من النفط إلى الرقائق الإلكترونية.. الحرب على إيران تضغط على الشركات العالمية
7 مارس 2026
أسفر اتساع مدى الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران موجات صدمة عبر الاقتصاد العالمي، بعدما امتدت تداعيات الصراع سريعًا إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد الصناعية، ما وضع الشركات العالمية أمام مخاطر جديدة تتراوح بين ارتفاع التكاليف وتعطل الإمدادات وازدياد عدم اليقين الاقتصادي.
فمع بداية العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، وتصاعد العمليات العسكرية في المنطقة نتيجة للاعتداءات الإيرانية على دول الجوار، بدأ التأثير يتجاوز حدود المنطقة، ليطال قطاعات صناعية ومالية حول العالم، من شركات الطيران والطاقة إلى شركات التكنولوجيا والإلكترونيات.
أدى التصعيد العسكري إلى اضطراب حركة النقل عبر مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وتباطأت حركة الشحن في المنطقة بشكل كبير مع تزايد المخاطر الأمنية.
كما تأثرت حركة الطيران في أجواء الخليج، حيث اضطرت شركات الطيران إلى تعديل مساراتها أو إلغاء بعض الرحلات، ما أدى إلى زيادة التكاليف التشغيلية وارتفاع استهلاك الوقود.
صدمة في أسعار الطاقة
انعكس التصعيد العسكري بسرعة على أسواق الطاقة، حيث ارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل ملحوظ، ما يهدد بزيادة تكاليف الإنتاج والنقل في مختلف القطاعات الاقتصادية.
كما انعكس ارتفاع أسعار الطاقة على المستهلكين في الولايات المتحدة، إذ بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي 3.32 دولار على مستوى البلاد، مقارنة بـ 2.98 دولار قبل أسبوع فقط، وفق ما ذكرته وكالة "رويترز".
في حال استمرار الصراع أو اتساعه، قد تواجه الأسواق العالمية اضطرابات أكبر في الطاقة والتجارة والصناعة، ما يهدد بزيادة الضغوط التضخمية وإبطاء النمو الاقتصادي العالمي
وحذرت شركات عالمية من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تأثيرات واسعة على سلاسل الإمداد العالمية. وقال يونغ ليو، رئيس شركة Foxconn، أكبر شركة لتصنيع الإلكترونيات في العالم وشريك رئيسي لشركة Nvidia: "إذا استمرت هذه التأثيرات لفترة أطول، فسيبدأ الجميع في الشعور بها".
بدوره قال الرئيس التنفيذي لشركة Campari Group سايمون هانت إن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على جميع القطاعات الاقتصادية.
وأضاف: "في كل مرة ترى فيها ارتفاعًا في أسعار النفط أو الغاز، فإن لذلك تأثيرًا متسلسلًا على كل شركة وعلى كل صناعة".
أوروبا أمام ضغوط جديدة
في أوروبا، تبدو المخاوف أكبر، إذ لا تزال القارة تحاول التعافي من أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
وتشير تقديرات صادرة عن المعهد الألماني للاقتصاد (IW) إلى أن وصول سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الألماني 0.3% هذا العام، وتراجع إضافي 0.6% العام المقبل، وهو ما قد يعني خسارة اقتصادية تصل إلى نحو 40 مليار يورو (46 مليار دولار) خلال عامين.
كما حذر البنك المركزي الأوروبي مخاطر التضخم مع تصاعد الحرب، وقالت إيزابيل شنابل، عضو مجلس إدارة المركزي الأوروبي، إن البنك المركزي لا يزال في وضع جيد رغم تصاعد المخاطر المرتبطة بالتضخم، خاصة مع التوترات الجيوسياسية الأخيرة في الشرق الأوسط.
وأوضحت شنابل في تصريحات نشرها موقع "إنفيستمينت" أن المركزي الأوروبي يراقب عن كثب تطورات أسعار الطاقة، مشيرة إلى أن الحرب في إيران "تخلق مخاطر جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم خلال الفترة المقبلة". وأكدت أن المركزي الأوروبي يركز بشكل خاص على ما إذا كانت صدمة أسعار الطاقة الحالية قد تتحول إلى تأثير طويل الأمد على الاقتصاد الأوروبي.
وشددت عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي على أن البنك يستفيد من الدروس التي تعلمها خلال جائحة كورونا، والتي أظهرت أهمية التحرك بحذر عند التعامل مع الصدمات الاقتصادية الكبرى. وأشارت إلى أن تلك التجربة تدفع المركزي الأوروبي إلى توخي الحذر في تقييم تأثير التطورات الجيوسياسية على الاقتصاد الأوروبي.
الشركات تحاول التحوط من ارتفاع الأسعار
تسعى بعض الشركات إلى تقليل أثر ارتفاع الطاقة عبر استراتيجيات التحوط. فقد قالت المديرة المالية لشركة Reckitt شانون أيزنهاردت إن الشركة قامت بالتحوط لنحو 55% من تعرضها لأسعار النفط والغاز لعام 2026. كما أوضح مسؤولو شركة كامباري أن بعض العقود طويلة الأجل تساعد في تقليل أثر تقلبات أسعار الطاقة.
لكن الصناعات الثقيلة بدأت بالفعل في الشعور بوطأة الأزمة، فقد حذرت منظمة Uniden التي تمثل الصناعات الفرنسية كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والسيارات والزراعة، من أن ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا كان سريعًا وحادًا. وقالت المنظمة إن السعر الفوري للغاز في أوروبا قفز بنحو 80%، ما دفع بعض الشركات إلى إبطاء الإنتاج أو إيقافه مؤقتًا.
شركات الطيران تتكبد خسائر
كما تعرض قطاع الطيران لضربة قوية نتيجة ارتفاع الوقود واضطراب مسارات الرحلات.
وقالت شركة Wizz Air إن الحرب قد تؤثر سلبًا على صافي أرباحها للسنة المالية 2026 بنحو 50 مليون يورو (58 مليون دولار).
وامتدت آثار الحرب أيضًا إلى أسواق المعادن، خصوصًا الألمنيوم، فقد أعلنت شركة ألمنيوم البحرينتعليق بعض الشحنات وتفعيل بند "القوة القاهرة"، بعدما أصبح نقل المعدن عبر مضيق هرمز أكثر صعوبة. كما بدأت شركة Qatalum القطرية لصهر الألمنيوم في تقليص عملياتها.
وتشكل منطقة الخليج نحو 8% من الإمدادات العالمية للألمنيوم، ما دفع الأسعار في بورصة لندن للمعادن إلى الارتفاع، كما ارتفعت العلاوات الفعلية في أوروبا والولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
تهديد لصناعة الرقائق الإلكترونية
كما حذر مسؤولون في كوريا الجنوبية من أن استمرار الصراع قد يعطل إمدادات مواد أساسية لصناعة أشباه الموصلات، وعلى رأسها الهيليوم القادم من الشرق الأوسط. ويعد الهيليوم عنصرًا أساسيًا في تصنيع الرقائق الإلكترونية، ولا يوجد له بديل عملي في العديد من عمليات الإنتاج.
وأثارت هجمات بطائرات مسيّرة ألحقت أضرارًا ببعض مراكز البيانات التابعة لشركة أمازون في كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين مخاوف جديدة بشأن سلامة البنية التحتية الرقمية في المنطقة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الحرب الحالية قد تتحول إلى صدمة جديدة للاقتصاد العالمي، في وقت لم يتعاف فيه الاقتصاد بالكامل من تداعيات الجائحة وأزمات الطاقة والتوترات التجارية.
وفي حال استمرار الصراع أو اتساعه، قد تواجه الأسواق العالمية اضطرابات أكبر في الطاقة والتجارة والصناعة، ما يهدد بزيادة الضغوط التضخمية وإبطاء النمو الاقتصادي العالمي.