من جنوب الجزائر إلى شماله.. سفر في أحضان المرض

من جنوب الجزائر إلى شماله.. سفر في أحضان المرض

مسافة طويلة يقطعونها وكلهم أمل في إيجاد "الوصفة السحرية" للمرض (فايز نورالدين/أ.ف.ب)

"رحلة الجنوب نحو الشمال، رحلة مضنية ومتعبة ومرهقة في الجزائر لكنها ضرورية"، تقول حياة، 42 سنة، لـ"الترا صوت"، فعند موعد العلاج الكيميائي، تضطر حياة للتنقل إلى العاصمة الجزائرية انطلاقًا من محافظة تندوف الجنوبية (2200 كيلومترًا)، إنه "موعد مع العذاب"، تضيف حياة.

بين الجنوب والشمال رحلة طويلة، مسافة يقطعها الكثيرون بهدف ارتياد مستشفيات العاصمة الجزائرية، وكلهم أمل في إيجاد "الوصفة السحرية" لأمراضهم

إرهاق شديد ومعاناة تعيشها السيدة حياة وغيرها من أبناء الجنوب الجزائري للبحث عن علاج شاف، رغم وجود مراكز للصحة العمومية (حكومية) في الجنوب إلا أنهم يواصلون العلاج في المؤسسات الاستشفائية في المدن الكبرى وخاصة في العاصمة الجزائرية. تقول حياة إن "اللهث وراء زيارة الطبيب العام أصبح مثل انتظار قطار لن يصل اليوم ولا غدًا"، مضيفة أن "خيبتها الكبرى تكون عند انتظار طبيب متخصص"، فهم يعدون على أصابع اليد في مدينة "تندوف" في أقصى الجنوب الغربي للجزائر، وهو ما يدفع بالكثيرين إلى السفر نحو العاصمة الجزائرية وتجريب حظهم في الحصول على موعد وإجراء فحوصات معمقة خصوصًا إن كان المرض من الأمراض المزمنة أو الخطيرة.

اقرأ/ي أيضًا: غياب العلاج التلطيفي.. ألم المغاربة الصامت

العلاج في المدن الجنوبية الجزائرية دائمًا يكون "منقوصًا" بحسب حياة، فهي اكتشفت مرض السرطان في بداياته قبل خمس سنوات، لكن الظروف المناخية السيئة ونقص وسائل العلاج والإمكانيات المتدنية في بعض المستوصفات، دفعتها إلى اللجوء إلى مركز علاج السرطان "بيار ماري كوري" بمستشفى "مصطفى باشا الجامعي" بقلب العاصمة الجزائرية، ومن حسن حظها أنها وجدت مكانًا في المركز وهي تعالج دوريًا ولأشهر حتى لا تتحمل عبء السفر نحو مدينتها والعودة من جديد في موعد علاج آخر.

بين الجنوب والشمال رحلة طويلة، مسافة يقطعها الكثيرون بهدف ارتياد مستشفيات العاصمة الجزائرية، وكلهم أمل في إيجاد "الوصفة السحرية" لأمراضهم وكأنهم ينتقلون "من النار نحو الجنة"، لكن الجنة "سلعتها غالية"، بحسب سكان الجنوب الجزائري. عبد القادر، 45 سنة، أحد هؤلاء قال لـ"الترا صوت": "هذا عذاب مفروض علينا" وهو يقص حكايته المؤلمة عندما اكتشف مرض ابنه الصغير، وبدأ يلهث وراء علاجه من داء الفشل الكلوي بمصحة الأطفال بمستشفى "بني مسوس" بالعاصمة الجزائرية.

يتذكر المتحدث اليوم الذي زار فيه هذا المستشفى، "كان يومًا مظلمًا"، هكذا يتذكره. يتذكر أيضًا كيف كانت رحلة الذهاب والعودة نحو قسم علاج الفشل الكلوي الخاص بالأطفال، فبعدما قطع 820 كيلومترًا من مدينة "عين صالح" بالجنوب الجزائري، تلقى استشارة طبية للعلاج عند أخصائيين في هذا المستشفى بالعاصمة، كان الخبر بالنسبة له كالصاعقة، لكن علاج فلذة كبده تحتم عليه، ما أسماه "السفر نحو المجهول"، خاصة وأنه لا يعرف أي شخص في هذه المدينة الكبرى، على حد تعبيره.

يقول عبد القادر إنه "وجد صعوبات منذ خروجه من محطة الحافلات بمنطقة "الخروبة" بقلب العاصمة نحو مركز علاج أمراض الكلى بالمستشفى، فبالإضافة إلى عذاب التنقل في المواصلات العمومية، يضطر لانتظار موعد مقابلة الطبيب ودوره في طابور لا يكاد ينته.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائريون في رحلة بحث عن الإنجاب

حالات كثيرة تئن مرتين في الجزائر، الأولى بسبب المرض، أما الثانية فبسبب المسافة التي يقطعها المرضى للوصول إلى مقر العلاج الحكومي

حالات كثيرة تئن مرتين في الجزائر، الأولى بسبب المرض، أما الثانية فبسبب المسافة التي يقطعها المرضى للوصول إلى مقر العلاج الحكومي، بينما البحث عن علاج شاف في المراكز الخاصة يعد ضربًا من ضروب الجنون. يقول إسماعيل، الذي يعاني من داء الربو والحساسية بسبب سكنه في منطقة صناعية بمنطقة "حاسي مسعود" وهو ليس المريض الوحيد في أسرته بل يعاني هو وجميع أولاده، إنه "تجرع الكثير من المعاناة بسبب المرض المزمن وعلاجه" .

مأساة حقيقية واجهتها السيدة حليمة، 38 سنة، عندما فقدت جنينها وهي في الطريق من "تندوف" نحو "بشار"، والمسافة بينهما تقدر بـ(1100 كيلومترًا). "وصولها إلى عيادة التوليد وأمراض النساء جاء متأخرًا إضافة إلى تعب شديد تعرضت له خلال السفر مع ارتدادات الحافلة التي كانت تقلها"، يقول الزوج وهو يتحسر على ابنه الجنين الذي فقده بسبب انعدام وسائل التوليد القيصرية في مدينة "تندوف"، كما أن حالة الزوجة تدهورت لأنها أصيبت بارتفاع الضغط الدموي وهو ما تطلب الإسراع في إنقاذ حياتها.

بعيدًا عن العلاج والبحث عن مسكن للآلام، تبقى معاناة الجزائريين في الجنوب الجزائري مع المرض معاناة كبرى، يصفها المتابع للشأن الاجتماعي في الجزائر سمير علاق بـ"الواقع المؤلم" بالرغم من المخصصات المالية التي تقول الحكومة الجزائرية إنها رصدتها من أجل تحسين الوضع الاجتماعي والصحي في المناطق الجنوبية، وتنمية المناطق النائية في قلب الصحراء الجزائرية، مؤكدًا لـ"الترا صوت" أن "سكان الجنوب يعانون بسبب سوء التسيير في التغطية الصحية، خاصة وأن الكثافة السكانية في الجنوب غير متكافئة وموزعة عبر قرى بعيدة المسافات عن مقرات المحافظات وهو ما يجعل وصول المرضى إلى مركز العلاج من الصعب بمكان".

بلغة الأرقام، رصدت وزارة الصحة الجزائرية خلال العشرية الأخيرة، أزيد من 70 مليار دينار أي ما يعادل 850 مليون دولار أمريكي في تحسين الخدمات الصحية عبر محافظات البلاد، وبخاصة في مناطق الجنوب، وذلك لبناء عدة مستشفيات ومراكز للصحة المدعومة من طرف الحكومة، فضلًا عن سكن لموظفي الصحة، بهدف تدعيم الطاقم الطبي بالجنوب الجزائري بأخصائيين إلا أن عزوف المختصين عن العمل في الجنوب، من جهة، ونقص الهياكل والأدوية والمرافق العلاجية، من جهة ثانية، دفع بالحكومة إلى الاستعانة بأطباء من كوبا والصين خاصة في الجنوب الجزائري.

اقرأ/ي أيضًا:

تونسية شابة تقدم أملًا جديدًا لمرضى الزهايمر

كل شيء مهم عن فيروس زيكا