من فقه اللغة إلى الفانتازيا.. تولكين الذي اخترع عالمًا كي نرى عالمنا من جديد
16 سبتمبر 2026
توفي الروائي والأكاديمي البريطاني، جون رونالد روئيل تولكين، في الثاني من أيلول/سبتمبر 1973 عن 81 عامًا، تاركًا وراءه عملًا أدبيًا وعلميًا أعاد تشكيل الخيال الأدبي في القرن العشرين.
قبل أن يصبح صاحب "الهوبيت" و"سيد الخواتم"، كان تولكين أستاذًا متخصصًا في فقه اللغة التاريخي في جامعتَي ليدز وأكسفورد، يدرّس الإنجليزية القديمة والوسطى والنوردية القديمة والقوطية. ولم يكن هذا الوجه الأكاديمي منفصلًا عن الروائي؛ فعالم "الأرض الوسطى" لم يبدأ بخريطة ولا بحبكة، بل بلغات اخترعها تولكين لها أصوات وقواعد وتاريخ، ثم احتاجت إلى شعوب تتحدثها، واحتاجت الشعوب إلى أساطير وحروب وذاكرة جماعية. وقد وصف تولكين مشروعه بأنه كان "لغويًا في إلهامه أساسًا".
أثر أكاديمي موازٍ
لم يقتصر إسهامه على الأدب. ففي محاضرته الشهيرة عام 1936 بعنوان "بيوولف: الوحوش والنقاد"، دافع عن القصيدة الإنجليزية القديمة باعتبارها عملًا أدبيًا متكاملًا لا مجرد وثيقة تاريخية.
ويرى الباحث توم شيبي، أحد أبرز دارسي تولكين، أن هذه المحاضرة غيّرت مسار دراسات "بيوولف" وأصبحت من أكثر الدراسات استشهادًا في العلوم الإنسانية.
الخيال بوصفه استعادة لا هروبًا
رفض تولكين طويلًا النظر إلى الفانتازيا باعتبارها هروبًا من الواقع. وفي مقالته "عن الحكايات الخرافية" الصادرة عام 1947، طرح مفهوم "العالم الثانوي"، وهو عالم متخيل متماسك يجعل القارئ يصدّقه مؤقتًا، ليعود بعدها إلى العالم الحقيقي بقدرة أكبر على رؤيته.
لم تكن الفانتازيا عند تولكين بابًا للهروب من العالم، بل طريقًا للعودة إليه، من اجل استكشاف معانيه المتجددة
وفي نص مصاحب لروايته القصيرة "حداد ووتون ميجر" عام 1967، وصف ما أسماه "الحلقة الحديدية للمألوف"، حيث تفقد الأشياء المعتادة جِدّتها في عين من يراها. وكان يرى أن الخيال وسيلة لكسر هذه الحلقة واستعادة القدرة على الدهشة.
الأسطورة والحياة الشخصية
في عام 1917، رأى تولكين زوجته إديث ترقص في غابة في يوركشاير، فتحولت تلك اللحظة إلى نواة قصة بيرين ولوثيين في "السيلماريليون"، وهي قصة إنسان فانٍ يقع في حب امرأة خالدة.
بعد وفاة إديث عام 1971، طلب تولكين أن يُنقش اسم "Lúthien" على قبرها، وأضيف اسم "Beren" إلى قبره هو بعد وفاته.
الأثر الباقي
صدر "الهوبيت" عام 1937، وأتمّ تولكين "سيد الخواتم" عام 1954 بعد سنوات من العمل المتقطع والمراجعة المستمرة. وقد أمضى ابنه كريستوفر عقودًا في تحرير ونشر مخطوطاته غير المنشورة، من بينها "السيلماريليون" عام 1977 والسلسلة الموسعة "تاريخ الأرض الوسطى".
يصعب اليوم كتابة تاريخ للخيال الأدبي الحديث من دون تولكين، فقد أصبح النموذج المرجعي لأجيال من كتّاب الفانتازيا، وأثّر في السينما والألعاب والثقافة الشعبية على نطاق واسع.
وتشير مؤسسة تولكين إلى أن الكتب المكتوبة عنه باتت تفوق في حجمها ما كتبه هو. لكن إرثه لا يُقاس فقط بعدد الكتّاب الذين تأثروا به أو العوالم التي بُنيت على طريقته. ففي قلب مشروعه كانت هناك فكرة أبسط وأكثر إنسانية، وهي أننا نفقد الأشياء حين نعتاد عليها، لهذا يرى أن الخيال قادر على انتزاع العالم من أسر المألوف، بحيث نرى الشجرة والسماء والآخرين، بل الحياة نفسها، كما لو أننا نراها للمرة الأولى.
ولهذا لم تكن الفانتازيا عند تولكين بابًا للهروب من العالم، بل طريقًا للعودة إليه، من اجل استكشاف معانيه المتجددة.
وربما تكمن قوة منجز أدب تولكين في أنه لم يخترع عوالم أخرى حتى ننسى عالمنا، إنما لنعود منها إليه ونحن أكثر قدرة على رؤيته، وربما أكثر قدرة على حبه.