من لاعب كرة إلى أصغر من زار المقصلة.. عن "المقنين" بوعلام رحال
2 مايو 2026
جلس محمد الباجي، المغنّي الشعبي الجزائري المشهور، يومًا في زنزانته بعد أن أُلقي القبض عليه أثناء أحداث إضراب الثمانية أيام. وبينما هو جالس هناك، دخل شابٌ صغير لم يتمّ عامه التاسع عشر إلى الزنزانة، ووجهه لا يخلو من آثار التعذيب الذي تعرّض له على يد القوة الفرنسية التي اعتقلته. كان ذلك الشاب، الذي كان من المفترض أن يصبح إحدى أكبر مواهب الجزائر في كرة القدم، ينتظر الآن حكم الإعدام.
"يا المقنين الزين، يا أصفر الجنحين، يا أحمر الخدين، يا كحيل العينين، هذي مدة وسنين، وأنت فالقفص حزين، تغني بصوت حنين، لا من يعرف غناك منين."
كان من الممكن أن يكون بوعلام رحال أيقونةً للكرة الجزائرية، لكنه أصبح أيقونةً للشعب بأكمله
بهذه الكلمات غنّى محمد الباجي عن ذلك الشاب، بوعلام رحال، في أغنيته "المقنين الزين" التي أصبحت جزءًا من الثقافة الشعبية الجزائرية، إذ خلّدت ذكراه كأحد شهداء الاحتلال الفرنسي. غير أنّه في عالمٍ آخر، كان من الممكن أن يكون بوعلام أيقونةً للكرة الجزائرية، بدلًا من أن يصبح أيقونةً للشعب بأكمله.
حلم الكرة الذي تحول إلى كابوس
لم يكن بوعلام رحال سياسيًا قط في شبابه، بل كان كل ما يسعى إليه هو أن يصبح لاعب كرة قدم. ولم تتجاوز رحلته الوحيدة الموثقة في عالم كرة القدم مشاركته مع فريق الناشئين لنادي مولودية الجزائر. ولا يُعرف على وجه الدقة إن كان لقب «المقنين» قد أُطلق عليه قبل حادثة ملعب الأبيار، التي تُعد نقطة التحول المفصلية في قصته، غير أن هذا اللقب يتماشى إلى حد كبير مع لاعب كرة قدم يتمتع بمثل هذه الصفات.
فـ"المقنين"، وهو طائر الحسون، يمكن استخدامه لوصف لاعب مهاري وسريع، خفيف الحركة على أرضية الملعب، ويتحرك بسرعة فائقة حول المستطيل الأخضر. ويؤكد ذلك ما قاله الوزير الجزائري السابق عبد الرؤوف برناوي: «كان لاعبًا مميزًا في صفوف فريق مولودية العاصمة لكرة القدم»، مضيفًا أن هذا اللقب التصق برحال خلال ممارسته لكرة القدم، نتيجة سرعته ونحافة جسده.
مسيرة توقفت للنضال الشعبي
قبل حادث تفجيرات الملعب البلدي بالأبيار، التي اتُّهم بوعلام بلعب دور كبير فيها، توقفت كرة القدم في نادي مولودية الجزائر بأكمله. فقد علّق النادي نشاطه في آ ذار/مارس 1956، وذلك في أعقاب أحداث مجازر سطيف وقالمة وخراطة عام 1945، التي أدّت تداعياتها إلى دفع اللاعبين الجزائريين لمغادرة الأندية الفرنسية والالتحاق بالفرق الجزائرية، التي كان يعتنق لاعبوها الإسلام فقط.
كما أُلغيت قاعدة وجود لاعبين أوروبيين في الفرق الجزائرية من طرف الأندية المحلية، بعدما لعب بعضهم دور الجواسيس داخل صفوف هذه الأندية، وذلك بالتزامن مع تصاعد النزعة الوطنية لدى اللاعبين الجزائريين، الذين رفضوا بدورهم مشاركة غرف تغيير الملابس مع مواطني دولة الاحتلال.
وتفاقمت الأوضاع يوم 11 آذار/مارس 1956، خلال مباراة مولودية الجزائر أمام فريق جمعية سانت أوجان الفرنسي، التي انتهت بالتعادل، ما دفع الجماهير الفرنسية، ومعها قوات الأمن، إلى الاعتداء على الجماهير الجزائرية. وأُوقف على إثر ذلك عدد من المشجعين، بل وتعرّض بعضهم للتعذيب داخل السجون، ما أدى إلى وفاتهم. وبعد يومين فقط، قرر النادي الانسحاب من المنافسة، لتتوقف كرة القدم بعدها في الجزائر.
ولم يُكتب لعلّام بورحال أن يصعد من فئة الناشئين لتمثيل الفريق الأول، إذ توقفت مسيرته الرياضية في اليوم نفسه الذي علّق فيه نادي مولودية الجزائر نشاطه الرياضي. وقد تكون هذه الأحداث هي ما دفعته إلى المشاركة في النضال الشعبي ضد العدوان الفرنسي، شأنه في ذلك شأن 77 رياضيًا وإداريًا من أبناء المولودية، الذين قدّموا أنفسهم للوطن عقب تلك الأحداث.
المقنين يُهاجم من المدرجات
تمادت فرنسا في عدوانها على الجزائر في العام الثالث من الثورة، إذ استخدمت قواتها الخاصة، وسلاح المظلات، وقوات حفظ الأمن، والمرتزقة لردع الثوار، الذين ردّت عليهم جبهة التحرير الوطني بأسلوب حرب العصابات، ما استنزف فرنسا عسكريًا. ومن ضمن تحركاتها تفجير الملعب البلدي بالأبيار في العاشر من شباط/فبراير عام 1957.
وأثناء المباراة التي جمعت بين ناديي راسينغ يونيفرسيتي وسبورتينغ اتحاد الأبيار، وصلت شابتان إلى ملعب الأبيار، وحملت كل واحدة منهما عبوة ناسفة أسفل ملابسها. ويصعب على قوات الأمن تفتيش السيدات، خصوصًا وأنه كان معروفًا أن النضال الوطني في تلك الفترة يقتصر على الرجال والشباب فقط، ما جعل دخولهن بالعبوات إلى الملعب أسهل من دخول شابين بها. وفي الوقت نفسه، وصل بوعلام رحال ومعه فرحات حسين لاستلام العبوتين وزرعهما في المدرجات.
وفُجرت المدرجات، ما أودى بحياة 13 شخصًا وأخلف 50 جريحًا، جميعهم من المستعمرين الذين كانوا في مدرجات نادي راسينغ. هرعت قوات الاحتلال الفرنسي إلى الملعب وبدأت التحقيق في ملابسات الحادث. وحسب أرشيف صحيفة لوموند لعدد صدر في 22 فبراير عام 1957، لم تعثر القوات الفرنسية إلا على سترة تحمل ملصقًا خاصًا بمصبغة في القصبة.

وتحركت القوات الفرنسية نحو تلك المصبغة، حيث تعرف مالكها على صاحب السترة، وهو المناضل بوعلام رحال. وتوجهت القوات بعد ذلك إلى بيت "المقنين"، الذي كان دون سن الرشد حينها، وأخذته من منزله إلى قسم الشرطة للتحقيق معه.
رحلة قاسية في المعتقل وظلم بين في المحاكمة
رُحّل بوعلام إلى سجن سركاجي في الجزائر العاصمة، وتعرض فيه للتعذيب على يد الجنود الفرنسيين، الذين أرادوا الحصول على أسماء المجموعة التي عمل معها المقنين في تنفيذ عملية تفجير الأبيار. شهد على تعذيبه المطرب محمد الباجي، الذي سُجن أثناء إضراب الثمانية ونُقل أيضًا إلى سجن سركاجي، وكان ينتظر حكم الإعدام.
توضح الصور النادرة من محاكمة بوعلام التعذيب الذي تعرّض له، والذي أحزن زميله في الزنزانة، الذي كتب له أغنية «المقنين الزين»، مخلّدًا ذكرى حسون مولودية الجزائر بالكلمات التي لا تزال تُتداول حتى الآن في التراث الشعبي الجزائري.
اعترف المقنين تحت ضغط هذا التعذيب المهيب، الذي شمل الاعتداء الجسدي بشكل عنيف، وأبرزته الصحافة في صور محاكمته، التي أظهرت كدمات متفرقة على فمه ووجهه. أقر بوعلام بمشاركة محمد بلمين وباية حسين في عملية التفجير، وبقيادة فرحات حسين.

اعتُقل الأشخاص الذين كشف عن أسمائهم وصدر بحقهم حكم الإعدام، ومعهم بورحال، الذي كان يبلغ 19 عامًا فقط، أي دون السن القانوني لمحاكمته حسب القانون الفرنسي. لكن دولة الاحتلال لم تهتم بهذا، بل أصرت على تنفيذ حكم الإعدام بحقه، من خلال تزوير أوراقه الرسمية ليصبح عمره على الورق 20 عامًا.
أُعدم المقنين على المقصلة يوم 20 حزيران/يونيو 1957، عقوبةً للتهم الموجهة إليه، والتي تضمنت الإرهاب والقتل العمد. وقد خُلّدت ذكراه في التراث الجزائري بكلمات الباجي، وحُفر اسمه بين 200 شهيد من شهداء المقصلة، جميعهم من أعضاء جبهة التحرير الوطني.
حكاية التجنيس بلا أدلة
ذكر بعض جماهير كرة القدم والصحفيون أيضًا أن المقنين، بوعلام، كان من بين المواهب التي حاولت فرنسا تجنيسها لصالحها. ويُقال إن بوعلام كان لاعبًا واعدًا في صفوف المولودية، وأن فرنسا عرضت عليه التجنيس، لكنه رفض ذلك، ما أدى إلى تلفيق تهمة مشاركته في حادثة التفجير. ويُستدل على ذلك بقصاصة ورقية كُتب عليها اسم بوعلام رحال، والتي يُزعم أنها وُضعت عمداً لتوجيه هذه التهم إليه.
ومع ذلك، لا يوجد أي دليل يثبت هذا في أي أرشيف، فرنسيًا كان أو جزائريًا. ويُعزى هذا إلى أن القصة في الغالب موروث جزائري خاطئ تطوّر على مدار السنين، وما ينفي صحتها هي اعترافات المشاركين الفعليين في عملية التفجير، الذين ذُكر اسم بوعلام رحال فيها أكثر من مرة.
لن تُنسى قصة بوعلام، الذي لم يرغب أن يُتذكّر من قبل أهله وأقاربه كلاعب كرة القدم، بعدما حالت الحرب دون تحقيق حلمه. قرر أن يقف مع رفاقه في الجبهة أمام العدوان الفرنسي، لتتذكره الجزائر كلها. وخُلّدت ذكراه بصدفة مشاركته في الزنزانة مع الباجي، الذي لم يتوقف عن غناء «المقنين الزين»، ليذكّر الجزائر بأكملها بهذا الشاب، الذي قدّر له أن يكون بطلًا في بلاده، ومن مدرجات الملاعب كمناضل. ولا يتوقف نادي مولودية الجزائر عن الاحتفال بذكرى استشهاده، الذي كان من الممكن أن يتحوّل إلى أسطورته في الملاعب يومًا ما.