من "مباراة القرن" إلى "هدف القرن".. ماذا تعرف عن ملعب افتتاح كأس العالم 2026؟
10 يونيو 2026
تنطلق غدًا الخميس 11 حزيران / يونيو فعاليات كأس العالم 2026 التي تقام بشكل مشترك بين المكسيك والولايات المتحدة وكندا، وتمثل هذه النسخة محطة تاريخية للمكسيك على وجه الخصوص، إذ ستصبح أول دولة في التاريخ تستضيف البطولة للمرة الثالثة، بعد نسختي 1970 و1986 اللتين تركتا بصمة خالدة في ذاكرة كرة القدم العالمية.
وفي قلب هذا الإرث الكروي العريق يقف ملعب أزتيكا الشهير، الذي سيؤكد مجددًا مكانته الرمزية عندما يحتضن المباراة الافتتاحية للبطولة مساء الخميس بين المكسيك وجنوب إفريقيا، وعلى مدار عقود طويلة، كان أزتيكا شاهدًا على أعظم لحظات كرة القدم العالمية، من أمجاد بيليه إلى سحر مارادونا، ولا يزال حتى اليوم واحدًا من أبرز الملاعب وأكثرها رمزية في تاريخ اللعبة، وهو يستعد لكتابة فصل جديد من المجد في مونديال 2026.
سيشهد ملعب أزتيكا افتتاح كأس العالم 2026، وعلى مدار عقود طويلة، كان شاهدًا على أعظم لحظات كرة القدم العالمية، من أمجاد بيليه إلى سحر مارادونا، ولا يزال حتى اليوم واحدًا من أبرز الملاعب وأكثرها رمزية في تاريخ اللعبة
بعد ما يقرب من ستة عقود على افتتاحه، لا يزال ملعب أزتيكا يرسخ مكانته كأشهر وأهم ملاعب كأس العالم عبر التاريخ، مواصلًا تحطيم الأرقام القياسية وتعزيز إرثه الاستثنائي. فبعد أن أصبح أول ملعب يحتضن مباراتين افتتاحيتين ومباراتين نهائيتين في تاريخ البطولة، يستعد اليوم لاستضافة المباراة الافتتاحية الثالثة في مسيرته ضمن مونديال 2026، في إنجاز غير مسبوق. ولا تقتصر فرادة أزتيكا على سجلات الاستضافة فحسب، بل تمتد إلى الحضور الجماهيري أيضًا، إذ شهد ست مباريات من بين أكبر عشر مباريات من حيث عدد المتفرجين في تاريخ كأس العالم.
قصة التأسيس
"لم تكن المكسيك ترغب في تنظيم كأس العالم فحسب، بل أردنا تنظيم أفضل بطولة شهدها العالم على الإطلاق، ولهذا كنا بحاجة إلى أفضل ملعب عرفه العالم على الإطلاق". تمثل هذه الرؤية الطموحة للرئيس السابق للاتحاد المكسيكي لكرة القدم، غييرمو كانيدو، حجر الأساس الذي انطلقت منه فكرة تشييد هذا الصرح العالمي. وقد استمدت هذه الرؤية جذورها من طبيعة المرحلة الزمنية التي شهدت، خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تنافسًا محمومًا بين الدول للفوز بحق استضافة كأس العالم.
أراد كانيدو كسر هيمنة أوروبا وأميركا الجنوبية على تنظيم المحفل العالمي، فقدم ضمن ملف ترشح بلاده رؤية جديدة تضمنت خطة متكاملة للبنية الرياضية والتطوير العمراني، كان ملعب أزتيكا في مقدمتها. وجاء المشروع، بحسب تعبير كانيدو نفسه، محاكاةً لنجاح ملعب ماراكانا الشهير خلال مونديال البرازيل 1950، إذ قال: "لقد شيدت البرازيل ملعب ماراكانا لاحتضان نهائي تاريخي عام 1950. كان ممتلئًا بالجماهير وساحرًا بصورة مذهلة، ولذلك أردنا أن نقدم شيئًا أفضل".
وساهم فوز المكسيك بحق استضافة دورة الألعاب الأولمبية عام 1968 ونهائيات كأس العالم عام 1970 في تسريع وتيرة الأشغال، التي لم تنفصل بدورها عن رؤية كانيدو القائمة على الحفاظ على أصالة الفكرة. ويروي المهندس المعماري المكسيكي الشهير بيدرو راميريز فاسكيز كيف تلقى الإشارة الأولى من رئيس الاتحاد المكسيكي لكرة القدم، قائلًا: "كنت محظوظًا لأن كانيدو كان بمنزلة أخ لي. كنت عضوًا في اللجنة الأولمبية الوطنية، وبينما كان لدي شغف كبير بالهندسة المعمارية، كان لدي شغف أكبر بكرة القدم".
وبعد رحلة استكشافية إلى عدد من الملاعب الأوروبية قادها فاسكيز رفقة زميله المهندس رافائيل ميخياريس ألسيريكا، انطلقت الأشغال عام 1961 في منطقة كويواكان بالعاصمة مكسيكو سيتي. وتحت إشراف عشرة مهندسين معماريين، و17 فنيًا، و35 مهندسًا، وبمشاركة نحو 800 عامل يوميًا، اكتمل بناء الملعب عام 1966، ويقع الملعب على ارتفاع يزيد على 2200 متر فوق سطح البحر، وكانت سعته الأصلية تتجاوز 100 ألف متفرج، ليصبح واحد من أبرز رموز الحداثة المعمارية في أميركا اللاتينية.
وافتُتح ملعب أزتيكا رسميًا في 29 أيار/مايو 1966 بمباراة ودية جمعت نادي أميركا المكسيكي بنادي تورينو الإيطالي، وانتهت بالتعادل 2-2 أمام أكثر من 107 آلاف متفرج. وسجل البرازيليان أرليندو دوس سانتوس وخوسيه ألفيس أول هدفين في تاريخ الملعب لصالح نادي أميركا.
مونديال 70.. بيليه ومباراة القرن
“هناك شيء مميز جدًا في أزتيكا، يجب أن تدخله حتى تشعر به وتفهمه، إنه فريد من نوعه”، جاءت كلمات بيليه هذه لتصف أكثر الأماكن شهادةً على تمييزه الكروي، حيث شهدت نسخة 1970 تألق المنتخب البرازيلي الذي يُعتبره كثيرون أعظم فريق في تاريخ اللعبة. وكان النجم الأسطوري بيليه في قمة عطائه خلال مشاركته الرابعة في كأس العالم، ليقود "السيليساو" نحو التتويج الثالث باللقب.
واحتضن ملعب أزتيكا اثنتين من أبرز مباريات البطولة. الأولى كانت نصف النهائي التاريخي بين إيطاليا وألمانيا الغربية، الذي عُرف لاحقًا باسم "مباراة القرن". وانتهى اللقاء بفوز إيطاليا 4-3 بعد التمديد، في مواجهة سجلت رقمًا قياسيًا بعدد الأهداف المسجلة خلال الوقت الإضافي.
أما الحدث الأبرز فكان النهائي الذي جمع البرازيل بإيطاليا، وكان الفريقان قد أحرزا اللقب مرتين سابقًا، ما جعل الفائز يحتفظ بكأس جول ريميه إلى الأبد. وتحت أنظار أكثر من مئة ألف متفرج في أزتيكا، قدمت البرازيل عرضًا أسطوريًا واكتسحت إيطاليا 4-1. ورغم نجاح الإيطاليين في إدراك التعادل بعد هدف بيليه الافتتاحي، فإن الشوط الثاني تحول إلى استعراض برازيلي خالص بقيادة النجم التاريخي.
"الأجواء والضجيج في تلك المباراة النهائية كانا لا يصدقان، لقد شعرت وكأن المكسيك بأكملها برازيلية، إنه شيء لا يوصف"، هكذا جاءت عبارات كارلوس ألبرتو لتصف أجواء الملعب لحظة تسجيله الهدف الرابع لبلاده، وكان هذا الهدف قد خُلد في تاريخ كأس العالم باعتباره أحد أجمل الأهداف على الإطلاق؛ حيث شارك فيه سبعة لاعبين قبل أن ينهيه القائد كارلوس ألبرتو بتسديدة قوية إثر تمريرة ساحرة من بيليه. وبعد صافرة النهاية، حُمل بيليه على أكتاف زملائه في واحدة من أكثر الصور شهرة في تاريخ المونديال.
مونديال 86.. وهدف القرن
إذا كان مونديال 1970 بطولة بيليه، فإن نسخة 1986 كانت بلا منازع بطولة دييغو مارادونا، ولم تكن المكسيك المرشح الأصلي لاستضافة البطولة؛ فقد كان من المقرر أن تقام في كولومبيا قبل أن تعلن الأخيرة انسحابها لأسباب اقتصادية. وفي مارس 1983، اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" المكسيك بديلًا، لتصبح أول دولة تستضيف كأس العالم مرتين.
ولم يكن الطريق سهلًا، إذ واجهت عملية الاختيار انتقادات واسعة، قبل أن تتعرض البلاد لزلزال مدمر عام 1985 أثار الشكوك حول قدرتها على تنظيم البطولة. غير أن الملاعب الرئيسية، وفي مقدمتها أزتيكا، لم تتضرر، لتتواصل الاستعدادات وفق الخطة المرسومة.
وشهد ملعب أزتيكا إحدى أشهر المباريات في تاريخ كرة القدم، عندما التقت الأرجنتين وإنجلترا في ربع نهائي مونديال 1986، دخل مارادونا البطولة وهو في أوج مستواه، وبعد أن قاد الأرجنتين لتجاوز دور المجموعات، اصطدم بالمنتخب الإنجليزي في مواجهة حملت أبعادًا رياضية وسياسية، خاصة بعد حرب جزر فوكلاند التي اندلعت بين البلدين قبل أربع سنوات فقط.
وبعد شوط أول متوتر، خطف مارادونا الأضواء خلال عشر دقائق لا تُنسى، سجل أولًا الهدف الشهير الذي استخدم فيه يده للوصول إلى الكرة قبل الحارس الإنجليزي بيتر شيلتون، في لقطة أثارت جدلًا عالميًا. وبعد خمس دقائق فقط، تمكن مارادونا من تسجيل هدفًا يعتبره كثيرون الأعظم في تاريخ كأس العالم. فقد انطلق من منتصف الملعب مراوغًا خمسة لاعبين إنجليز قبل أن يتجاوز الحارس ويودع الكرة الشباك، في مشهد بات يعرف لاحقًا باسم "هدف القرن".
وبعد أن شهد ملعب أزتيكا تتويج الأسطورة بيليه في مونديال 1970، عاد في 1986 ليكون شاهدًا على التتويج العالمي للأسطورة الأرجنتيني مارادونا، وذلك كأول ملعب في التاريخ يحتضن نهائيين لكأس العالم. وتقدمت الأرجنتين في ذلك النهائي بهدفين، قبل أن يعود الألمان ويعادلوا النتيجة. لكن مارادونا نثر سحره مجددًا بتمريرة حاسمة إلى خورخي بوروتشاغا الذي سجل هدف الانتصار. واختتم مارادونا البطولة بخمسة أهداف وجائزة أفضل لاعب، في نسخة ارتبطت باسمه كما ارتبطت بملعب أزتيكا الذي كان المسرح الرئيسي لواحدة من أعظم القصص في تاريخ كرة القدم.