنا المحتدمة عن أرض مسلوبة، وقضية لا نعرف غيرها، قصائد محمود درويش التي نردد، أغانينا، أحلامنا، وآمالنا، رسم حنظلة الذي نعلق به مفاتيح بيوتنا، ونعلقه على جدرانها، خوفي من أن يناديني خيتا كما يفعل الآخرون فيحشرني في زاوية تكبت افتتاني به، لا يرضيني أن يكون المحب خيا، فإذا به يسرق قلبي لما اقترب من أذني، همس "بَحُبّك"، ثم لحفني بكوفيته بدل الجاكيت المتعارف عليه في المشاهد الرومانسية، أحاديثنا الطويلة عن أرض أجداده، خريطة فلسطين المعلقة على عنقه، والحاضرة بيننا في كل عناق.

وطن أعرفه وأبناء جيلي جيدًا، لا من خطب الحكام ودروس التربية القومية، بل بانتهاء سنوات المراهقة، وبدء الحرب السورية، لما شهدنا الرصاص الحي، وقذائف الهاون، وصواريخ المدفعية، حين تهدمت شوارعنا فوق رؤوسنا فعرفنا التهجير القسري والشتات، لم تعد الشعارات الرنانة تجدي نفعًا، أو توقف دمًا، أو تعيد حقًا، حين فقدنا أصدقاءنا الفلسطينيين مع السوريين على حد سواء، قتلتهم الأسلحة ذاتها، وأبعدتهم الأسلحة ذاتها، مع كل شهيد، جريح، وحنجرة مسدودة، كنا نفهم الاحتلال أكثر مما فعلنا سابقًا، تتوضح لنا الكيانات الغاصبة والغاشمة، مع كل معركة، شدة، ومصاب كنا نتشارك الذاكرة أكثر مما فعلنا سابقًا.

وطن أعرفه وأبناء جيلي جيدًا، لا من خطب الحكام ودروس التربية القومية، بل بانتهاء سنوات المراهقة، وبدء الحرب السورية، لما شهدنا الرصاص الحي، وقذائف الهاون

سنوات طويلة بين شعار "يسقط الاحتلال" الذي رفعناه مع الانتفاضة الثانية، وشعار "كسم الاحتلال" الذي نرفعه الآن دون خوف أو خجل تعارضه مع الفكر النسوي، ذلك أنه لا يمس أعضاء النساء ولا يصفها بشكل واضح بقدر ما يحول كم القهر فينا إلى شتيمة تصيب المحتل بوصفه جسدًا. جسدًا مسمومًا يمد أذرعه في كل مكان، يضع أصابعه في عيوننا محاولًا فقأها، ثم يحط عينه في العيون الموجوعة متحديًا، يستخدم لسانه ليكذب ويزيف وينافق، وأذنيه ليسمع دوي خلافاتنا الداخلية، احتلال لا نكتفي بإسقاطه، لا بد من إهانته، وإذلاله.

اقرأ/ي أيضًا: الإعلام الإسرائيلي: ولد يَكذبُ على أمه

الحق معهم في أننا كسوريين نملك من المآسي ما يكفي، لكننا نشفى من مآسينا بفلسطين، سنوات طويلة من القمع، والخسارات، والهزائم، والآلام، والحنق، والغضب، تمحوها الآن بكفها الناعم المحنى، تطبطب على أكتافنا المكسورة، وعظامنا الهشة، قميصها الملقى على وجوهنا يعيد لنا بصرنا، صوتنا المخنوق، كلماتنا الممحية، وإيماننا بجدوى حيواتنا، سنوات طويلة من الذل، والظلم، والجور تصير أخف وطأة لما نرفع علمها، نكتب اسمها، نحكي قصصها، ننقل حربها، ونبكي أولادها، نشفى من كل ما لم نستطع الحديث عنه، سبّه، ولعنه. ففي النهاية وأمام لحظة الحقيقة، ماذا يمكن لمحامية سورية نسوية في السادسة والعشرين أن تكون وتفعل؟ تكون فلسطينية بالطبع. وتصرخ بحماس: "كسم الاحتلال".

 

اقرأ/ي أيضًا:

فلسطين؟ لنمرر تلك الجينة على الأقل

القدس كما تبدو من بيروت