من عصر الدول الاستعمارية إلى عصر الشركات المستعمرة

من عصر الدول الاستعمارية إلى عصر الشركات المستعمرة

ابار بترول سورية بمنطقة رميلان حيث هناك أكثر من 1200 من آبار البترول الأخرى تلك المنطقة - وكالة الأناضول

في الشرق الأوسط الجديد ينتقل مفهوم الاستعمار اليوم من مفهوم "الدول" المُستعمَرة إلى مفهوم "الشركات" المَستعمِرة. إدارة العالم على ما بات -تكشفه تطورات الأحداث- انتقلت من تقسيم المستعمرين للدول فيما بينهم إلى تقسيم الدولة ذاتها بين المستعمرين الجدد/الشركات. ويبدو واضحًا أن عملية تفكيك الدول وإعادة تركيبها تتم بالاتفاق على أن سيطرة هذه الدول تقتصر على مساحة مصالحها في الدولة.

وبدل استقدام الجيوش لحماية مصالح الدول/الشركات يتم استحداث ميليشيات محلية تحمي مصالح هذه الدول، "ميليشيات بودي غاردية" تبقى متماسكة ومتوحدة بمقدار قوة "الملاط الدولاري" فالجيوش أيضًا يجب أن تكون في عصر الشركات المستعمرة عبارة عن شركات عسكرية، لا أكثر.

حجم احتياطي الغاز في العالم يقدر بـ175.400 مليار متر مكعب، حصة الأسد منه قرابة الـ49 مليار متر مكعب وتتركز في روسيا وحوالي 27 مليار متر مكعب في إيران و25 مليار متر مكعب في قطر وأكثر من 18 مليار متر مكعب في اليمن

في سوريا مثلًا لن يكون امتداد "الشركات العسكرية" إلا على قدر مساحة الشركات الاستعمارية القادمة ومصالحها السياسية والاقتصادية فلا يتوقع رجال الأعمال الصغار والأكبر منهم قليلًا مثلًا الاستثمار إلا ضمن حيز الميليشيات التي تحمي مصالح الدول، تلك التي يدينون لها بالولاء.

اقرأ/أيضًا: النفط والبطالة: وجهان لدولة آل سعود

سوريا المستقبل لن تكون كما كانت قبل آذار/مارس 2011. سوريا المستقبل ستكون بجغرافيا وديمغرافية مختلفة، صنعت بالدم كالعراق وليبيا واليمن. وفي الشرق الأوسط الجديد انتهى عصر الدول الوطنية، وحلم الدولة القومية فهو مجرد أوهام يتوحد الناس حولها، لتصير الدول دويلات والجيوش ميليشيات والاقتصاد سمسرة والمستعمرون شركات.

في العام الأول مما عرف بـ" الربيع العربي" قال الراحل محمد حسنين هيكل: هناك فوارق بالطبع بين "سايكس بيكو" القديمة، و"سايكس بيكو" الجديدة التي يجري رسمها الآن، وأول أسباب الاختلاف متغيرات العصر. "سايكس بيكو" الأولى كانت خطًا على خريطة، يصل من "الكاف" إلى "الكاف"، "الكاف" في"عكا"، و"الكاف" في "كركوك"، ويفصل الشمال عن الجنوب. لكن هذه المرة ليس هناك خط فاصل، وإنما هناك مواقع متناثرة.

التقسيم في المرة الأولى -يتابع هيكل- كان تقسيمًا جغرافيًا وتوزيع أوطان، ولكن التقسيم هذه المرة سيكون تقسيم موارد ومواقع. وبوضوح فإن ما يجري تقسيمه هو أولًا النفط وفوائضه. نفط وفوائض ليبيا بعد نفط وفوائض العراق وخطوط العبور.

عندما تحدث هيكل عن العراق وليبيا بصفتهما النفطية، لم تكن قد تبلورت بعض آفاق الصراع في سوريا كبلد عبور لثروات الغاز، ذلك المارد القادم ليحطم أسطورة النفط بكل إرثه وعلاقاته القديمة، فسوريا بلد "مربط الفَرس" في خطوط الإمداد. تمامًا كما كان دورها التاريخي مع طريق البخور ثروة العالم القديم ثم طريق الحرير، واليوم طريق الغاز. لم تكن الدول الكبرى حتمًا لتختلف على مصالحها إلا بمقدار توزيع مكاسب الولاء على حماة مصالحهم، ولأن الثروة تقود للغنى فتطلق المطامح وتتلاعب بالمصالح، كان لا بد من تشتيتها وتشظيتها، هذا ما حدث في العراق وفي ليبيا كبلدين نفطيين، وما يحدث لسوريا كبلد عبور، وما يحدث لليمن ومصر.

اقرأ/أيضًا: السعودية وإيران.. إنه النفط

في العام 2008 أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) قائمة باحتياطي الغاز الطبيعي المؤكد في الدول، وقد ظهر فيه أن حجم احتياطي الغاز في العالم يقدر بـ175.400 مليار متر مكعب، حصة الأسد منه قرابة الـ49 مليار متر مكعب وتتركز في روسيا وحوالي 27 مليار متر مكعب في إيران و25 مليار متر مكعب في قطر وأكثر من 18 مليار متر مكعب في اليمن، وفي العراق أكثر من 3 مليار متر مكعب، وفي مصر مليار و700 مليون متر مكعب، ومليار ونصف مليار متر مكعب في ليبيا، وفي سوريا ربع مليار متر مكعب.

الغريب أن هذه الدول التي تحوز على الجزء الأكبر من ثروة الغاز العالمية هي الدول التي تجسد محور صراعات اليوم بكل ما للصراع من تذبذب في الولاءات وتشعب في العلاقات.

بحر الموت والثروة

لا يتجلى الصراع على سوريا بين الدول الكبرى كبلد عبور فقط للغاز وإنما بإطلالتها المهيبة على البحر المتوسط، ذلك البحر الذي -وعلى ما يبدو- يخبئ في رحمه أكبر مخزون للغاز لا يتم الحديث عنه إلا بأخبار متناثرة. هو ذاته البحر الذي يلتهم السوريين اليوم في رحلة لجوئهم، ويحولهم لغاز تشعل منه وقود صراعاتهم على الجغرافيا القادمة.

فقبل ثورات الربيع العربي ظهر اكتشافان نفطيان خطيران الأول في مدينة اللاذقية على الساحل السوري وقد تم التعتيم عليه بسرعة والتقليل من أهميته رغم أن مخزونه الاستراتيجي المخيف يصل لأعماق المياه الإقليمية السورية؛ والثاني في السواحل الإقليمية اللبنانية المتاخمة لإسرائيل وقد حصل سجال وتصعيد إعلامي بين البلدين ما لبث أن اختفى.

غاز سوريا

مع انطلاق ربيع العرب ساد رأي يقول إن الثورة السورية هي تجسيد لصراع على مد خط الغاز الروسي أو القطري عبر سوريا إلى أوروبا؛ في حين كان العرس في دوما والطبل بحرستا؛ فالصراع أيضًا كان على مخزون الغاز المرعب في المياه الإقليمية السورية ففي العام 2013 وقع النظام السوري مع روسيا اتفاقية استخراج الغاز في الجرف القاري التابع لسوريا لصالح شركة «سيوز نفط» الروسية، بكلفة تقديرية هي 100 مليون دولار أي لأن روسيا منذ ذاك الحين انتصرت في سوريا، فهذا العقد يخولها أن تمسح وتنقب عن النفط والغاز في المنطقة الممتدة من جنوب شاطئ مدينة طرطوس إلى محاذاة مدينة بانياس، وبعمق عن الشاطئ يقدر بـ70 كيلومترًا طولًا وبمتوسط عرض 30 كيلو مترًا، وبمساحة إجمالية تبلغ نحو 2190 كيلومترًا مربعًا.

غاز مصر

في 30 أغسطس/آب 2015 أعلنت شركة إيني الإيطالية عن اكتشاف جديد في المياه الإقليمية المصرية، في البحر المتوسط، والتي اعتبرتها أكبر اكتشافات للغاز الطبيعي في العالم، الكشف الجديد، حسب إعلان الشركة، يشمل احتياطيات أصلية تقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي (حوالي 5.5 مليار برميل من المكافئ النفطي) ويغطي مساحة نحو 100 كيلومتر مربع، ليصبح كشف شروق الغازي أكبر كشف يتحقق في مصر وفي مياه البحر المتوسط، وقد يصبح من أكبر الاكتشافات الغازية على مستوى العالم.

بعدها تكشف أن مخزون الغاز المهول في تونس كان سبب ضبط الأوضاع إضافة إلى أن مخزونه في المياه الإقليمية الجزائرية كان سبب هدوء الأوضاع فيها واستثنائها. على ما يبدو فإن الشركات الدولية حتى الآن على ذلك الجزء الأفريقي من العالم باستثناء ليبيا، في حين مفاوضات الدم لم تنته بعد في سوريا.

الغاز بكل تأكيد ليس كل شيء إن هو إلا وقود الصراع إذ يبدو أن ثمة مصالح استراتيجية تقوم على جعل سوريا والعراق وأجزاء من تركيا وبطبيعة الحال الأردن وإسرائيل لبناء "دولة" أمريكية في بلاد الشام، لمستقبل تسعى لتكريسه في الجزء الشرقي لآسيا، هذه "الدولة" التي تسعى جاهدة لتكريسها عبر تفاهمات مع إيران وروسيا ليس من أجل ما هو قائم اليوم بل من أجل ما قد يستجد غدًا، فشرق آسيا أرض الثروات والصراعات الواعدة بالاستثمار في الدم والثروة بعد أن تفرض سلطتها وسطوتها على الجزء الغربي منها ليكون قاعدة انطلاقتها القادمة.

اقرأ/أيضًا:

ثلاثة عوامل وراء عاصفة النفط العالمية

هل يودع العرب "زمن النفط الجميل"؟