من توم؟ من جيري؟

من توم؟ من جيري؟

في الميديا نصوص، فيديوهات، مقالات، تسجيلات، أفلام، طويلة، قصيرة، جميلة، أو كالمرثية. ولكن لطالما كان الإعلام البديل المنبر الحصري لبث كل ما هو حقيقي ومزيّف ليمتزج وضع الحدثين ويُصنع أخيرًا المقال الذي سيُشعل صفحات الموقع الإلكتروني المعروف بسباقاته الصحفية الرديئة.

نحن نعيش في عصر المواقع الإلكترونية التي لا يهمها شيء سوى زحمة القراء. حتى لو كان القارئ سيشتم رئاسة التحرير، لا يهم. ما يهم اليوم، هو المردود المادي على زحمة الإنترنت

في تلك الظاهرة الجنونية حربًا تُشبه المسلسل الكرتوني الأمريكي الشهير "توم وجيري"، ولكن تلك المرّة بلا قطط وفئران. بأشكالٍ بشرية كاملة التكوين. منتسبين إلى النقابة. يحملون بطاقاتٍ صحافية ويستعملونها في ما لا شأن لهم ولا عمل على الإطلاق. أرباب عملهم لا تهمهم خبرتهم أو حنكتهم بالفكرة الصحافية قبل ممارسة الصحافة. أو بكلماتٍ أخرى، نحن نعيش في عصر المواقع الإلكترونية التي لا يهمها شيء سوى زحمة القراء. حتى لو كان القارئ سيشتم رئاسة التحرير، لا يهم. ما يهم اليوم، هو المردود المادي على زحمة الإنترنت.

حاز موقع ليبانون فايلز على رتبة أسوأ موقعٍ إخباري لبناني، حسب رأيي الشخصي. وبعد أن قام الموقع بتحرير مقالٍ عن الفحشاء والخبثاء وعبدة الشياطين الذين يسهرون ليلًا ونهارًا بخدمة إقلاق راحة الغابات الاستوائية الشاسعة اللبنانية. وكأن السياحة كانت لتكون في وسط البلد. يقوم هذا الموقع بتشويه سمعة جيلٍ يُعتبر غريب بأكمله بمواجهة الجيل الأسبق الذي ما زال يُسارع ليحتوي ولي عهده الـ "مختل عقليًا".

اقرأ/ي أيضًا: لبنان..هل أصبح "المستقبل" من الماضي؟

هذا الكلام شاعري. ولكن الحقيقة على الأرض هي أن في لبنان ظاهرةً جميلةً شبابيةً تتضمن مجموعاتٍ موسيقية وفنيّة تجتمع في الغابات قرب الأنهر. في تلك الحفلات موسيقى صاخبة أحيانًا وموسيقى هادئة أحيانًا أخرى. في تلك الحفلات أيضًا المرح والفرح إن كان بالطبيعة أو بالمخدرات. هل مجموعة شبابية وإن كانت تُدخن الحشيشة تُعتبر مصدر تهديد للمجتمع؟ أي مجتمع؟ البراري؟ حيث لا نفس بشري؟ صدقني يا أيها الصحفي الاستقصائي المتلصص على الحفلات الخاصة، هذا الذي يرقص سكرانًا في البراري وحده الذي يحق له بأن يفرح ضمن خصوصيته الذي يحددها في الطبيعة. لا أطفال أو عجز أو ما شابه من مقومات الضعف الاجتماعي حيث "يزني" هذا الشخص في الأدغال. والفتاتان اللتان تتبادلان القُبل في عرض البحر بعيدًا عن الأعين تحتاجان للوقت وحدهما. لمَ المقال؟ لم "بالصورة" و"بالفيديو"؟ لمَ لا نتقبل طبيعة عيشنا بسلام. أنت أيها الصحفي الأصفر، أقل الكائنات احترامًا. أنت أيها الصحفي الأصفر، أنت أخطر الكائنات.

وفي الحديث عن الخطر الذي يُحاوطنا إعلاميًا، فإن لم تكن الحالة تقتضي بنقد الإعلام اللبناني بموازاة نقد ما ينقله الإعلام. وأهم شخصيات الموسم هو وزير الخارجية اللبنانية "جبران باسيل" الذي لم يفشل حتى الآن بتشويه سمعته المهنية في كل وزارةٍ استلمها حتى اليوم. وآخر أعماله تغريدةٍ لا تليق بوزير خارجية على موقع تويتر تقول: "تكلمت مع عدة دول ومنظمات دولية سابقًا، وحاليًا خلال وجودي في الأمم المتحدة، وزادت قناعتي أن تصريف التفاح يكون بإلزام منظمات النازحين بشرائه".

الوزير نفسه الذي صرح منذ أيام أيضًا بأنه يدعم المرأة بحق منح الجنسية لزوجها وأولادها، إلا إذا كانوا من الجنسية السورية أو الفلسطينية. الوزير الذي يأتي من تيارٍ سياسي يؤمن بأن قائده "ميشال عون" عليه أن يكون المرشح التوافقي لرئاسة الجمهورية اللبنانية. التيار الذي سيؤمن بأجياله المستقبلية بأن "جبران باسيل" حين يصبح جدًا، عليه أن يستلم مقعد الرئاسة. التيار الذي سيدفع باسيل ليصبح بعد حين، مجنون سلطة.

في الحديث عن الإعلام ومحتوى الإعلام أسأل نفسي: "من يُطارد من؟ ". ليس واضحًا إن كان الإعلام فقد قيمته الشعبية، بكونه السلاح الأول في تجييش الناس ضد الفساد، فيصبح الإعلام في هذا الوطن كالأخبار والتصاريح التي ينقلها، وبالطبع يقف بمواجهة المشاهدين والقراء.

اقرأ/ي أيضًا:
عيد الجيش اللبناني.. إعلانات لتسويق "الهيبة "
"لا أرى لا أسمع لا أتكلم".. خطة الإعلام المصري