من دمشق.. هنا موسكو

من دمشق.. هنا موسكو

يان اريك أندير/ السويد

على الرغم من عدم انسجامه مع دعواتها المتكررة إلى الحل الديبلوماسي للصراع الدّائر في سوريا، لم يكن القرار الروسي الأخير بصدد التّدخل العسكري، مفاجئًا. فلطالما شكّلت روسيا غطاءً سياسيًا على ممارسات النظام منذ سنوات طويلة سبقت اندلاع الثورة، وجاءت التقارير المنشورة مؤخرًا لتؤكّد على تواجد عسكري روسي لافت على الأراضي السورية، الساحلية تحديدًا، يتضمن وحدات قتالية وأسلحة متطورة وناقلات جنود، ما يبدو خطوة تمهيدية للزّجّ بثقلها العسكري، سواء لدعم النظام أو تأمين وجودها في مطلّات استراتيجية على البحر الأبيض المتوسط.

لطالما شكّلت روسيا غطاءً سياسيًا على ممارسات النظام منذ سنوات طويلة سبقت اندلاع الثورة

لا يغيب عن البال أن تدخلات روسيا الدائمة، في غير صالح الشعب السوري، كانت سببًا من أسباب طول أمد الأزمة بكل ويلاتها، وهي فوق ذلك لم تكن بعيدة عن خياراتها العسكرية طوال الفترة الماضية؛ في مسعى لحماية حليفها الأبرز، ووضع العقدة في منشار أي قرار أممي أو تدخل عسكري أمريكي يعارض رغبتها ومصالحها، ويُسقط الورقة التي لوّحت بها سابقًا حول دورها في النزاع القائم. يترافق هذا مع انحسار التوافق الأمريكي – الروسي على أولوية التخلص من داعش والتنظيمات المتطرفة التي تبسط سيطرتها على مناطق استراتيجية، والدّفع بها إلى مقدمة الأولويات على حساب مسائل أخرى كمستقبل الوضع في سوريا وعلاقاتها مع جيرانها وقضية اللاجئين.

التحذيرات التي وجهها جون كيري إلى نظيره سيرغي لافروف قبل وقت قصير حول النتائج غير المحسوبة التي يمكن أن يتسبب فيها هكذا تدخّل عسكري مباشر، مضافًا إليها حساسية القرار الروسي من الناحية السيادية، لا تعني غالبًا في جملتها أن تحركات موسكو الجديدة، على رغم تبريراتها المبنية على مكافحة الإرهاب، سوف تذهب مباشرة إلى مساندة الأسد وجيشه المنهك، بقدر ما يبدو أنّ قرارًا كهذا اتـُّخذ بمعزل تشاوريّ عنه، وقد تؤشر إلى غير صالحه، وهو ما تؤكده المعلومات المسرّبة مؤخرًا على لسان مسؤولين سياسيين وعسكريين روس تخلُص إلى وجود قناعة بعجز الأسد عن فعل شيء على جميع الجبهات التي تورط فيها. في المقابل، هناك من لا يزال يراهن على الدور الروسي، والإيراني استطرادًا، عبر إمدادات عسكرية كبيرة ترفع من وتيرة قتال النظام ضد خصومه لإخراجه من أزمته الحرجة بأسرع ما يمكن قبل تفاقمها أكثر مما هي عليه الآن.

الطريقة التي تتعامل من خلالها روسيا مع الوضع في سوريا لا تخرج عن منطق الوصاية، كأنها أولى بلحم الأسد من سواها، وإلا فكيف نفسّر مثلاً تغريدها بعيداً عن سرب التحالف المفترض تكوينه لمحاربة الإرهاب، وانفرادها بالقرار الذي توافقت مع أمريكا عليه؟ أمرٌ كهذا يعيد إلى الأذهان تجربتها سيئة الصيت في أفغانستان، ويؤكّد في الوقت نفسه على أنها ما زالت تتعلّم - وإن ببطء شديد - من دروس العراق وليبيا.

بين نفي وتأكيد، بقي على روسيا أن أن تُقنع حلفاءها الآخرين بالمعادلة الجديدة في سوريا، إن لم تكن قد قامت بذلك فعلًا، وهو ما يعني كسر شوكة الأسد في ضوء استحقاقات مبادرة دي ميستورا الأخيرة لحل الأزمة، ولعلّها الآن بصدد رسم سيناريوهات محتملة حول المصير الشخصي للأسد وعائلته، وربما طائفته، قد يُؤجَّلُ الإعلان عنها بعض الوقت في ضوء قادم التطورات.