من النسور إلى الأفيال.. دليلك لفهم "حديقة حيوان" أمم أفريقيا 2025
8 يناير 2026
"فارد جناحي وطاير مش لاقي صيد يتجاب
فجأة لمحت بعيني على الشجر سنجاب
النسر قال كلمته الليلة فوز مطلوب
هنزل عليك واصطادك سامحني يا سنجوب".
على رسلك قليلًا، فتلك ليست تعويذة سحرية ولا، بل مقدمة أتحفنا بها المعلق الرياضي المصري مدحت شلبي، قبل لقاء منتخب بنين ومنتخب نيجيريا، وهي كما فهمت، بها العديد من الألغاز، فمنتخب نيجيريا يطلق عليه لقب "النسور الخضراء" نسبة لعلم البلاد ولون القميص، وهو هنا، كما يخبرنا الكابتن مدحت، في مهمة خاصة لقنص سنجاب في البرية، فمن هو هذا السنجاب؟
حسنًا، هو منتخب بنين، وقد كان هذا الاسم مثار سخرية طويل، حيث اعتبر الجمهور أن السنجاب حيوان لطيف، وصغير، ولا يمكنه بث الرعب في قلوب الخصوم، ولذلك قرر الاتحاد البنيني في عام 2022، تغيير اللقب رسميًا إلى الفهود، دون أن يعلم الكابتن مدحت شلبي قطعًا بهذا التغيير، أو ربما علم، ولكنه أصر على وضع قافيته، حتى تشتعل المباراة بين منتخب النسور، ومنتخب السناجب.
على كلٍ، فهذه الألقاب ليست مجرد أدوات تسويقية أو ألقابًا صحفية عابرة، بل هي نصوص ثقافية مكثفة تختزل تاريخًا من الصراع ضد الاستعمار، أو احتفاءً بالتنوع البيولوجي الفريد، أو استحضارًا لأساطير تأسيس الدولة نفسها، والتي شكلت الوعي الجمعي لتلك الشعوب، فهيا بنا نستكشف بعضها في كان 2025.
بين شموخ الجبال وأسرار المحيطات
لنبدأ من عند البلد المضيف، المغرب، أو أسود الأطلس، إذ يدخل المنتخب المغربي البطولة تحت لواء "أسود الأطلس"، وهو لقب يتجاوز الدلالة الرياضية ليلامس عمق التاريخ البيئي والسياسي للمملكة.
إذ يشير اللقب إلى سلالة "الأسد البربري" (Panthera leo leo)، التي تميزت عن غيرها من الأسود الإفريقية بضخامة جثتها، ولبدتها الداكنة الكثيفة التي كانت تمتد لتغطي البطن، مما منحها مظهرًا ملكيًا مهيبًا.
ألقاب الفرق الأفريقية ليست مجرد أدوات تسويقية، بل نصوص ثقافية مكثفة تختزل تاريخًا من الصراع ضد الاستعمار، أو احتفاءً بالتنوع البيولوجي الفريد، أو استحضارًا لأساطير تأسيس الدولة نفسها
تاريخيًا، كان السلاطين المغاربة يحتفظون بأسود الأطلس في حدائقهم كرمز للقوة والسلطة والمنعة، واليوم يمثل لقب المنتخب استحضارًا لهذه السيادة المفقودة بيولوجيًا ولكن الحاضرة رمزيًا، حيث تعرضت هذه السلالة من الأسود إلى الإنقراض في منتصف القرن العشرين نتيجة للصيد الجائر، حيث التقطت آخر صورة لهذا الأسد في جبال الأطلس عام 1925 تقريبًا.
ولعل أغرب الألقاب في هذه البطولة هو لقب منتخب جزر القمر، أي "السليكانت"، الذي يحكي قصة علمية مذهلة عن البقاء، فالسليكانت هي سمكة بدائية كان العلماء يعتقدون أنها انقرضت مع الديناصورات قبل 65 مليون سنة، ولكن في اكتشاف هز الأوساط العلمية عام 1938 عثر الباحثون على عينات حية منها تسبح في مياه جزر القمر السحيقة.
ولذلك، فاختيار هذا الكائن لقبًا للمنتخب يعكس فلسفة البعث والصمود، فمثلما نجت هذه السمكة في الظلام والعزلة لملايين السنين، صعد منتخب جزر القمر من مجرد دولة صغيرة معزولة ليثبت وجوده بين عمالقة القارة.
أما ثالث أغرب لقب في البطولة، فهو لقب منتخب مالي، أي النسور، فبينما تختار دول أخرى النسر كرمز عام للقوة، ترتبط "نسور مالي" بإرث إمبراطورية مالي التي حكمت غرب إفريقيا في القرون الوسطى، والنسر في الثقافة المالية يرمز للملك "سوندياتا كيتا"، أي الملك المنحني، وخلفائه الذين وسعوا نطاق نفوذهم ليشمل مساحات شاسعة في وسط وغرب إفريقيا لعدة قرون، نعم يا صديقي، كانت مالي إمبراطورية عظمى تبسط نفوذها على مساحات شاسعة في قديم الزمان، وسبحان من له الدوام.
أما منتخب أنغولا فيتخذ من لقب الغزلان السوداء هوية جامعة الفريق، وهو حيوان نادر للغاية ومستوطن فقط في أنغولا، ويتميز بقرونه الطويلة المقوسة على شكل هلال ولونه الأسود المهيب، هذا الحيوان، مثله مثل الشعب الأنغولي، نجا من ويلات حرب أهلية استمرت عقودًا، وكادت أن تبيده تماما عن بكرة أبيه، وبالتالي يُعد العثور عليه حيًا وسط كل هذا الدمار رمزًا للسلام والاستقرار الوطني، لذا، فإن لقب المنتخب يعد احتفاء بالقدرة على النجاة من الانقراض والموت، وهو ما يعكس روح الفريق القتالية.
صراع الحضارات واللغات
الأمر ليس في الحيوانات والطيور فقط، حيث تجمع هذه المجموعة بين أقدم حضارة في القارة وثقافات الجنوب الإفريقي المتنوعة لغويًا وبيئيًا، مثل من؟ مثل مصر المرتبطة بالهوية الفرعونية، حيث يتمسك المنتخب المصري بلقب "الفراعنة"، وهو لقب يضعه في خانة منفصلة عن باقي منتخبات القارة، فالفراعنة ليسوا مجرد حكام، بل أنصاف آلهة في العقيدة القديمة، وبناة حضارة لا تزال شواهدها قائمة حتى يومنا هذا
وبالتالي فاستخدام هذا اللقب يفرض هالة من الرهبة النفسية على الخصوم، ورغم الهوية العربية والإسلامية لمصر الحديثة، إلا أن اللقب الكروي يصر على استدعاء الجذور القديمة، مما يعكس توظيفًا هامَا للقومية المصرية في المجال الرياضي لتوحيد الجماهير بمختلف انتماءاتهم على هوية واحدة.
وهذا ليس هو المنتخب الوحيد الذي يعيد إنتاج تاريخه، فمنتخب جنوب افريقيا أيضا يعيد إنتاج الهوية التاريخية عن طريق استخدام لقب "بافانا بافانا"، ومعناه في لغة الزولو هو "الأولاد، الأولاد"، وقد ظهر هذا اللقب بشكل عفوي من الجماهير في أوائل التسعينات، عقب عودة جنوب إفريقيا إلى الساحة الدولية بعد سقوط نظام الفصل العنصري.
في البداية كان يُنظر إلى هذا اللقب باعتباره لقبا يفتقر إلى الهيبة مقارنة بالأسود والنسور، حتى أن بعض المسؤولين السياسيين حاولوا تغييره عدة مرات، لكن اللقب صمد بقوة الحب الجماهيري، ليصبح رمزًا للأمل، والشباب المتجدد.
أما منتخب زيمبابوي فيركز على العنصر البشري المقاتل، ويتخذ من لقب "المحاربون" ديدنًا له، وهو لقب يرتبط بتاريخ حروب التحرير ضد حكم الأقلية البيضاء، وبالتالي فهو يعكس العقلية التي لا تستسلم، والصمود أمام التحديات الاقتصادية والسياسية الصعبة التي تعيشها البلاد.
ولديك أيضًا منتخب تنزانيا، والذي يستخدم لقب نجوم الأمة أو (Taifa Stars)، كلمة "Taifa" بالسواحيلية تعني "أمة" أو "شعب"، وترجمته الحرفية هي "نجوم الأمة"، ولهذا دلالة سياسية، حيث تأسست تنزانيا من اتحاد دولتي "تنجانيقا" و"زنجبار"، وبالتالي يلعب اللقب دورًا حاسمًا في تعزيز الهوية الوطنية الموحدة، مع تذكير اللاعبين والجماهير بأنهم يمثلون الأمة بكل أطيافها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن لقبهم السابق كان "نجوم كليمنجارو"، لكن التحول إلى "تايفا" كان لتعميق البعد البشري والسياسي.
ومن الملاحظات الهامة هنا هو غياب منتخب موريتانيا، الملقب بـ "المرابطون"، عن كأس أمم أفريقيا 2025، والذي يشير إلى دولة المرابطين التي انطلقت من صحراء موريتانيا لتوحيد المغرب العربي والأندلس في دولة اسلامية موحدة، وغيابهم يعني خلو البطولة من أحد الألقاب القليلة التي تستند إلى التاريخ الإسلامي، تاركًا الساحة التاريخية للفراعنة في مصر، ونسور قرطاج في تونس.
وفي النهاية، سواء كانوا أسودًا أو أسماكًا أو محاربين، فكلهم في الملعب يسعون لشيء واحد: كتابة تاريخ جديد.