من حكايات الجنرال الخطير

من حكايات الجنرال الخطير

قمع السيسي لم يسبق له مثيل (أ.ف.ب)

(1)

القاهرة مدينة تمنحك مزاجًا سيئًا، لا جمال متجدد، وهي على أي حال ليست تلك التي وصفها نجيب محفوظ في السكرية بقوله: "غابات غناء تحيط بالعباسية"، فالعباسية على سبيل المثال، هي اليوم مجموعة متراصة من المصالح الحكومية والمباني التابعة للجيش. شيء مقيت لا شخصية له، اللهم إلا أحياءها الشعبية التي لازالت تشي بشيء من الإنسانية، يجعلك تتعاطف معها ولو جزئيًا كنوع من الغفلة عن الأمر الواقع. 

لتكتمل كآبة القاهرة، باتت تكتسي هذه الأيام بصور الرئيس الجنرال، إذ إنه موسم الانتخابات الذي تكثر فيها يافطات التأييد والولاء

مع ذلك تظل هناك محبة غريبة لما تبقى من القاهرة. أقول ذلك لأنني عاشرتها عشر سنوات كاملة، بانقطاعات موسمية بالطبع، إذ لابد من انقطاعات موسمية عنها للحفاظ على صحتك العقلية.

اقرأ/ي أيضًا: "علشان تبنيها".. حملة جديدة لدعم السيسي في الانتخابات القادمة

ولتكتمل كآبة القاهرة، تكتسي المدينة هذه الأيام بصور السيد الرئيس هنا وهناك، حيث لافتات التأييد والولاء، فنائب عن الدائرة الفلانية يُعلن دعمه للرئيس بـ"كلنا معاك ياريس". وصورة لفتاة يبدو أنها ابنة رئيس نادٍ رياضي كبير، تعلن دعمها للرئيس. هم على أي حال "مخلوقات النظام" كما أسمتهم صحيفة نيويوركر، التي استخدمت صورة معبرة للرئيس الجنرال.

وذكرت نيويوركر في افتتاحيتها أنه الرئيس الذي وصل الحكم بانقلاب عسكري، لكنه ليس انقلاب من النوع الانفجاري، رغم ضحاياه بالآلاف.  

ومن حكايات الجنرال، أنه حين التقى وزير الدفاع الأمريكي وقتها، تشاك هيغل في 2014، حدثت الكيمياء فورًا بين الرجلين العسكريين، رغم أن هيغل هو رجل حرب بالفعل، حاصل على وسام القلب الأرجواني لإصابة تعرض لها، في حين أن السيسي "رجل عسكري غير ملحوظ" كما قالت نيويوركر، وكما قال هيغل: "عسكريونا لم يكونوا يعرفونه جيدًا".

(2)

كان الوقت ظهرًا حين انطلقت مظاهرة صغيرة في الحي الهادىء الذي يسكن معظمه رتب عسكرية متقاعدة. كانت التظاهرة مكونة من سيدة تحمل علم مصر وأربعة من القُصر وسيارة مكشوفة وشعارات تنادي بإسقاط الرئيس وقتها، محمد مرسي.

خلال الأشهر التي أعقبت 30 حزيران/يوينو 2013، تمتع السيسي بشعبية كبيرة في الشارع المصري، حتى رأى أنه ليس بحاجة لبرنامج انتخابي يدعم ترشحه للرئاسة. وبصعوده للرئاسة، اجتاحت الهياكل السياسية في مصر، تغييرات عميقة لم يكن أحد يتخيلها.

أما الخطاب الإعلامي المدار أمنيًا بلا شك، فقد استمر في تقديم السيسي على أنه المنقذ والمخلص من كل شيء سيء، بما في ذلك الإرهاب بالطبع، لولا أنه لم يفعل ذلك!

واستدعى إعلام النظام الكاريزما ليربطها بالسيسي. ومع موجات الاستقاط التي عاشها المصريون في إعلامهم وفي الشارع بل داخل بيوتهم، استقر المقام بتحييد لأي تيار سياسي معارض، وأُطلقت يد السلطوية على كافة مناحي الحياة في مصر، وتحول الشارع من متفاعل مع الشأن السياسي، إلى مفعول به فقط.

مع الاستقطاب الذي أعقب 30 حزيران/يونيو 2013، حُيّدت المعارضة السياسية، وأُطلقت يد السلطوية على كافة مناحي الحياة

المضحك المبكي في هذا المشهد المأساوي، أن هناك 83 حزبًا سياسيًا حصل على ترخيص، تقريبًا لا يعرف المصريون عنها شيئًا!

 

اقرأ/ي أيضًا: 

دعابات السيسي المحرجة.. "أهلًا" بالتفاهة

العلاقات الخارجية في عهد السيسي.. من عدم الانحياز إلى عدم الاتزان!