06-أكتوبر-2015

اذا اكتشف أمرهم ينفد اللاجئون "خط الغرق" (ماتيج ديفيزنا/Getty)

النّكبة الفلسطينيّة لا تزال تلاحق أهلها الفلسطينيّين أينما وجدوا. تتحوّل النكبة إلى نكبات جديدة متتاليّة منذ عقود في انتظار لعودتهم. هكذا بدأت حكاية الفلسطينيين في الشّتات، منذ  أن تشرّدوا في 1948 نحو المجهول، وهم يحملون وزرهم والذّكريات والأمل بالعودة القريبة. تشرّد اللّاجئون الفلسطينيّون وسكنوا مخيّمات اللّجوء في الدّول العربيّة وغيرها، ليعود مسلسل اللّجوء مرّة ثانيّة  لمخيّم اليرموك. فشباب المخيّم  من الجيل الثّاني أو الثّالث للنّكبة هّجروا مرّة ثانية من المخيّم.

أحمد ــ 26 عامًا، فلسطيني من اليرموك يتذكر قصة جدّه أكثر مما يتذكر قصته. شُرّد جدّه من حيفا وظلّ يحلم بالعودة طوال حياته ولم يعد. يخشى مصيرًا مشابهًا، لكن في اليرموك، لا في فلسطين.. "حينما قُصف بيتنا لم يعد بامكاننا البقاء فهُجّرْتُ مع والدي واخوتي لإسطنبول ودخلنا الأراضي التّركيّة من دون جواز ودون أوراق ثبوتيّة  ليكون طريق الموت هو الطريق الَّذِي نسلكه كي نجتاز الحدود".

بالنسبة لللاجئين البحر أضمن من البر للهرب لأن خفر السواحل لا يعيدون أحدًا

أمّا شادي ــ 25 عامًا، وهو فلسطينيّ آخر نشأ في اليرموك،  فهو في الأصل من قرية صفوريّة، وقد لجأ جدّه إلى سوريا عام ثمانية وأربعين ليتكرّر مسلسل اللّجوء معه ومع عائلته الآن. يتحدّث شادي عن رحلة العذاب الّتي استنزفت طاقته من المخيّم وصولًا لإسطنبول، يتحدّث عن المشوار الطّويل والمخاطر المحيطة ثمن دخوله إلى تركيّا. فرحلة التهريب دامت أكثر من تسع عشرة ساعة متواصلة في البرد الشَّدِيد. من جرمانة حتّى إدلب، كما اجتاز جدّه الحدود سابقًا من فلسطين إلى سوريا. يقول شادي كانت الرّحلة طويلة من حاجز لآخر: تارةً حاجز للنظام وتارةً أخرى حاجز للجيش الحرّ، وأحيانًا حواجز لجبهة النصرة أو داعش... "وكلّ حاجز كان يتفنّن في طرق الاستجواب والسّرقة".

أخذوا الأموال في بعض الحواجز لتمريرنا وقد استولوا على بعض حاجاتهم الشّخصيّة هذا عدا عن الأموال الّتي أودعوها للمهرّب نفسه وهي تزيد عن 250 دولارًا أمريكيًا. وفي النهاية، يلتقط شادي أنفاسه معقبًا: "وصلنا إلى حاجزٍ تابع لجبهة النّصرة حيث استجوبونا، قبل أن نغادر هذا الحاجز متّجهين للأراضي التّركيّة، أي جنوب تركيّا، وكان علينا المضي بطريقة خاصة، كي لا يُفضح أمرنا خاصّة وأنّنا لا نحمل تأشيرة دخول، فالفلسطينيّ السوريّ  يُمنع من أخذ التأشيرة، وهكذا تمّت رحلتنا بنجاح والّتي استمرّت أيضا من جنوب تركيا لإسطنبول سبع عشرة ساعة".

إقرأ/ي أيضًا: تركيا.. اللاجئون في المزاد

ولكنّ الأمرَ لم يتوقّف هنا. فهذان الشابان وكل شباب المخيّم الَّذِين استطاعوا دخول الأراضي التّركيّة بالتّهريب، يرغبان السّفر لأوروبا حيث يتمّ تسجيلهم كلاجئين في أيّة دولة أوروبيّة. اللجوء متواصل. يسمّي شادي هذا: "الحلم الَّذِي نكرهه". فرحلة التّهريب لا تخلو من المخاطر، يكون التّهريب من تركيّا لليونان عبر طريقتين  الأولى  من البحر والثّانيّة من البرّ، ومعظم الشّباب يفضّلون التّهريب بالبحر لأنّها الأكثر ضمانًا، لأنّ خفر السّواحل لن يُرجعوا  أيّ شخص يجدونه في عرض البحر، أمّا في حال تمّ كشفه بالبرّ فالشّرطة بامكانها إرجاعه.

يُعوّل الكثيرون من الفلسطينيين أبناء المخيّم على التّهريب لأنّهم دخلوا الأراضي التّركيّة بطرقٍ غير شرعية بالمعنى القانوني. وهم لا يملكون سبيلًا إلى النجاة غير ذلك. فإذا نجحوا بالهروب عبر البحر  يبقى الأمر مرهونًا بخفر السّواحل. فإذا شاهد خفر السّواحل الهاربين فإنّ هؤلاء سرعان ما  يجهٍّزون "خطّة الغرق". يتظاهرون بالغرق ليتمّ انقاذهم... وحينما ينجحون بالوصول لليونان، يتمّ  من هناك  السّفر والهرب لدولة أوروبيّة ، فيكون الاعتقال أو الموت  نصب أعينهم في كلّ خطوة. لا شيء مضمونًا... اللجوء متواصل.

شادي وأحمد، رغم كل شيء، لديهما حلم واحد في النهاية لم يتوانٓ أيّ واحد منهما بالقول: الرجوع لحيفا، لصفوريّة. فلا يزال أبناء الشّعب الفلسطينيّ يحلمون بالعودة  العودة للأمّ فلسطين وإن تأخّروا عنها ولكنّ عيونهم ترحل إليها. غير أن الطرق إلى القدس، أصبحت شاقة كثيرًا، وإن كانت واضحة، مهما حاول كثيرون تمييعها، وإجبار شادي وأحمد، على السير في "الاتجاه المعاكس".

إقرأ/ي أيضًا: ليس للفلسطيني حتى الريح