من جهاز سيادي إلى أداة سياسية: نتنياهو يجرّ "الشاباك" إلى معركته الشخصية
16 ابريل 2025
في أزمة جديدة تهز المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تكشف قضية التسريب الأخيرة من جهاز "الشاباك" عن تصدّع داخلي غير مسبوق، يعكس صراعًا حادًا بين سلطة سياسية يحكمها اليمين المتطرف تتجه نحو الشعبوية، ومؤسسة أمنية تحاول "الحفاظ على استقلاليتها".
ففي الوقت الذي يُتهم فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو باستغلال الأزمة لتصفية حسابات داخلية، تتسع الفجوة بين النخب التقليدية وأطراف اليمن الحاكم، ما يدفع مراقبين إلى التحذير من انزلاق إسرائيل نحو حالة من التفكك المؤسسي، وتحولها فعليًا إلى "دولتين داخل دولة واحدة".
تقول "هآرتس" لفهم هذا الانقسام، لا بد من الرجوع إلى السياق السياسي والأمني الذي أعقب هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر
ضابط يزعزع جهاز الأمن العام
تدور فحوى المعلومات المسرّبة حول تعليمات أصدرها رئيس جهاز الشاباك، رونين بار، تقضي بفتح تحقيقات تطال شخصيات سياسية من التيار اليمين المتطرف، وهو ما أثار غضب وزراء هذا التيار.
في قلب القضية يقبع الضابط "أ" من جهاز الشاباك، الذي اعتُقل قبل أسبوعين واعترف بتسريب معلومات سرية دون ترخيص إلى وزير بالحكومة وصحفييْن محسوبين على اليمين. وتشمل التسريبات وثائق مرتبطة بتحقيقات داخلية بشأن أحداث السابع من تشرين الثاني/أكتوبر، وكذلك معلومات حول تغلغل "الكهانية"، نسبة إلى أنصار الحاخام العنصري مائير كهانا، مؤسس حركة "كاخ" الإرهابية، في جهاز الشرطة.
📌 في قلب الأزمة السياسية المتفاقمة التي تعصف بإسرائيل منذ أكثر من عام، برز مصطلح "الدولة العميقة" كأحد أبرز أدوات الخطاب السياسي لحكومة بنيامين نتنياهو، التي دخلت في صدام مفتوح مع "مؤسسات الدولة"، وعلى رأسها الجهاز القضائي والأمني.
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) April 13, 2025
📌 وفقًا لمقال تحليلي نشرته صحيفة "يديعوت… pic.twitter.com/Uq5xt2NwGc
تبرير التسريبات بالحجج الشعبوية
ورغم أن تسريب المعلومات السرية يُعد جريمة جنائية وفق القانون الإسرائيلي، حاول الضابط تبرير فعلته بأنها تهدف إلى "تنبيه الجمهور إلى معلومات مهمة"، بينما قال محاميه إن ما قام به يصبّ في صميم "الحق الديمقراطي في المعرفة". هذا التبرير لقي ترحيبًا من معسكر اليمين، الذي سارع لتوظيف الفضيحة في مهاجمة المؤسسة الأمنية، متهمًا جهاز "الشاباك" بالانحياز لما يسمّى "الدولة العميقة"، في وقت تسعى فيه حكومة نتنياهو إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية بما يخدم أجندتها السياسية.
وبحسب صحيفة "هآرتس"، فإن هذا النوع من التبرير يُعد من الأدوات الأكثر فاعلية لدى اليمين الشعبوي، إذ يُصوَّر أي انتهاك وكأنه مبرَّر لأن الطرف الآخر ارتكب ما هو أسوأ، سواء أكان حقيقيًا أو متخيلًا.
نتنياهو يتجاهل رئيس "الشاباك"
وفي خطوة غير مسبوقة تعكس التصعيد، امتنع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن إشراك رئيس جهاز "الشاباك" في جولة ميدانية على حدود غزة، كما ألغى جلسة الكابينيت المخصصة لبحث تطورات الحرب وصفقة تبادل الأسرى، بعد رفض الوزير اليميني المتشدد، بتسلئيل سموتريتش، الحضور إلى جانب رئيس الجهاز رونين بار. هذا التصعيد لا يُفهم إلا في إطار رغبة نتنياهو في تهميش كل من لا يدين بالولاء الكامل له، خاصة مع تصاعد دعوات داخل جهاز الأمن لإجراء مراجعة شاملة لأداء الحكومة خلال السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
هجوم حكومي وتواطؤ سياسي
في هذا السياق، كثّف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير هجومه على "الشاباك"، داعيًا الإسرائيليين إلى تقديم الشكر للضابط المسرّب، متهمًا أطراف أمنية وقضائية بمحاولة "تلفيق ملفات" له ولعدد من المسؤولين الآخرين.
بينما جدّد حزب الليكود هجومه على الجهاز قائلًا: إن "أجزاء من الشاباك تحوّلت إلى ميليشيا خاصة تابعة للدولة العميقة". هذه التصريحات تشير إلى أن المؤسسة السياسية لم تعد تنظر إلى جهاز "الشاباك كجهاز دولة مستقل"، بل كمؤسسة يمكن تطويعها أو شيطنتها حسب مقتضيات المرحلة.
📌 في توقيت مثير للشك، وبينما كانت إسرائيل تُعد لهجوم عسكري واسع على قطاع #غزة، نتنياهو إقالة رئيس جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" رونين بار. لم تكن هذه الخطوة مدفوعة بأسباب أمنية بقدر ما ارتبطت بحسابات سياسية، وفقًا لتقرير جديد أعده الصحفي رونين برغمان في صحيفة "يديعوت أحرونوت".… pic.twitter.com/PH4mWJ1gkn
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) March 21, 2025
ردود فعل قانونية وإعلامية
ردود الفعل لم تتوقف عند حدود الحكومة والمعارضة، بل وصلت إلى شخصيات أكاديمية وقانونية بارزة. فقد اعتبر المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس"، عاموس هارئيل، أن القضية تشكل ضربة قاصمة لـ"الشاباك"، وتخدم نتنياهو في تحويل الأنظار عن إخفاقاته في غزة وفضائحه الشخصية. أما معلق الشؤون القضائية في الصحيفة، مردخاي كرمنتسر، فشدد على أن التسريبات تمثل "ضربًا للركائز القيمية للدولة"، محملًا الحكومة مسؤولية هذا الانفلات، ومطالبًا بلجنة تحقيق مستقلة لكشف الملابسات كاملة.
من جانبها، وصفت الكاتبة السياسية في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، أريئيلا هوفمان، المسرّب بأنه ليس بطلًا ولا كاشف فساد، بل شخص تحركه دوافع سياسية خطيرة. وتساءلت: "كيف يمكن القبول بأن يتحول جهاز أمني سيادي إلى ساحة لتصفية الحسابات بين السياسيين؟". هذه التساؤلات تفتح الباب أمام مراجعة أوسع لدور الأجهزة الأمنية في المشهد السياسي الإسرائيلي.
كما يعكس الكاريكاتير الذي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، موقف المعسكر المعارض لنتنياهو، حيث يظهر الأخير محاطًا بالوزراء، وهو يقول: "نحن على بعد خطوة من تفكيك الشاباك"، في سخرية من تصريحه السابق، قبل عام، حين قال: "نحن على بعد خطوة واحدة من النصر المطلق وتدمير حماس".
جذور المواجهة
تقول "هآرتس" لفهم هذا الانقسام، لا بد من الرجوع إلى السياق السياسي والأمني الذي أعقب هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر. فعقب ذلك الهجوم، بدا أن نتنياهو ورونين بار يتعاونان بشكل معقول. فقد كان نتنياهو في أضعف حالاته داخل الليكود، وكان العديد من أقطاب اليمين يخططون للتخلص منه بعد انتهاء المهمة العسكرية.
بحسب رئيس تحرير صحيفة "هآرتس" ألوف بن، يسعى نتنياهو لتحويل "إسرائيل" إلى دولة ديكتاتورية دينية وقومية، مستفيدًا من دعم إدارة ترامب اللامحدود.
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) March 21, 2025
اقرأ أكثر: https://t.co/WqY1wZMHsc pic.twitter.com/A4mhDvvqA2
ومع امتناع نتنياهو عن إبرام أي صفقة تبادل أسرى، أو إنهاء الحرب، وتقربه من أقصى اليمين داخل حكومته، عاد إلى واحدة من أدواته المفضلة: "خلق عدو جديد وتوجيه آلة التحريض نحوه".
كان رونين بار هدفًا مثاليًا. فمن جهة، يشغل موقعًا محوريًا يمكن تحميله مسؤولية "فشل 7 أكتوبر"، ومن جهة أخرى، بدأ يتخذ مواقف مستقلة ويفتح تحقيقات داخلية تشير إلى "مسؤولية الحكومة – ونتنياهو تحديدًا – عن تقوية حماس وإبقائها في السلطة، مما ساهم في الوصول إلى الكارثة الأمنية"، وفق قوله.
بحسب مصادر مقربة من نتنياهو، فإن الأمور انقلبت نهائيًا عندما أدرك الأخير أن نتائج تحقيقات "الشاباك" الداخلية قد تُحمّله مسؤولية مباشرة عن ما حدث في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وهو ما وضع الطرفين في مسار تصادمي مباشر.
كما تشدد أصوات داخل المؤسسة الأمنية أن "السبب الجوهري في الانهيار الذي حدث في السابع من أكتوبر لم يكن أمنيًا فقط، بل سياسيًا بامتياز، نتيجة رهانات خاطئة على احتواء حماس والانقسام الفلسطيني". وبدل أن تعترف الحكومة بفشلها، تمضي في مسار استهداف "حراس البوابة"، وعلى رأسهم جهاز "الشاباك"، لتأمين نفوذها. وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسات الأمنية، وإذا ما كانت إسرائيل قادرة على استعادة توازنها الداخلي في ظل هذه الانقسامات.
انقسام يهدد إسرائيل
ويجمع مراقبون على أن ما يجري يعكس أزمة تهدد إسرائيل من الداخل، إذ لم تعد الانقسامات مجرد خلافات حزبية، بل شروخًا عميقة بين نخب تقليدية وأخرى صاعدة، بين نخبة أمنية علمانية وأجهزة سياسية يمينية متطرفة تسعى لإعادة هندسة بنية الدولة، وإخضاع مؤسساتها لولاء شخصي وسياسي. ويذهب البعض إلى أن ما يحدث اليوم يذكر بإسرائيل ما قبل اغتيال رابين، حين تحولت لغة التحريض إلى أدوات فاعلة في يد الحكم.
المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية: يُمنع على نتنياهو تعيين رئيس جديد لجهاز الشاباك أو حتى عقد مشاورات لبحث ذلك. pic.twitter.com/rUKhQZvuCo
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) March 21, 2025
إسرائيل 2025: "أكثر تطرفًا وأقل ديمقراطية"
هذا الواقع يعيد إلى الأذهان تحذير الرئيس الإسرائيلي السابق رؤوفين ريفلين قبل سنوات، حين قال إن "الانقسام الداخلي بين القبائل الإسرائيلية أخطر من التهديد النووي الإيراني". ومع كل يوم يمضي، يبدو أن إسرائيل تسير باتجاه تعميق هذه الفجوة، خاصة مع صعود اليمين المتطرف وسيطرته على مفاصل الحكم.
في هذا السياق، يقول محللون إن "إسرائيل تتجه نحو المزيد من التطرف، مقابل تراجع الديمقراطية والشفافية"، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تعطيل صفقة التبادل مع حماس، واستمرار الحرب رغم الضغوط الداخلية، كل ذلك في ظل قيادة متهمة بالفساد والعجز السياسي. ويرى كثيرون أن هذا المسار "لا ينذر فقط بأزمة مؤقتة، بل بتحول بنيوي في طبيعة الدولة نفسها".
بداية التشظي
يلفت محللون إلى أن أزمة التسريب كشفت مدى انحدار بنية الحكم في إسرائيل التي باتت أقرب ما تكون إلى "دولتين داخل دولة"، واحدة تمسك بـ"مؤسسات الأمن والقانون"، وأخرى تقودها أجندات أيديولوجية متطرفة، لا تتورع عن تحطيم ما تبقى من "إجماع وطني". في هذا المناخ، تبدو إسرائيل، كما حذر بعض قادتها السابقين، وكأنها تتفكك من الداخل، لا بفعل تهديد خارجي، بل بسبب الصراع على "هوية الدولة، واحتكار الحقيقة، والسلطة، والسلاح".





