ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

من جوائز الدولة إلى الجمود.. هل فقد المجلس الأعلى للثقافة دوره المؤثر؟

19 يوليو 2025
المجلس الأعلى للثقافة (الصفحة الرسمية)
المجلس الأعلى للثقافة (الصفحة الرسمية)
رنا الجميعي رنا الجميعي

للمرة الأولى، يُولي المثقفون أهمية كبيرة لتشكيل أعضاء المجلس الأعلى للثقافة، حيث أثار قرار رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، رقم 2315 لسنة 2025، جدلًا واسعًا بسبب الأعمار المتقدمة لأعضائه الـ 29، إذ تجاوز أعمار غالبيتهم سن السبعين، وبعضهم بلغ التسعين، مما دفع المثقفون للتساؤل عن مدى قدرتهم على تحديد السياسات الثقافية واختيار الأعمال المرشحة لجوائز الدولة.

يوم الثلاثاء الماضي، أعلنت الصفحة الرسمية للمجلس الأعلى للثقافة على موقع فيسبوك صدور قرار تعيين وتجديد تعيين الأعضاء بحكم أشخاصهم لمدة عامين، وعددهم 29 عضوًا.

أبدى الكاتب الصحفي والعضو السابق في لجنة التاريخ بالمجلس، سيد محمود، استغرابه من كبر سن الأعضاء. كما استنكر تواجد السفيرة مشيرة خطاب، التي شغلت منصب وزيرة الدولة لشؤون الأسرة والسُكان بين عامي 2009 و2011، وتبلغ من العمر الآن نحو 81 عامًا. ويتفق مع هذا الرأي الشاعر ونائب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون، محمود خير الله، الذي وصف المجلس بأنه "تشكيل من العالم الآخر".

وأضاف خير الله أن بعض الأعضاء يعانون من مرض الزهايمر ومشاكل صحية متعددة، موضحًا أن انتقاد التشكيل الجديد لا يهدف إلى التقليل من شأن الأعضاء، بل "نبتغي بهم الرحمة، وفي حال رغبة الدولة بتكريمهم، يمكن إجراء فحص طبي شامل لهم".

ونوَه خير الله إلى أن الأعضاء لا يملكون مصالح شخصية في ترشيح الأسماء الأدبية والثقافية لجوائز الدولة، لكنهم في الوقت نفسه منفصلون عن الواقع، وانتهت علاقاتهم الاجتماعية، مما يحدّ من قدرتهم على وضع توصيات فعّالة للسياسات الثقافية.

أعاد هذا الجدل المجلس الأعلى للثقافة إلى صدارة النقاش، موجهًا الأضواء نحو تاريخه وأدواره ومدى قدرته على صياغة سياسات ثقافية حقيقية. فقد تأسس المجلس عام 1956 كهيئة مستقلة ملحقة بمجلس الوزراء تحت اسم "المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب"، ليكون الأول من نوعه على المستوى العربي، بهدف تنسيق الجهود الحكومية والأهلية في ميادين الفنون والآداب. وبعد عامين، أصبح مختصًا أيضًا برعاية العلوم الاجتماعية.

وفقًا لمقالة للدكتور عماد أبو غازي، وزير الثقافة الأسبق، في مجلة "فصول"، منشورة في خريف عام 2022، أصبح وزير الثقافة رئيسًا للمجلس عام 1961، مع استمرار استقلاليته، إذ كان رئيس الجمهورية مسؤولًا عن تعيين الرئيس والأعضاء والسكرتير العام. وفي عام 1969، انتقلت تبعية المجلس إلى وزارة الثقافة. وخلال السبعينيات، فكّرت الدولة في إلغائه، لكن ذلك لم يحدث. أما التغيير الأبرز فكان عام 1980، عندما تحول اسمه إلى "المجلس الأعلى للثقافة" بموجب القانون رقم 150، بل وحل محل وزارة الثقافة.

تأسس المجلس عام 1956 كهيئة مستقلة ملحقة بمجلس الوزراء تحت اسم "المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب"، ليكون الأول من نوعه على المستوى العربي

ومع تولي محمد حسني مبارك الرئاسة، أصبح الدور الرئيسي لأعضاء المجلس منح جوائز الدولة، وتحولت العضوية تدريجيًا إلى "مكافأة العمر"، بحسب سيد محمود، الذي أكد أن المجلس يجتمع مرتين سنويًا فقط.

كانت إحدى أكثر الفترات نشاطًا في تاريخ المجلس خلال تولي الدكتور جابر عصفور منصب الأمين العام من يناير 1993 إلى مارس 2007، حيث عمل على تنشيط اللجان وزيادة عددها إلى 22 لجنة بعدما كانت 17، وسعى لضم أعضاء جدد لإضافة بعض الحيوية للمجلس بدلًا من تجديد عضوية القُدامى، وفقًا لمقال أبو غازي.

خلال تلك الفترة، نظّم المجلس العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والعربية والدولية، أبرزها مؤتمر "مستقبل الثقافة العربية"، و"الهوية الثقافية والعولمة"، و"تجديد الخطاب الثقافي العربي" عقب غزو العراق عام 2003. وكان الإنجاز الأبرز لعصفور تأسيس المركز القومي للترجمة عام 1995، الذي أصدر نحو ألف عنوان لترجمات كلاسيكية ومعاصرة حتى عام 2006.

يؤكد محمود وخير الله أن تلك الفترة كانت "مرحلة غنية"، إلى جانب فترتي الناقد علي أبو شادي (2007-2009) والدكتور عماد أبو غازي من 2009 حتى 2011.

في مداخلة تلفزيونية، وصف وزير الثقافة، الدكتور أحمد فؤاد هنو، اللجنة العليا للمجلس بأنها "مجلس حكماء"، مشيرًا إلى أنها تضم أعضاء أصغر سنًا مثل الدكتور ميسرة عبدالله والمهندس زياد عبد التواب. لكنه لم يذكر سوى اسمين فقط، واعتبر أن الجدل ناتج عن "خلط" بين اللجنة العُليا واللجان النوعية البالغ عددها 24 لجنة و360 عضوًا، التي تضم شبابًا منوط بهم إقامة الندوات ووضع توصيات السياسات الثقافية.

استغرب خير الله رد الوزير، قائلًا: "كيف يرى دكتور هنو الأمر عاديًا وهو في سن 56 عامًا؟!"، مشيرًا إلى أسماء مثل أحمد عبد المعطي حجازي، الذي تساءل عن "آخر ديوان شعري له؟"، والمخرج علي بدرخان البالغ 79 عامًا.

لا يقتصر سخط المثقفين على أعمار الأعضاء، بل يرون أن المجلس فقد جدواه، إذ تحول دوره إلى منح جوائز الدولة فقط. وأشار محمود إلى توقف المجلس عن إقامة الأنشطة والندوات منذ عام 2021 خلال جائحة كورونا، إذ أصبحت الندوات تُبث إلكترونيًا عبر صفحة المجلس على فيسبوك، ولم تعد اللجان النوعية تؤدي دورها. واستند محمود إلى تجربته كعضو سابق في لجنة التاريخ، مؤكدًا أن اللجان تعاني من الجمود وتقتصر على أنشطة مكررة مثل "ندوة في ذكرى حرب أكتوبر والتي يُقال فيها كلام مكرر فقط"، وقد استقال من اللجنة بسبب ذلك الجمود.

وأكد الدكتور سعيد المصري، الأمين العام السابق للمجلس (2018-2019)، أن اللجان النوعية اقتصرت على إقامة الندوات دون طرح تصورات للسياسات الثقافية، موضحًا أن دور المجلس أصبح استشاريًا فقط دون متابعة تنفيذ السياسات، على عكس المجلس الأعلى للجامعات. وأرجع صورية المجلس إلى استقلالية الكيانات الثقافية مثل دار الكتب والهيئة المصرية العامة للكتاب وقطاع الفنون التشكيلية وحتى دار الأوبرا، حيث يبقى وزير الثقافة بمثابة حلقة الوصل فيما بينها.

المجلس فقد جدواه، إذ تحول دوره إلى منح جوائز الدولة فقط

الدكتور سعيد المصري هو أحد الأعضاء الجدد ويرى أن الانتقادات التي وجهت للتشكيل الجديد للمجلس غير مبررة، معتبرًا أن وضعية المجلس نخبوية، ودوره استشاري وليس تنفيذيًا، وأن تراكم الخبرات العلمية المعرفية والفنية والأدبية لأعضاء الهيئة العليا للمجلس ضروري. ومع ذلك، فإن التركيب العمري لعضوية المجلس تغيرت منذ 2011، حيث سبق لكبار المثقفين أن خرجوا من تجديد تشكيل المجلس لأسباب تتعلق بظروفهم الصحية مثل الفنان التشكيلي آدم حنين والروائي بهاء طاهر، والمفكر مراد وهبة، والمعماري دكتور إسماعيل سراج الدين مؤسس ومدير مكتبة الإسكندرية الأسبق، والشاعر فاروق جويدة، وتم إحلال أسماء أخرى أصغر عمرًا محلهم.

ويرى المصري أن الحملة الاعلامية الراهنة ضد تشكيل المجلس تمثل حالة من تمرير الضغوط الاجتماعية والتنفيس، ولا يستبعد أن تكون تلك الحالة مؤشرًا على فتح جزئي في المجال العام لأول مرة منذ سنوات لنقد حكومة أوشكت على الرحيل وتشكيل حكومة جديدة محلها بعد انتخابات مجلس النواب. مما يفسر في رأيه جانبًا من أسباب الهجوم المتكرر على وزير الثقافة منذ توليه مهام منصبه في محاولة للتأثير على إرادته في اتخاذ القرار، بحسب قوله.

واللافت أن إعلان التشكيل الجديد يحدث كل عامين، ولم يسبق للمثقفين انتقاد أعضاء المجلس بهذه الحدة. ويقول خير الله: "ربما كان بعض الأعضاء سابقًا كبار السن، لكن هذه المرة الغالبية تجاوزت السبعين والثمانين عامًا".

واقترح محمود وخير الله اختيار قائمة متوازنة تمثل مجالات الفن التشكيلي والشعر والأدب والفكر والمسرح، مثل الروائي إبراهيم عبد المجيد، والمخرج المسرحي عصام السيد، والسينمائي يسري نصر الله، والتشكيلي محمد عبلة، مع ضرورة أن يمتلك المجلس سلطة مستقلة لمراقبة أداء الوزارة، وأضاف خير الله أن الأعضاء "يجب ألا تتجاوز أعمارهم 55 عامًا".

كلمات مفتاحية
محمود السعدني

"حارة هذا الرجل".. كيف أعاد محمود السعدني كتابة التاريخ من منظور المهمشين والفقراء؟

ما يجعل محمود السعدني مختلفًا، هو أنه اعتبر أن رحلة كل مهمش وصايع وصعلوك جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من تاريخ مصر، ومن الكم والكيف الخاص بها

الكاتب ثيليسون أورليان

سحب رواية من سباق "غونكور".. الذكاء الاصطناعي يطعن في مصداقية الأدب

وجدت أكاديمية "غونكور" نفسها في قلب جدل ثقافي وتقني واسع، بعد قرار استثنائي بسحب رواية "إما هذا أو الموت"، على خلفية اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الرواية

زنجبار، تنزانيا - ألترا صوت

العرب الذين ابتلعهم المحيط.. حكاية مملكة زنجبار المنسية

كان المجتمع الزنجباري خليطًا من العرب والأفارقة والشيرازيين والهنود، وكانت الهويات أكثر تداخلًا مما توحي به التقسيمات اللاحقة.

كأس أمم أفريقيا
رياضة

نهائي أمم أفريقيا أمام "كاس".. هل يبقى اللقب في المغرب أم يعود إلى السنغال؟

النتيجة النهائية ستحدد ما إذا كان لقب أمم أفريقيا سيبقى للمغرب استنادًا إلى قرار "كاف"، أم أن "كاس" ستلغي القرار وتعيد الاعتبار إلى النتيجة التي انتهى إليها النهائي على أرض الملعب

النفط
أعمال

هامش الأمان يتقلّص.. العالم يقترب من استنزاف مخزونه النفطي الاحتياطي

أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية النفطية لا تزال موجودة عالميًا، والجزء الأكبر منها غير متاح عمليًا للاستخدام الفوري

نوبل
علوم

جائزة نوبل للكيمياء.. عالمان يحلان لغزًا عمره أكثر من قرن

فاز العالمان الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

تصاعد مقلق.. الذكاء الاصطناعي يوسّع إنتاج مواد الاعتداء على الأطفال

لا تكمن المشكلة في كمية المحتوى وحدها، بل في سهولة إنتاجه وتعديله باستخدام أدوات أصبحت متاحة على نطاق أوسع