من مبابي إلى باركولا.. كيف أعاد باريس نفسه ليسيطر على أوروبا؟
2 سبتمبر 2026
قبل ساعات من إغلاق سوق الانتقالات الصيفية، أعلن مانشستر سيتي التعاقد مع لاعب الوسط الأرجنتيني إنزو فرنانديز مقابل نحو 145 مليون يورو، لينضم إلى لاعبي الوسط المغربي أيوب بوعدي، القادم إلى مانشستر مقابل 95 مليون يورو، والإنجليزي إيليوت أندرسون، الذي كلّف خزائن الفريق الأزرق السماوي 135 مليون يورو، ما يعني أن ثلاثي الوسط سيكلّف نحو 375 مليون يورو.
هذه الأرقام الخيالية ربما أصبحت طبيعية في السنوات الأخيرة، ولا سيما في الدوري الإنجليزي الممتاز. فريق توتنهام، الذي احتل المركز السابع عشر الموسم الماضي، ولن يشارك في الموسم المقبل في أي بطولة أوروبية، دعم صفوفه بصفقات ناهزت قيمتها 300 مليون يورو.
في المقابل، هناك فريق وُصف على الدوام بأنه «فريق الأموال»، ولا يعرف سوى سياسة جلب النجوم بأرقام خيالية، يعمل اليوم بصمت وهدوء، ويختار صفقاته بعناية فائقة، ولا يدخل مع بقية الأندية في منافسات محمومة لاستقدام هذا اللاعب أو ذاك، ما يؤدي عادةً إلى رفع سعره بشكل كبير.
غيّر باريس سان جيرمان موقعه في سوق الانتقالات، ولم يعد النادي الذي ينفق المبالغ الضخمة لشراء النجوم، بل أصبح من أكثر الأندية قدرة على تحقيق إيرادات كبيرة من بيع اللاعبين
الحديث هنا عن باريس سان جرمان، بطل أوروبا وبطل السوبر الأوروبي في العامين الأخيرين، بعد أداء مميز وهيمنة كبيرة تحت قيادة المدرب الإسباني لويس إنريكي.
وقد نجح فريق العاصمة الفرنسية في الهيمنة على أوروبا رغم استغنائه عن نجمه الأول كيليان مبابي قبل ثلاث سنوات، ونجح في تعويضه بأفضل طريقة ممكنة، من دون أن يضطر إلى دفع مبالغ طائلة، بل اعتمد على سياسة تطوير اللاعبين الشبان واستهداف صفقات محددة تخدم منظومة الفريق بأسعار مدروسة.
وتكفي الإشارة هنا إلى أن انتقال الجورجي خفيتشا كفاراتسخيليا من نابولي الإيطالي إلى باريس سان جرمان في يناير/كانون الثاني 2025، مقابل 70 مليون يورو، كان أكبر صفقة يعقدها الفريق في السنوات الثلاث الأخيرة، وهي قيمة لا تدخل في قائمة أكبر عشرين صفقة في الدوريات الخمس الكبرى خلال هذه الفترة.
ملك البيع الجديد
سياسة باريس سان جرمان الجديدة لفتت أنظار الصحافة الرياضية، فأشارت صحيفة «ليكيب» الرياضية الفرنسية الشهيرة، في تقرير موسّع عن الموضوع، إلى أن الفريق غيّر موقعه في سوق الانتقالات، ولم يعد النادي الذي ينفق المبالغ الضخمة لشراء النجوم، بل أصبح من أكثر الأندية قدرة على تحقيق إيرادات كبيرة من بيع اللاعبين.
ويشير تقرير «ليكيب» إلى أن مبيعات النادي الفرنسي هذا الصيف تجاوزت 350 مليون يورو، وهو رقم قياسي على مستوى أوروبا، فيما لم يضطر الفريق إلى التخلي عن أي لاعب أساسي من التشكيلة التي خاضت نهائيي دوري أبطال أوروبا الأخيرين.
وهذا هو الجانب الأهم في القصة: باريس سان جرمان نجح في تسويق لاعبيه وبيعهم وتوفير عائدات ضخمة لخزينته، من دون أن يضطر إلى التضحية بنجومه الأساسيين.
فحتى برادلي باركولا، الذي باعه الفريق إلى ليفربول هذا الصيف مقابل أكثر من 140 مليون يورو مع الإضافات، لم يكن لاعبًا أساسيًا في معظم المباريات الكبيرة خلال الموسم الماضي، فيما برز الشاب ديزيريه دوي كأحد أهم عناصر الفريق الهجومية.
وكان باريس سان جرمان قد اشترى باركولا من ليون مقابل 45 مليون يورو، ليبيع اللاعب بعد ثلاثة مواسم بأكثر من ثلاثة أضعاف المبلغ الذي دفعه فيه. وخلال رحلته مع النادي، سجل باركولا 39 هدفًا وصنع 37 هدفًا، ما يعني أن باريس لم يبع لاعبًا لمجرد تحقيق عائد مالي، بل بعد أن استفاد منه رياضيًا أيضًا.
راموس.. بيع لاعب وشراء بديل
الأمر نفسه ينطبق، بصورة مختلفة، على المهاجم البرتغالي غونزالو راموس، الذي لم يتمكن من تثبيت مكان أساسي في تشكيلة إنريكي، قبل أن يرحل إلى ميلان مقابل نحو 75 مليون يورو.
وبدلًا من التمسك براموس لمجرد أن النادي دفع فيه مبلغًا كبيرًا، اختار باريس سان جرمان فتح الباب أمام رحيله والتعاقد مع الإسباني فيران توريس مقابل نحو 50 مليون يورو.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد توفير نحو 25 مليون يورو في الفارق بين الصفقتين، إذ إن باريس حصل أيضًا على لاعب يعرفه لويس إنريكي جيدًا، بعدما أشرف عليه سابقًا مع منتخب إسبانيا. كما أن توريس يملك خبرة اللعب في برشلونة ومانشستر سيتي، ما يجعله لاعبًا أكثر قدرة على فهم الأفكار التي يريد إنريكي تطبيقها.
وبذلك، لا تبدو العملية مجرد «بيع لاعب وشراء آخر»، بل جزءًا من سياسة أوسع: التخلي عن لاعب لم يعد أساسيًا في المشروع، واستبداله بلاعب يعتقد الجهاز الفني أنه قادر على تقديم الإضافة المطلوبة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازن مالي أفضل في سوق الانتقالات.
الأكاديمية.. استثمار طويل الأمد
ومن الأمثلة الواضحة على تطور أكاديمية باريس سان جرمان في السنوات الأخيرة، وقدرتها على صقل المواهب وتطويرها ثم تحويلها إلى أصول ذات قيمة كبيرة، الموهبة الشابة إبراهيم مباي.
وصل مباي إلى أكاديمية باريس سان جرمان في سن العاشرة، ونجح في الوصول إلى الفريق الأول والمشاركة في بعض المباريات والتتويج بالألقاب، قبل أن يبيعه النادي إلى أستون فيلا مقابل نحو 55 مليون يورو.
هنا تظهر واحدة من أهم نقاط التحول في نموذج باريس سان جرمان. فالنادي لم يدفع عشرات الملايين لشراء مباي من نادٍ آخر، بل استثمر في تكوينه داخل أكاديميته، ومنحه الفرصة للوصول إلى الفريق الأول، ثم حوّل هذا الاستثمار إلى صفقة تدر عشرات الملايين على خزينة النادي.
وهكذا، يبدو باريس سان جرمان اليوم مختلفًا تمامًا عن الصورة التي التصقت به لسنوات. فهو لم يعد النادي الذي ينفق لمجرد امتلاك أكبر عدد ممكن من النجوم. أصبح الإنفاق أكثر انتقائية، فيما تحوّل تطوير اللاعبين ورفع قيمتهم في السوق ثم بيعهم في الوقت المناسب إلى جزء أساسي من مشروع النادي.
ثلاثية الخليفي - كامبوس - إنريكي تصنع المشهد
خلف هذا التطور الكبير في عمل ونتائج باريس سان جرمان، هناك تناغم وتكامل كبير بين ثلاثة رجال يمسكون بمفاصل النادي، هم رئيس النادي القطري ناصر الخليفي، والمستشار الرياضي البرتغالي لويس كامبوس، ومدرب الفريق الإسباني لويس إنريكي.
فرئيس النادي يضع ثقته الكاملة في كامبوس وإنريكي، وهو كان قد فوّضهما قبل عامين، بحسب «ليكيب» دائمًا، بجزء كبير من الإدارة اليومية، وأعطاهما صلاحيات واسعة للقيام بأي شيء من شأنه أن يعود بمنفعة على الفريق.
أما كامبوس، فقد لعب دورًا محوريًا في تغيير سياسة النادي في التعاقدات، وأدخل الجانب الاستثماري القائم على استهداف المواهب الصغيرة وصقلها وتطويرها، ثم بيعها بمبالغ خيالية.
فيما تكفّل إنريكي بالجانب الفني والتكتيكي والسيطرة على غرفة الملابس، وتحديد حاجة الفريق بدقة وعناية، فباريس يبحث اليوم عن اللاعب الذي يناسب أسلوب لعب النادي، وليس عن الأسماء الكبيرة لغايات دعائية وتسويقية.