من قصرة إلى جنين.. عنف المستوطنين يتقدم على الأرض في الضفة الغربية
13 أغسطس 2026
شهدت الضفة الغربية المحتلة، خلال يومي 12 و13 آب/أغسطس، سلسلة جديدة من اعتداءات المستوطنين والإجراءات العسكرية الإسرائيلية، في مشهد تتداخل فيه الهجمات على الفلسطينيين مع محاولات الاستيلاء على أراضيهم ومنازلهم، بينما تمضي الحكومة الإسرائيلية في توسيع الاستيطان وإعادة مستوطنات أُخليت قبل أكثر من عقدين.
وكانت بلدة قصرة، جنوب نابلس، مركز التطورات الأبرز. فقد أقام مستوطنون بؤرة مباشرة أمام منازل فلسطينية في منطقة رأس العين، وحاصروا عائلات داخل بيوتها لأيام، بعدما أقاموا خيامًا بين المنازل وقطعوا المياه والكهرباء وقيّدوا وصول المساعدات الطبية إليهم. وقال يوسف حسن، أحد السكان، إن المستوطنين كانوا يرشقون المنزل بالحجارة ويوجهون الشتائم ليلًا، بينما مُنعت سيارة إسعاف من الوصول إلى ابنته البالغة عامين عندما أصيبت بحمى وقيء.
وحين حاول الجيش الإسرائيلي، الأربعاء 12 آب/أغسطس، إزالة البؤرة، اندلعت مواجهات نادرة بين الجنود والمستوطنين. واستخدم الجنود الغاز المسيل للدموع، لكنهم انسحبوا بعد إزالة جزء من إحدى الخيام، قبل أن يحاول المستوطنون اقتحام بوابة أحد المنازل الفلسطينية. ووصفت قيادة الجيش نفسها إقامة البؤرة بأنها نشاط "غير قانوني ومرفوض"، لكنها لم تنجح في إنهاء الحصار في المحاولة الأولى.
حولت قضية قصرة سريعًا إلى إحراج دولي لإسرائيل. فقد وصف السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، المعروف أصلًا بمواقفه الداعمة للحركة الاستيطانية، المستوطنين الذين حاصروا المنازل بأنهم "إرهابيون إسرائيليون"
وفي اليوم التالي، دفع الجيش بقوات إضافية إلى قصرة والبلدات المحيطة بها، وأعلن المنطقة عسكرية مغلقة خلال تفكيك البؤرة. لكن الإغلاق شمل أيضًا حركة الفلسطينيين، فيما بقي المستوطنون في المنطقة لفترة من الوقت، وهو ما يبرز المفارقة الأساسية في كيفية تطبيق إجراءات "الأمن": السكان الذين تعرضوا للحصار أصبحوا بدورهم مقيدين داخل منطقة عسكرية أُعلنت لمعالجة الاعتداء عليهم.
وتحولت قضية قصرة سريعًا إلى إحراج دولي لإسرائيل. فقد وصف السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، المعروف أصلًا بمواقفه الداعمة للحركة الاستيطانية، المستوطنين الذين حاصروا المنازل بأنهم "إرهابيون إسرائيليون". وقال إن القوات الإسرائيلية تحركت لإبعادهم بناءً على طلب أميركي، في موقف يعكس مستوى غير معتاد من الانتقاد العلني من مسؤول أميركي قريب سياسيًا من اليمين الإسرائيلي.
لكن ما يحدث في قصرة يصعب فصله عن مسار أوسع في الضفة الغربية. ففي شرق جنين، بدأت إسرائيل في 13 آب/أغسطس إعادة توطين مستوطنة "غنيم"، التي أُخليت عام 2005 ضمن خطة "فك الارتباط"، مع انتقال عشرات العائلات الاستيطانية إليها. وتأتي الخطوة ضمن مشروع حكومي لإعادة الاستيطان في شمال الضفة وتوسيع المستوطنات والبؤر وربطها بشبكة طرق جديدة.
وكان وزير المالية والوزير في وزارة الأمن بتسلئيل سموتريتش قد أعلن أن إسرائيل تعمل على إقامة 11 مستوطنة جديدة خلال الصيف، وربط ذلك صراحة بهدف منع قيام دولة فلسطينية. وفي الوقت نفسه، بدأت السلطات بهدم مبانٍ فلسطينية في المناطق المحيطة بالمستوطنات المعاد إنشاؤها، في عملية تعني أن توسيع الاستيطان لا يتم على أرض فارغة، بل عبر تغيير استخدام الأرض الفلسطينية وإعادة توزيع السيطرة عليها.
وتزامن ذلك مع اعتداءات أخرى في أنحاء الضفة. ففي كفر لاقف شرق قلقيلية، أصيب فلسطيني في رأسه بعد رشق مستوطنين مركبته بالحجارة. وفي المنيا شرقي بيت لحم، هاجم مستوطنون منزلًا ومزرعة وسرقوا أكثر من مئة رأس من الأغنام، بينما شهد تجمع أبو فزاع البدوي شرق رام الله اعتداءً آخر تصدى له السكان. كما واصل الجيش الإسرائيلي عمليات الاقتحام والاعتقال وهدم المنشآت وتحويل منازل فلسطينية إلى مواقع عسكرية.
ولا يمكن التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها حوادث أمنية متفرقة. فقد وثقت منظمات إسرائيلية ودولية خلال السنوات الماضية ارتفاعًا كبيرًا في اعتداءات المستوطنين، بالتوازي مع مستوى شديد الانخفاض من المحاسبة.
وأشارت صحيفة "لوموند" الفرنسية، في تحقيق نشر في نيسان/أبريل إلى أن المحاكم الإسرائيلية لم تصدر منذ عام 2020 أحكامًا بالسجن بحق مستوطنين ثبتت مسؤوليتهم عن قتل مدنيين فلسطينيين، رغم تزايد عدد الاعتداءات وخطورتها. وفي واحدة من الحالات النادرة، وجه الادعاء الإسرائيلي هذا الشهر اتهامًا لمستوطن بقتل الناشط الفلسطيني عودة الهذالين، في أول قضية من هذا النوع منذ سنوات.
وتقول منظمة "بتسيلم" إن ما يجري في قصرة ليس حالة منفصلة، بل جزء من توسع هجمات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية بهدف الاستيلاء على الأرض ودفع السكان إلى الرحيل. ووفق المنظمة، أُجبرت عشرات التجمعات الفلسطينية على النزوح خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بينما فقدت تجمعات أخرى أجزاء من سكانها نتيجة الضغط والعنف المستمرين.
ويتحمل الاحتلال الإسرائيلي، بموجب القانون الدولي، مسؤولية حماية السكان المدنيين في الأراضي التي يحتلها وضمان احتياجاتهم الأساسية. لكن ما تكشفه أحداث قصرة هو خلل أعمق من غياب الحماية وحده، ففي بعض الحالات يقف الجيش إلى جانب المستوطنين، وفي حالات أخرى يتدخل ضدهم بعد ضغط سياسي أو دولي، بينما تعمل الحكومة نفسها بالتوازي على توسيع المشروع الاستيطاني الذي يمنح هذه الجماعات مزيدًا من الأرض والنفوذ.
لهذا تبدو المواجهة النادرة بين الجيش والمستوطنين في قصرة أقل دلالة من السياق الذي وقعت فيه. فحتى حين أزيلت البؤرة، كانت إسرائيل في اليوم التالي تعيد إنشاء مستوطنة أُخليت منذ 21 عامًا في منطقة أخرى من الضفة.









