24-مارس-2016

من فعالية تضامنية مع جوليو ريجيني في مصر (Getty)

أعلنت مصادر أمنية، الخميس، مقتل "عصابة خطف الأجانب" المكوَّنة من 5 أشخاص في التجمع الأول بالقاهرة، على يد فرقة من القوات الخاصة، وأضافت: "يشتبه في تورط القتلى في خطف وقتل الشاب الايطالي جوليو ريجيني"، قبل أن تعلن لاحقًا أنها عثرت على جواز سفر وحقيبة ريجيني في بيت شقيقة أحد الأشخاص الخمسة، وبهذا يكون ذلك أول رواية رسمية عن مقتل ريجيني تصدر من السلطات المصرية، دون أن تكون موضوعة تحت لافتة "الشبهات" أو "التوقعات".

تأتي رواية "عصابة الأجانب" خاتمة لسبع روايات حول أسباب مقتل الإيطالي "ريجيني"، وبعضها متناقضة في محاولة لنفي تورط الأمن المصري في الجريمة

رواية السلطة المصرية، استفزت بعض أوساط المعلقين الذي رأوا "السيناريو" الذي وضعته السلطة، مهلهلًا جدًا، فلماذا تحتفظ العصابة بمتعلقات شخص قتلته وتعلم أن العالم كله يبحث عن المتسببين في ذلك؟ وكيف أدت "الصدفة البحتة" لتواجد كل أفراد العصابة في الميكروباص، لحظة قتلهم، وبالتالي لا يكون هناك أي استجواب لأي متهم؟ وكيف من الأساس تمكنت عصابة من التنكر في زي الشرطة، وخطفت شخص أجنبي، من وسط القاهرة، وفي منتصف النهار، وفي الذكرى الخامسة لثورة يناير، التي شهدت كثافة أمنية ملحوظة، دون أن يتم القبض عليها، بل وظلت تعذب جوليو لأيام عديدة، دون أن تطلب فدية، ثم تقتله أخيرا وتلقيه في الطريق، لكنها لا تتخلص من متعلقاته الشخصية، رغم علمها بأن هناك بحث دولي عن المتسببين في مقتله؟

ولماذا تأخرت "الداخلية" لأكثر من شهر في حسم تحريات القضية؟

الإجابة لدى الصحفي المصري محمد الهواري، رئيس أكاديمية أخبار اليوم، في لقاء على فضائية "صدى البلد" السبت 12 مارس الماضي. قال: "الداخلية تأخرت في الإعلان عن تفاصيل مقتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، لأنهم مش لاقيين كبش فدا".

تعليق "الهواري" على البطء الشديد في التوصّل لحقيقة مقتل الطالب الإيطالي يلخص المشهد الحالي الغائم حول القضية الضائعة بين مصادر أمنية - ترفض ذكر اسمها – تسرّب روايات حول أسباب القتل، والمتورطين به.

بينما لا تستقر بيانات "الداخلية" على رواية تقدّمها للرأي العام حتى الآن، ما أدى إلى فشل رسمي في تقديم نتائج مقنعة في وجود فريق تحقيق إيطالي بالقاهرة، على رأسه المدعي العام الإيطالي، الذي حصل على ملف القضية السري.. خاوٍ من المعلومات الموثّقة.

اقرأ/ي أيضًا: السيسي والمثقفون..الرئيس يبحث عن رجاله

على العموم، تأتي رواية "عصابة الأجانب" خاتمة لسبع روايات حول حول دم "ريجيني"، وبعضها متناقضة في محاولة لنفي تورّط الأمن المصري في الجريمة، وهي:

حادث سير

أول رد فعل رسميّ على مقتل "ريجيني" كان لدى اللواء علاء عزمي، نائب مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة، حيث كشف عن ملابسات العثور على جثة طالب إيطالي بطريق "مصر – إسكندرية الصحراوي" وفق التحريات الأولية، قائلًا: "الواقعة مجرد حادث سير وليس جنائيًا".

بعد ظهور تقرير الطب الشرعي، بدأت روايات أخرى تذاع من جانب مقرَّبين من الأمن المصري لتتناسب مع حادث جنائي، كان منها تصريحات صحفية لمصادر من جهات التحقيق – قبل انضمام الجانب الإيطالي إليها – أن الحادث بغرض السرقة.

تعذيب بآلة حادة

في اليوم التالي للعثور على جثة "ريجيني"، نقلت صحيفة "الجارديان" تقريرًا منسوبًا لـ"الطب الشرعي" المصري، يوضح تورط أشخاص متخصصين في تعذيبه، وقطع أذنيه، والإصرار على إلحق ضرر به بآلات حادة، بينما خرجت "نيويورك تايمز" الأمريكية تقول إنه لا دليل على أن الطالب الذي وجد مقتولًا قد احتجز من جانب السلطات المصرية. وأضافت: "ليس من المعتاد أن يتم تعذيب مواطن غربي في مصر، إلا إن علامات التعذيب الموجوده على جثته تشبه طرق تعذيب المعارضين" في اتهام دولي صريح لـ"الداخلية المصرية".

رواية شاهد الزور

سرَّبت أجهزة الأمن المصرية فيديو وصور تفيد بمشادة كلامية بين "ريجيني" وأحد أصدقائه في محيط القنصلية الإيطالية بوسط البلد في 24 يناير الماضي، اليوم السابق لاختطافه، نشرتها مجموعة من الصحف والقضائيات المصرية، في محاولة لتصوير مقتل "ريجي" كـ"ثأر شخصي". تورّط شخص ثبت فيما بعد إنه "شاهد زور" يدعى محمد فوزي، وصف بالشاهد الرئيسي في القضية، في الذهاب إلى جهات التحقيق، والكشف عن تفاصيل المشاجرة بين رفيقه و"ريجيني" خلف السفارة، وتعرَّف عليه، وقال: "قابلا بعضهما، وارتفع صوته أمام شاب آخر مفتول العضلات خلف القنصلية وكانا يتشاجران.. وريجيني يرتدي نفس الزي الذي تصور به قبل وفاته".

ولكن اضطرت "الداخلية" لتكذيب تلك الواقعة على لسان اللواء أبو بكر عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية، والذي قال إن الفيديو "غير صحيح" بعد تدخّل جهات التحقيق الإيطالية.

اقرأ/ي أيضًا: حماس في القاهرة..ملابسات وكواليس

سيناريو الشذوذ الجنسي

دفاعًا عن شرف الداخلية، لجأت صحيفة "اليوم السابع" المصرية إلى الطعن في الميول الجنسية لـ"ريجيني" فاتهمته بالشذوذ الجنسي، وممارسة الجنس مع أشخاص في مقر إقامته بمنطقة الدقي قاموا بتتبعه وقتله لـ"خلاف في وجهات النظر" خلال توجهه للقاء صديقة في وسط القاهرة.

وقالت "الداخلية" في بيان لها يدعم رواية "اليوم السابع" إن أجهزة الأمن شكلت فريقًا لفحص الواقعة، وكشف ملابساتها، من خلال خطة متكاملة ارتكزت محاورها على التحري عن المذكور وعلاقاته، وأسفرت عن إثبات "تشعب دوائر اتصالات الإيطالي المذكور وتعدد علاقاته على الرغم من محدودية الفترة الزمنية التي أقام بها بالبلاد، والتي لا تتعدى 6 أشهر"، في إشارة منها لإمكانية وجود رابط بين علاقاته والجريمة.

"داعش" تضرب العلاقات

فيما كانت لدى أسبوعية "فيتو" رواية ثانية مبالغة في الخيال، تنسب مقتل "ريجيني" لتنظيم "داعش" بهدف ضرب العلاقات المصرية الإيطالية.. لكن هذه الرواية لم تنل رواجًا في الشارع ولا على لسان المصادر الأمنية، خاصة إن الصحيفة التي قدمتها "محدودة التوزيع".

"جحيم" ناشطة يسارية

الرواية السابعة ظهرت قبل أيام في مقال للكاتب الصحفي عماد الدين حسين، رئيس تحرير "الشروق"، وفق مسؤول مهم بالدولة، قال: "هناك تسريبات من داخل اجهزة التحقيق تقول إن ما قتل ريجينى ليس اشتغاله بالسياسة بل علاقاته النسائية المتشعبة، وإن أجهزة الأمن الإيطالية بدأت تتفهم ذلك". 

"العلاقات النسائية المتشعّبة" تتماس مع معلومات مبعثرة – من جهة أمنية - حول القضية تقول إنه دخل في علاقة جنسية مع ناشطة يسارية التقى بها بين لقاءاته مع نشطاء عماليين، وبدأت علاقتهما، التي علم بها أهلها فقتلوه. 

كانت هذه الرواية اتجاهًا لتحويل مقتل ريجيني إلى "قضية شرف"، وتم استبعادها بعد فشل الأدلة.

اقرأ/ي أيضًا: 

انتقام بروكسل..القهر والقهر المضاد

محافظة لحج..بوصلة محتملة للقاعدة في اليمن