من سياسات تقليل الإنجاب إلى "الأطفال ثروة".. ماذا يحدث في الهند؟
18 مايو 2026
في وقت لا تزال فيه الهند تحمل لقب الدولة الأكثر سكانًا في العالم، تتجه أصوات نافذة داخل المعسكر الحاكم إلى الدعوة لإنجاب المزيد من الأطفال، في تحول لافت عن عقود من سياسات تنظيم الأسرة التي تبنتها البلاد لمواجهة الانفجار السكاني.
فبينما تواجه الهند تحديات اقتصادية ضخمة، أبرزها بطالة الشباب والضغط على الخدمات والبنية التحتية، يرى حلفاء رئيس الوزراء ناريدرا مودي أن الخطر الحقيقي قد يكون في المستقبل، مع تراجع معدلات الخصوبة واحتمال شيخوخة المجتمع خلال العقود المقبلة.
تحول ديموغرافي يثير القلق
يبلغ عدد سكان الهند حاليًا نحو 1.42 مليار نسمة، ومن المتوقع أن يستمر العدد في الارتفاع حتى يصل إلى قرابة 1.7 مليار نسمة خلال العقود الأربعة المقبلة، وفق تقديرات الأمم المتحدة. لكن رغم هذا النمو الهائل، بدأ صناع القرار في البلاد ينظرون بقلق إلى الانخفاض المستمر في معدل الخصوبة.
وتراجع معدل الخصوبة الكلي، أي متوسط عدد الأطفال لكل امرأة، إلى 2 فقط خلال الفترة بين 2019 و2021، بعدما كان 3.4 في أوائل التسعينيات. ويعتبر الخبراء أن معدل 2.1 هو الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان دون تراجع.
على الرغم من كون الهند أكثر بلدان العالم سكانًا، بدأ صناع القرار في البلاد ينظرون بقلق إلى الانخفاض المستمر في معدل الخصوبة
وحسب تقرير لوكالة "رويترز"، يُعزى هذا الانخفاض إلى عدة عوامل، من بينها ارتفاع مستويات تعليم النساء، وزيادة استخدام وسائل منع الحمل، وتغير نمط الحياة في المدن الهندية الكبرى، حيث أصبحت تكاليف تربية الأطفال أكثر ارتفاعًا.
حوافز مالية لإنجاب الطفل الثالث والرابع
ضمن هذا التوجه الجديد، أعلنت ولاية أندرا براديش الجنوبية، التي يحكمها ائتلاف يضم حزب مودي، عن خطة لتقديم دعم مالي مباشر للأسر التي تنجب أكثر من طفلين. وتشمل الخطة منح 30 ألف روبية هندية للعائلة عند إنجاب الطفل الثالث، و40 ألف روبية عند إنجاب الطفل الرابع، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا عن السياسات السابقة التي كانت تشجع على تقليل عدد الأبناء.
وقال رئيس وزراء الولاية تشاندرابابو نايدو إن العالم يشهد اليوم أزمة معاكسة لما كان يخشاه سابقًا، موضحًا أن انخفاض معدلات الولادة في العديد من الدول أدى إلى شيخوخة السكان وتراجع القوة الاقتصادية. وأضاف: "في الماضي ركزنا كثيرًا على تنظيم الأسرة، أما اليوم فنحن ندعو إلى اعتبار الأطفال ثروة".
لم تقتصر الدعوات على أندرا براديش فقط، إذ بدأت ولايات أخرى في تبني خطاب مشابه، أبرزها ولاية سيكيم الصغيرة في شمال شرق البلاد. وقدمت الولاية حزمة حوافز لتشجيع الإنجاب، شملت إجازة أمومة لمدة عام كامل، وإجازة أبوة لمدة شهر، إضافة إلى دعم مالي لعمليات التلقيح الصناعي.
ويرى مسؤولون محليون أن هذه الإجراءات ضرورية للحفاظ على التوازن السكاني مستقبلاً، خصوصًا مع انخفاض معدلات الولادة بين الطبقات المتعلمة وسكان المدن.
تأثير التجارب الآسيوية
التحول الهندي لا يأتي بمعزل عن تجارب دول آسيوية أخرى واجهت أزمة انخفاض المواليد بعد سنوات من سياسات الحد من الإنجاب. فالصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وتركيا كانت قد اعتبرت في ثمانينيات القرن الماضي أن معدلات الولادة مرتفعة أكثر من اللازم، واتخذت إجراءات لتقليصها، قبل أن تجد نفسها لاحقًا أمام مجتمعات تتقدم في العمر بسرعة ونقص متزايد في القوى العاملة.
وبحلول عام 2015، بدأت تلك الدول في تغيير سياساتها وتشجيع الإنجاب عبر تقديم حوافز مالية وإجازات عائلية ودعم حكومي للأسر. ويبدو أن بعض التيارات السياسية في الهند تريد تجنب الوصول إلى السيناريو نفسه.
دور الجماعات الهندوسية
ومن أبرز الجهات التي تدفع بهذا الاتجاه تنظيم "راشتريا سوايامسيفاك سانغ" المعروف اختصارًا بـRSS، وهو التنظيم القومي الهندوسي الذي يُنظر إليه باعتباره المرجعية الفكرية والسياسية لحزب مودي. ودعا التنظيم بشكل علني إلى تكوين عائلات أكبر، معتبرًا أن انخفاض الخصوبة قد يؤدي إلى "اختلالات ديموغرافية" تهدد مستقبل البلاد.
وقال الأمين العام للتنظيم داتاتريا هوسابالي إن الهند ما تزال تُعرف بأنها "بلد الشباب"، لكن استمرار انخفاض معدل الخصوبة قد يغير هذه الصورة خلال العقود المقبلة.
وتثير هذه التصريحات جدلًا واسعًا داخل الهند، حيث يتهم معارضون الجماعات القومية الهندوسية بمحاولة توظيف الملف السكاني في سياقات سياسية ودينية.
بطالة مرتفعة رغم الدعوات للإنجاب
ورغم الحديث عن الحاجة إلى مزيد من الأطفال، تواجه الهند بالفعل أزمة بطالة بين الشباب. فبحسب البيانات الحكومية، بلغ معدل البطالة العام لمن هم فوق 15 عامًا نحو 3.1% خلال عام 2025، لكنه ارتفع إلى 9.9% بين الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا، مع وصول النسبة إلى 13.6% داخل المدن.
ويرى منتقدون أن التركيز على زيادة الإنجاب قد يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إذا لم يترافق مع خلق فرص عمل وتحسين الخدمات العامة والتعليم والرعاية الصحية.