ultracheck
  1. قول

من شارع الرشيد إلى القصيدة.. خريطة الوجع الأخيرة

24 أكتوبر 2025
شارع الرشيد في غزة
شارع الرشيد في غزة (الأونروا)
طارق العربيطارق العربي

تلك صورتها. نعم، هذه هي، لكنّ ما نراه ليس انتحار العاشق. هذا هو العاشق يظلّ حيًّا بعد موته، واقفًا في صورة لا تتحرك، منذ أكثر من ثمانين عامًا. لا يتغير فيها الزمن، ولا يتوقف فيها الألم.

لا يسقط العاشق، بل يذوب في صمت الحقيقة، يتشقق داخله كما تتشقق الأرض العطشى، ينهار أمام مرآة تعكس تاريخًا لا يريد أن يدفن.

الصورة شاهدة على زمن لا يتحرك، والقصيدة شاهدة على ثقل الثبات، على ما تراكم من وجعٍ لم يُقل.

كانت العظام دائمًا ثقيلة، منذ لحظة الخروج الأولى، منذ الرحيل الكبير، منذ أن حملتنا الانتفاضة إلى نهاياتها الغامضة.

وحتى الآن، لا تزال هناك أشياء لم تُقال عن تلك الانتفاضة، عن ذلك الجرح المفتوح الذي لم يجد كلماته بعد.

ولو عاد محمود درويش من موته، لكتب الكلمات ذاتها، وربما حذف كلمة "عاشق" منها، لا أحد يعرف. ربما تبدل العاشق، لكن الرحيل هو هو لم يتغير، وبين طريق الإياب من شارع الشريد وطريق العودة.

وما يؤكد ذلك، أن محمود درويش – لو عاد ثانية – لقال عن هذه الحرب، وعن هذا الثبات الذي يشبه الجمود القاتل أننا اجتزنا المسافة بين أول الجرح وآخر الانفجار ولم نمت.

من يصدق أن مدينة كاملة يسكنها مليونا إنسان وتقع على البحر، وأريد لها أن تموت، استيقظت فجأة ووجدت نفسها في البياض؟ لن يصدق ذلك أحد، لكننا نصدق ونقول إن هذا البياض الذي ترونه في الصورة هو موتنا

تصلح قصيدة "تلك صورتها، وهذا انتحار العاشق" لمشهد العائدين في شارع الرشيد، ولوجوه الأسرى والأهالي في غزة والضفة والقاهرة، وتصلح أن تكون الصورة الأخيرة لغزة في نهاية الحرب. لكن لا أدري إن كانت تصلح لنا، نحن الضحايا المتأخرين، شهود الزور في محكمة بلا قضاة.رأينا كل شيء في ثباته كما هو منذ زمن بعيد، وتحمّلنا الألم والصمت والخراب حتى صرنا جزءًا من الصورة نفسها.

ولما كان العاشق ينتحر، قرأنا القصيدة كبيانٍ عن حياتنا وخساراتنا، عن كل ما مرّ ولم يرحل. لا أحد منا بعد هذه الحرب بقي كما كان. شيء كبير انكسر فينا، كأننا شاهدنا موتنا دون أن نموت. نأكل وقد امتلأنا بالبلادة، نكتب وقد أصابنا الوهن، نحلم بأحلام ليست لنا، ونهرب من غزة ببطء كما لو أننا نجرّ ظلّنا الميت خلفنا.

كنت أراقب صور الأسرى الخارجين إلى مصر، وشيء في وجوههم أكد لي أن العاشق قد انتحر فعلًا. ثم رأيت صور الأسرى المفرج عنهم في غزة، فخُيّل إليّ أن الجنون هو من عاد هذه المرة، لا أحد غيره. لم نعد نعرف من عاد إلى الحياة، ومن خرج منها إلى الأبد.

كل ذلك كان يبدو كألم في العظام، كما تعوّدنا أن نقول. لكن صورها، وصور أولادها، همسوا لي أن المسألة أعمق. ليس في العظام وحدها يسكن الألم، بل في الروح، في ذلك الصمت الكثيف الذي يخنق الروح شيئًا فشيئًا، حتى تبدأ بالموت من الداخل.

أتأمل العيون التي أطالت النظر إلى البياض حتى تعثرت به، حتى نسيت الألوان. كنا نحمل موتنا كما يحمل الشعراء كلماتهم، كأن علينا أن نحرس اللغة كي لا تبرد، أن ندفنها بأيدينا ونظل نكتب.

ولا أعرف، في تلك اللحظة، إن كانت الكلمات التي نكتبها ما تزال حية فعلًا، أم أنها مجرّد صدى قديم لصراخ لم يعد يسمعه أحد. لا أعرف إن كانت قادرة بعد على أن تزهر، أن تحب، أن تروي شيئًا. لكننا نكتبها رغم كل شيء. نكتبها من داخل الصرخة، ومن تحت الحطام، كأنها آخر ما نملكه، أو كأنها ما تبقّى منا.

غزة غيّرتنا. لم تفعل ذلك بانفجار مفاجئ، بل كالماء حين يتسرّب ببطء إلى الجدران. شيء ثقيل استقر في أصواتنا، صار الصوت نفسه يحمل أثر المسامير، وكل كلمة تُقال كأنها تُسحب من عمق الجرح.

لم نعد نسأل كيف سيبدو الشعر بعد هذه المحرقة، بل كيف سننجو من دون أن نفقد قدرتنا على الحياة.

أي أسماء سنمنحها لأبنائنا؟ أي قصص سنروي لهم حين يسألون عن المدن التي اختفت، عن البحر الذي لم يرَوه، عن المدرسة التي لم تُفتح أبدًا؟

في هذه البلاد المسوّرة بالغياب، البياض ليس علامة على السلام، بل أثر القصف، غبار الذاكرة حين تُسحق.

اللغة نفسها تئنّ. لم تعد سلاحًا أو ملجأً. خانتنا كما خانتنا الصور، لأن لا كلمة في القاموس تقول ما لا يمكن قوله.

حين رأيت أبي يبكي، لم أميّز إن كان يبكي من الصورة، أم من فراغها.تذكّر والده في ميناء حيفا، وبكى كأن البحر تسرّب من عينيه. بكيت معه، وبكى الطبيب معنا. لم أرَ أبي يبكي من قبل. لكنه في عامين من هذه الحرب، شاخ عشرين عامًا، ثم انكمش كطفل. رأيته يفقد ذاكرته كما تُفقد مدينة. كأن العمر انكسر، لا إلى الأمام، بل إلى الخلف.وغدونا كلّنا أطفالًا في حضرة الخراب.

تلك صورتها لكن هذا ليس انتحار العاشق بل حياته. وما بين حياته وموته، عليه أن يعيد بناء البيت أكثر من مرة، ويسرد نفس الأشياء، ويشرح نفسه للجميع في كل مرة، كما لو أنه يعيد رواية القصة ليؤكد نجاته منها. عليه أن يتذكر حيفا وطبريا، أن يقول سمخ وبيسان ويخلع الأيام من الأسبوع، وأن يقول النخيل في حين أنه يقصد أشجار البرتقال. وأن ينادي على إدوارد سعيد في حين أنه ينادي على الشيخ أحمد ياسين، لا سواه.

وفي هذا الثبات، عليه أن يترجم نفسه وألا يتوقف عن الجنون، وعن خلط الأشياء ببعضها: الموت والحياة، حتى لا يعرف من يعيش فيه أكثر، الموت أم صورتها، الحياة أم صورتها، كما لو يحاول أن يقنع نفسه أن أحدهما أقل قسوة من الآخر.

لطالما كرهت الذين يكتبون رواياتهم من تجاربهم في الحب، لكنني الآن أفهم: إنهم لا يكتبونها حبًا، بل نجاة.

يكتبون قصصهم ليصدقوا أنهم عبروا الألم دون أن يموتوا فيه، ليواصلوا الوقوف في وجه الصورة، ويحرسوها من النسيان، ويحرصوا ألا تصاب جروحهم بالغرغرينا، وألا يصاب القلب بالبياض.

البياض هو لون الموت، لون أيامنا، لون الفراغ الذي تركته الصواريخ بعد أن انقشع غبار البيوت والأحياء، لون دموع والدي.

من يصدق أن مدينة كاملة يسكنها مليونا إنسان وتقع على البحر، وأريد لها أن تموت، استيقظت فجأة ووجدت نفسها في البياض؟ لن يصدق ذلك أحد، لكننا نصدق ونقول إن هذا البياض الذي ترونه في الصورة هو موتنا.

والعاشق لم ينتحر، بل طفا على بحر من الدموع، الدموع نفسها التي كانت تسيل في منامي، وفي نومكم، وتظل تسيل حتى يصير لونها ولوننا أبيض.

البياض هو النهاية التي تبتلع البداية، والذي زاد اتساعًا من كثرة الموتى.

وليس هذا فقط حكاية خسارة فردية، بل هو ثمن سياساتٍ وحروبٍ ومؤامراتٍ تَسلبُ المدنَ وجراحَها، وتحوّلُ البياضَ إلى خريطةٍ للغائبين.

ولنقل مع درويش: "يا هُدْهدَ الأسرار، جاهِدْ كي نشاهدَ في الحبيب حبيبَنَا".

كلمات مفتاحية
ليمان طره

السجن ضد الوطن: في مقاومة محو الانتماء

لم تعد سنوات السجن في مصر مجرد حرمان من الحرية، بل فضاء يعيد تشكيل علاقة الإنسان بوطنه، سياسيًا كان أم جنائيًا

نيكولاس مادورو

التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا: صراع النفوذ والطاقة والسلطة

تعود جذور التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا إلى عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، عندما بدأت واشنطن تراقب تحركات كاراكاس عن كثب

المدرسة الدستورية

قبل أكثر من مئة عام كان لدينا "بستان أطفال"

أشار خليل السكاكيني إلى أن المدرسة ليست تبشيرية، بل وطنية، تقبل الطلاب من مختلف الأديان والمذاهب دون المساس بعقائدهم

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png
مناقشات

"جروان" و"جوافة".. مبادرات فردية تحوّلت إلى مراكز ثقافية فارقة تخدم أطفال الريف

المراكز الثقافية وخدمة أطفال الريف في مصر

الصين
سياق متصل

تصعيد جوي وتوتر عسكري غير مسبوق بين الصين واليابان

تصاعدت حدة التوتر العسكري بين اليابان والصين، بعد اتهام طوكيو لمقاتلات صينية بتوجيه راداراتها نحو طائرات عسكرية يابانية

ماكس فيرشتابن
رياضة

نهاية مرتقبة لنسخة مثيرة من بطولة العالم للفورمولا 1

سيقاتل ماكس فيرشتابن من أجل الظفر ببطولة العالم للمرة الخامسة في تاريخه، والسنة الخامسة على التوالي، لكن حظوظه تبقى ضئيلة للفوز به

ميسي
رياضة

حقبة جديدة عنوانها ميسي.. إنتر ميامي يتوج بلقب الدوري الأميركي للمرة الأولى في تاريخه

لم يكن اللقب ضروريًا لمسيرة ميسي الحافلة بالإنجازات، لكنه كان هدفًا واضحًا منذ اللحظة الأولى.