من تفاحة المعرفة إلى بستان تفاح الجمال

من تفاحة المعرفة إلى بستان تفاح الجمال

الجمال في الحضارة المصرية القديمة (Getty)

لأن المرأة وجهُ عملةِ الطبيعة الثاني فقد تعلمت بالمراقبة والمحاكاة كيف تزرع في الأرض بذرتها لتخرج النبات، تراقب الطبيعة وتحاكي فعل الرجل حين يغرس في رحمها "بذرة" النسل فتصير الأنوثة صفة الأرض. مع الخبرة والوقت صارت المرأة تميز النبات الطيب من الرديء والطعم اللذيذ من العلقم فترتقي بذلك معاييرها وأحكامها وتصبح أكثر انتقائية. وبالتأمل -خلال انتظارها عودة الرجل من مطاردة ومصارعة البهائم- صار تتفاهم مع الطبيعة وتتماهى معها؛ فتشم الروائح وتميّز تمازج الألوان وانسجامها وتحفظها وتخلطها. صارت تعرف أن أفضل أوقات الاستحمام في النهر المجاور لها هو انتصاف النهار وتوّسط الشمس صفحة السماء، حيث تضبط صورتها على مرآة الماء الدافئ وتصبح أوضح وأدق ما يكون. بعد أن ثبتت الرجل إلى جانب الأرض التي زرعتها صارت أكثر استقرارًا وثقة بقدراتها، فبدأت تدعو الرجل للنزول إلى الماء معها، تدعك له بيديها فروة رأسه ونواحي جسده. تهذبّه وتعلمه كيف يعتني بنفسه، وتحضّر له خليطًا عطريًا يخلصه من نتانة ما علق به من أثر معاركة الحيوان خلال رحلاته ثم تهبه ما يشتهي الحب والنشوة بعد أن صار نظيفًا.

في الحضارة المصرية القديمة، لم يكن استعمال مستحضرات التجميل حكرًا على النساء أو على طبقة معينة، بل استعملها الرجال أيضًا

تقول الأسطورة الإغريقية: إن "نرسيسوس" كان شابًا وسيمًا التفّت حوله المعجبات، لكنه كان يصدّهن بغطرسة، وكعقوبة لرفضه وقسوته عليهنّ حكمت الآلهة بأن يفتتن هو نفسه بجمال صورته حين تنعكس على صفحة بركة في جبل "هلكون" في اليونان، فأصبح بعدها يستلقي يوميًا بجانب البركة ويحدق بولع في انعكاس صورته على الماء إلى أن خوى جسده وقضى نحبه.

اقرأ/ي أيضًا: تعويذة في مرآة الأنوثة

أما في الحضارة المصرية القديمة، لم يكن استعمال مستحضرات التجميل حكرًا على النساء أو على طبقة معينة؛ بل استعملها الرجال أيضًا من جميع الطبقات بنفس الطريقة ونفس الكم ونفس الاهتمام. فاستعمل كلا الجنسين كحل العيون وألوان الظلال بالإضافة إلى أحمر الشفاه. لم يقتصر الأمر على مستحضرات التجميل والزينة بالعقود والإكسسوارات، بل شمل أيضًا الشّعر المستعار وروتين للعناية بالشّعر والبشرة. وبغض النظر عن الغايات الأخرى لاستعمال الكحل أو العقود المزينة بالأحجار، والتي كانت في الأغلب غايات طبية (كما هو الحال عند استعمال الكحل) أو أسباب تتعلق بالمعتقدات الدينية (كما هو الحال عند استعمال الأحجار الكريمة والوشم)، إلا أن الفراعنة اهتموا إلى حد كبير بانعكاس صورهم وأشكالهم وطريقة تجسيدهم من خلال الرسم أو النحت. وهذا ما ذهب إليه الباحثون حين كشفوا عن الفرق بين التماثيل والرسومات وحقيقة أجسام الملوك الذين تم تجسيدهم. ففي حين تبدو الأجسام مثالية ورشيقة ونحيفة من خلال تلك الرسومات والتماثيل إلا أن أولئك الملوك كانوا في الواقع يعانون من السمنة والبدانة. فهل يعني ذلك أن اهتمام الرجال بانعكاس صورهم وأشكالهم لم يصحبه أي شعور بالعار في ذلك الوقت كما هو الحال في كثير من الحضارات والثقافات اللاحقة للمنطقة نفسها؟

بعد أن تحولت المجتمعات من الأمومية إلى الذكورية، وصار الرجل يحكم سيطرته على الموارد والنساء تغيرت النظرة إلى مفاهيم كثيرة، وعلى رأسها الجمال. وأعرض عن رغبته بالسعي إلى ما هو ثانوي (الجمال) عند مقارنته بالسعي إلى ما هو أساسي (الحروب والمعارك والانتصارات والغنائم). انشغل الرجل بانتصاراته فتغيرت المفاهيم بما يخدم حاجته وشهوته للتوسع والتملك وبظهور الأديان صار الجمال مرتبطًا بالخطيئة والإثم. وصار لا بد من ذكر العفة كلما وصفنا إنسانًا ما بالجمال وكأن الجمال صار تهمة أو إثمًا. ففي الكتاب المقدس/ العهد القديم توصف السيدة مريم بأنها "جميلة كالقمر، طاهرة كالشمس"، وفي الحديث النبوي يحذر النبي محمد أتباعه من المرأة الحسناء التي نشأت وسط تملؤه الخطيئة بقوله "إياكم وخضراء الدمن". أما في قصة النبي يوسف فإن الشاب الجميل تعصمه عفته من الوقوع بالخطيئة مع المرأة الحسناء فيدفع ثمن ذلك سنينًا في سجن مظلم. وتشترك الديانات الإبراهيمية الثلاث بضرورة حجب النساء للجسد والشعر، وأحيانًا الوجه، إخفاءً للجمال ومنعًا للفتنة والوقوع في المعصية.

ظل البحث عن الجمال والصورة المثالية في أحيانٍ كثيرةٍ أمرًا مرتبطًا بالأنوثة، متعارضًا مع الفحولة والخشونة

حتى نهاية القرن الماضي لم يكن اهتمام الرجال بأشكالهم أمرًا شائعًا أو حتى مرغوبًا، فالبحث عن الجمال والصورة المثالية ظل في أحيانٍ كثيرةٍ أمرًا مرتبطًا بالأنوثة، متعارضًا مع الفحولة والخشونة. مع ذلك كان الجمال مادة تطلبها فئات من الرجال وبشكل محدود دون أي مبالغات أو إسراف؛ فلطالما كان للكاريزما سطوتها؛ خصوصًا حينما كان يتعلق الأمر برجال السياسة والأعمال والإعلام والفن.

اقرأ/ي أيضًا: 7 من أغرب قصص الماكياج والتجميل لرؤساء العالم

في عام 1996 استُحدث لقب "ملك جمال العالم" وهو لقب حديث بالطبع عند مقارنته بأول ظهور للقب "ملكة جمال العالم" في عام 1951. فمن أين جاء هذا الاهتمام المتزايد بالجمال عند الرجال؟ وكيف صارت الشركات الكبرى مؤخرًا تقدم مستحضرات تجميلية خاصة بالرجال، ولجميع الطبقات وتراهن بثقة كبيرة على نجاحها؟ وكيف صارت الحِميات والأجسام المنحوتة من أولويات الرجال كما هي عند النساء؟

مع بداية القرن الحالي وظهور مواقع التواصل الاجتماعي، صار الجمال مادة مطلوبة من كلا الجنسين. فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته الأكاديمية الأمريكية لجَراحي تجميل وترميم الوجه أنّ 42 % من الجراحين استقبلوا مرضى أرادوا الخضوع لعمليات تجميلية لتحسين صور "السيلفي" التي يلتقطونها لأنفسهم وصورهم على مواقع التواصل الاجتماعي كسبب رئيسي. أقبل المرضى الرجال بشكل خاص على عمليات تجميل الأنف وتحديد وتضخيم الفك وعمليات شفط الدهون. ومع أن خضوع الرجال لعمليات تجميلية ما زال أمرًا أشبه بالتابو إلا أن الطلب -حسب وكالة رويترز- على تلك العمليات، تزايد بشكل كبير وملفت للنظر منذ عام 2000 ليصل إلى ما نسبته 28 % في عام 2018.

نستنتج من هذا أن الرغبة في الصورة المثالية على مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن محصورة في النساء فحسب، وأن اهتمامًا جديدًا طرأ عند الرجال لا يمكن إغفاله. ولعل ارتباط تلك المواقع بانتشار ظاهرة التنمّر وتعمقها في المجتمعات كان له أيضًا أثره الذي لا يمكن تجاهله.

ارتباط الحديث عن الجمال والانخراط به كمجال للعمل من قبل الرجال وتحقيق ربح مادي معقول من خلال مواقع النشر مثل "يوتيوب" و"إنستغرام" خفف من حدة سلبية النظرة للرجل الذي اختار ذلك كطريقة للكسب. فأشخاص مثل "جيمس تشارلز" و"باترك ستار" و"بريتمان روك" و"غابريل زيمورا" وغيرهم الكثير حققوا أرباحًا خيالية، ومنهم من أصبح مليونيرًا قبل أن يبلغ العشرين من عمره. جميع هؤلاء يتفقون على نقطة واحدة وهي أن استعمال مستحضرات التجميل يجب ألا يكون أمرًا محصورًا في النساء، فلا يُخْجلهم الظهور بأحمر شفاه فاقع أو ظل عيون بلونٍ صارخ أو استحداث نمط تجميلي خاص بالرجال. ولأن النظام الرأسمالي فرض علينا أن نربط النجاح بما يحققه الإنسان من ربحٍ مادي، لن يجرؤ أحدٌ منا على التشكيك بوجهة نظر شخص يتابعه الملايين حول العالم، ويحقق محتواه أكثر من مليار مشاهدة يجني منها ملايين الدولارات؛ فالأرقام تتحدث وتُسكت الجميع أحيانًا!

وبالإضافة إلى ما يسمى بـ"المؤثرين" ظهرت في الآونة الأخيرة فرق غناء كورية حققت نجاحًا باهرًا على مستوى العالم، ولو سألت أي مراهق عن بي تي إس (BTS) مثلا فسيخبرك بالكثير. ولا يخجل أعضاء تلك الفرق من الحديث عما خضعوا له من إجراءات تجميلية كما لم يعد مستهجنًا لمتابعيهم ظهورهم بمساحيق التجميل وألوان شعر فاقعة أحيانًا.

لم ينحصر موضوع اهتمام الرجال بصورتهم وجمالهم بـ "المؤثرين" وفرق الغناء، بل تسلل إلى ملاعب كرة القدم حيث جماهير الذكور العريضة حول العالم

لم ينحصر موضوع اهتمام الرجال بصورتهم وجمالهم بـ "المؤثرين" وفرق الغناء، بل تسلل إلى ملاعب كرة القدم حيث جماهير الذكور العريضة حول العالم؛ فقَصَة شعر "كريستانو رونالدو" وإطلالاته وبروز عضلات جسده حدثٌ يترقبّه ويقلده الكثير من الشباب والمراهقين. والمتابع لأسطورة كرة القدم سيلحظ حجم الاختلاف الذي طرأ على شكله منذ بداية مشواره الكروي وحتى اليوم بعد أن خضع لعدة إجراءات تجميلية وأصبح وجهًا إعلانيًا لعدة شركات. ولابد أن تظهر لك بين الفترة والثانية صور تلفت النظر لبروز عضلات ومثالية جسد "محمد صلاح" أو تسريحة شعره المجعد. والحقيقة أن رونالدو أو صلاح ليسا الأوائل في هذا المجال، فقد سبقهما لذلك "ديفيد بيكهام" نجم نادي مانشستر يونايتد وكابتن المنتخب الإنجليزي السابق، الذي خلقت وسامته سببًا إضافيًا لمتابعته واختياره وجها إعلانيًا لكبرى شركات صناعة الجمال؛ الأمر الذي ساعده لاحقًا للاستمرار في عالم الجمال والموضة كواحد من أوسم الرجال حول العالم. اذًا صار من الطبيعي أن يستوقفنا السؤال هنا: لماذا كانت موهبة ماردونا وبيليه أهم من شكليهما؟ وما الذي طرأ ليجعل لاعبًا محطمًا للأرقام القياسية ومتجاوزًا لكل المواهب التي سبقته في الملاعب -مثل رونالدو- على قدر كبير من الاهتمام بمظهره وقصة شعره؟

اقرأ/ي أيضًا: كيف يُمكن للفن أن يُزور القبيح؟

فإذا كانت نجمات تليفزيون الواقع خلقن طلبًا جديدًا على سلع خاصة بالجمال مثل مشدات البطن ومنتجات تكبير الصدر والأرداف، فإن نجوم ملاعب كرة القدم أوجدوا الطلب على منتجات تضخيم العضلات والأدوية والنوادي الرياضية، بل حتى على الجراحات التجميلية التي تبرز عضلات البطن والصدر.

مما لا شك فيه أن اهتمامات النساء تنعكس بطريقة ما على اهتمامات الرجال؛ ومما لا شك فيه أيضًا أن عمل النساء واستقلالهن الاقتصادي وإقبالهن الحثيث على تحسين صورهنّ غيّر قواعد اللعبة الحديثة، وكان أحد أهم دوافع إقبال الرجل نحو الجمال. فالمرأة اليوم تشارك الرجل بيئة الدراسة والعمل والمواصلات والشارع. وتفرض عليه بلا وعي منه أن يطوّر ذاته وأدواته باستمرار حين يبحث عن "الطريدة" الأسمن. ولأن المرأة استقلت وصار لها عملها وأحيانًا منصبها لم تعد مادة للعرض، يقبلها الرجل أو يرفضها، بل أعادت حقها المغتصب وأرجعت لنفسها ميزة "الانتقاء" وفرضت من جديد معايير اللعبة الأولى. فهل تطعمه حواء اليوم "تفاحة" الجمال كما أطعمته ثمرة المعرفة أو الخلود من قبل؟!

 

اقرأ/ي أيضًا:

أحاديث في الجمال وما ورائياته

عن الفنون في زمن ناطحات السّحاب