من غزة إلى طهران: كيف تتصادم استراتيجيتا ترامب ونتنياهو في الشرق الأوسط
19 يناير 2026
تكشف الملفات الإقليمية الممتدة من غزة وسوريا إلى لبنان وإيران عن تباينات متزايدة بين الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية، رغم ما يبدو أحيانًا من تقاطع في الأهداف. ففي حين يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إدارة الأزمات بمنطق التوازن والاحتواء، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الدفع نحو سياسات أكثر تصعيدًا، تقوم على فرض الوقائع بالقوة العسكرية، ما يفتح باب الخلافات داخل التحالف التقليدي بين الجانبين.
غزة… حرب لم تكن إسرائيل تنوي إيقافها
في ملف غزة، لم تكن إسرائيل تنوي التوقف عن حرب الإبادة الجماعية على القطاع، إذ حظيت بدعم أميركي مباشر تمثّل في تزويدها بالسلاح وتوفير غطاء سياسي كامل، إلى جانب استخدام واشنطن حق النقض في مجلس الأمن أكثر من مرة لمنع صدور أي قرار يوقف الحرب. ولم تكن تل أبيب مستعدة لإنهاء العمليات العسكرية قبل أن تسلّم حركة حماس سلاحها وتعلن استسلامها الكامل، فيما ذهب اليمين المتطرف الإسرائيلي إلى مواقف أكثر تشددًا، شملت الدعوة الصريحة إلى تهجير كامل سكان قطاع غزة.
غير أن إعلان وقف الحرب خلال قمة شرم الشيخ شكّل نقطة تحوّل، كاشفًا حجم الانقسام داخل الحكومة الإسرائيلية حيال الرؤية الأميركية. فقد رفض عدد من الوزراء هذا الإعلان، لينتقل الخلاف إلى مجلس السلام الذي يرأسه ترامب، والذي اعتبره نتنياهو متعارضًا مع السياسات الإسرائيلية المعتمدة. وقد وجد نتنياهو دعمًا داخليًا من وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، اللذين أيدا موقفه الرافض.
في حين يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إدارة الأزمات بمنطق التوازن والاحتواء، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الدفع نحو سياسات أكثر تصعيدًا
في المقابل، جاء الرد الأميركي أكثر وضوحًا هذه المرة، إذ شددت واشنطن على ضرورة أن تترك إسرائيل إدارة قطاع غزة للولايات المتحدة. ويعكس هذا الموقف سعي ترامب إلى الحفاظ على توازن في علاقاته مع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، على عكس نتنياهو الذي يواصل السعي إلى فرض سياساته بالقوة على الجميع. ويبدو أن هذا التوازن الأميركي هو ما يكبح، حتى الآن، اندفاع نتنياهو نحو تنفيذ مخطط التهجير أو العودة إلى حرب شاملة، رغم الدعوات المتكررة التي يطلقها بن غفير، مطالبًا نتنياهو بإصدار توجيهات للجيش الإسرائيلي الاستعداد لاستئناف القتال بقوة كبيرة.
سوريا… احتواء أميركي وتصعيد إسرائيلي
في الملف السوري، يبرز بوضوح الزخم الذي تقدمه الولايات المتحدة لسوريا، في سياق علاقات تُعد سابقة في تاريخ البلدين. وترتكز رؤية ترامب إلى الوصول إلى وضع مستقر في سوريا، ضمن دولة مركزية أو حتى دولة لا مركزية إدارية فقط.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى تقسيم سوريا وتحويلها إلى كنتونات طائفية وعرقية، على غرار ما جرى في الجنوب السوري ضمن محافظة السويداء. إلا أنه، وضمن المدى المنظور وما تحقق حتى الآن، لا تبدو الولايات المتحدة راغبة في الذهاب بهذا الاتجاه.
ويتضح ذلك في ما جرى في ملف قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، الحليف الأكبر لواشنطن في سوريا ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، حيث سُمح للحكومة السورية بالدخول إلى محافظتي دير الزور والرقة. هذا التطور أنهى، حتى الآن، حلم نتنياهو بتشكيل "ممر داوود" الذي يمتد من الجولان السوري المحتل إلى مناطق شمال شرق سوريا، التي كانت تحت سيطرة "قسد"، وربط محافظة السويداء بهذه المناطق.
وضمن ما ترشّح حتى الآن في سوريا، ولا سيما في ملف "قسد"، يُعدّ ما جرى مطمئنًا لتركيا، إذ يبدّد ما كانت تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، والمتمثّل في نشوء كانتون على حدودها يرتبط بحزب العمال الكردستاني، يدخل ضمن مشروع أوسع لـ"كردستان" يشمل سوريا وتركيا والعراق وحتى إيران. وتعتبر أنقرة أن إزالة هذا التهديد إنجازًا استراتيجيًا لها. في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذا التطور بوصفه خسارة في سياق مواجهتها الإقليمية، وهو ما جرى بغطاء أميركي.
وتكمن الاستراتيجية الأميركية في سوريا في منطق الاحتواء، وجعل سوريا ضمن الحلف الأميركي، في حين تواصل إسرائيل السعي إلى فرض إرادتها عبر القوة العسكرية والإخضاع.
لبنان اتفاق على الهدف وخلاف على الوسيلة
في الملف اللبناني، تتقاطع رؤية ترامب ونتنياهو في مسألة تجريد حزب الله من سلاحه، لكن الخلاف يكمن في الطريقة والأسلوب. فإسرائيل تريد من الجيش اللبناني سحب سلاح حزب الله بالقوة، حتى لو أدى ذلك إلى حرب أهلية بين حزب الله وبيئته من جهة، والجيش اللبناني من جهة أخرى.
وترى تل أبيب أن الجيش اللبناني لا يقوم بمهمة نزع سلاح الحزب بالطريقة المناسبة وأن عليها التدخل بنفسها وبالقوة لإنهاء ما تبقى من حزب الله. في المقابل، تسعى واشنطن إلى إعطاء رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون والجيش اللبناني مساحة أوسع لمعالجة مسألة السلاح ضمن خطة تدريجية وعلى مراحل زمنية، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية.
وقد صرّحت الولايات المتحدة بأنها لا تعارض بقاء حزب الله كتيار سياسي في لبنان من دون سلاح، بينما يذهب الموقف الإسرائيلي إلى أبعد من ذلك، نحو إنهاء الحزب بالكامل، بما يشمل مؤسساته المدنية والاجتماعية.
إيران بين الضربة المحدودة والحرب الشاملة
في حرب الأيام الاثني عشر مع إيران، طلبت إسرائيل تدخل الولايات المتحدة بشكل كامل في عدوانها على طهران، والمشاركة المباشرة في الحرب. إلا أن ترامب قرر توجيه ضربة واحدة تهدف إلى القضاء على البرنامج النووي الإيراني وإنهاء المواجهة من دون أن تتطور إلى حرب شاملة.
وقد تجلّى ذلك عندما أجبر ترامب نتنياهو على إعادة الطائرات الإسرائيلية في اللحظات الأخيرة من وقف إطلاق النار، دون توجيه ضربة جديدة، رغم ما اعتبرته إسرائيل خرقًا إيرانيًا للاتفاق وعدم التزام بالتوقيت المحدد.
والآن ضمن التوتر الحالي، تشير التقارير الإسرائيلية والأميركية إلى أن إسرائيل لا تريد من ترامب ضربة محدودة، بل حربًا شاملة تنهي النظام الإيراني بالكامل، مهما كانت الكلفة. ورغم أن خيار إسقاط النظام الإيراني ينسجم مع تطلعات ترامب، وهو ما صرّح به في أكثر من مناسبة، إلا أن إدارته تجري حسابات دقيقة، وتبدي تخوفًا من أن تؤدي المواجهة إلى حرب كبرى تخرج عن السيطرة.
ويبدو أن ترامب يتعامل بجدية مع المطالب الخليجية والتركية بعدم تفجير المنطقة، انطلاقًا من مخاوف أن يؤدي قيام نظام جديد في طهران متحالف مع إسرائيل إلى تهديد الأمن القومي الإقليمي، خاصة في ظل السياسات الإسرائيلية التي تتسم بالوحشية وكسر الخطوط الحمراء.
في ظل هذه الملفات المتشابكة، تبقى جميع الاحتمالات مفتوحة، ولا سيما في الملف الإيراني، مع استمرار تصريحات ترامب المتناقضة بين التهدئة والتهديد، بالتوازي مع نقل أصول عسكرية أميركية إلى المنطقة. وبين منطق الاحتواء الأميركي ونزعة التصعيد الإسرائيلية، يبدو الشرق الأوسط مقبلًا على مرحلة من إعادة رسم التوازنات.