من المغرب إلى المشرق.. دول عربية تقع على خطوط الخطر الزلزالي
15 أغسطس 2026
أعادت سلسلة الزلازل التي ضربت مناطق مختلفة من العالم خلال الأيام الأخيرة الأنظار إلى خطر لا يمكن التنبؤ بموعده. ففي 10 أغسطس/آب، هز زلزال قوي كولومبيا، قبل أن تضرب هزة بقوة 7.7 درجات شرق إندونيسيا في 15 أغسطس/آب، مخلفة قتلى وأضرارًا واسعة. وبينما أثارت هذه الزلازل مخاوف من موجة زلزالية عالمية، يؤكد العلم أن وقوع هزات قوية في مناطق متباعدة لا يعني أن النشاط الزلزالي ينتقل من قارة إلى أخرى، ولا يشكل بحد ذاته مؤشرًا على قرب زلزال كبير في المنطقة العربية.
لكن العالم العربي ليس بمنأى عن الخطر أصلًا. فبحسب تقديرات إقليمية، يعيش أكثر من 30% من سكان المنطقة العربية في مناطق ذات خطر زلزالي متوسط أو مرتفع، فيما تقع مدن ومراكز سكانية عدة بالقرب من مناطق نشطة زلزاليًا بدرجات متفاوتة. لذلك، لا يتعلق السؤال بما إذا كانت المنطقة العربية قد تشهد زلزالًا، فذلك احتمال قائم، وإنما بمدى استعداد مدنها ومبانيها وبنيتها التحتية للتعامل مع هزة قوية عندما تقع.
الخطر لا يتوزع بالتساوي داخل الدولة الواحدة؛ فقد تكون بعض المناطق أكثر تعرضًا من غيرها بسبب قربها من مصادر النشاط الزلزالي وطبيعة التربة والخصائص الجيولوجية المحلية
المغرب والجزائر.. حزام زلزالي في شمال إفريقيا
يظهر شمال إفريقيا بوضوح على خرائط المخاطر الزلزالية، خصوصًا في المناطق الممتدة من المغرب إلى الجزائر وتونس ومصر. ويضم نموذج المخاطر الزلزالية لشمال إفريقيا، الذي طورته مؤسسة Global Earthquake Model، مصادر زلزالية موزعة وفوالق جيولوجية جرى تقييمها اعتمادًا على البيانات الزلزالية والدراسات الجيولوجية وقياسات حركة الصفائح.
ويكتسب المغرب أهمية خاصة بعد زلزال الحوز المدمر عام 2023، الذي أعاد إلى الواجهة حقيقة أن المناطق التي لا تشهد نشاطًا زلزاليًا متكررًا بالضرورة يمكن أن تتعرض لهزات شديدة ومدمرة. وتقدم مؤسسة GEM ملفًا خاصًا للمخاطر الزلزالية في المغرب، يتناول مستوى الخطر والتعرض والخسائر المحتملة.
أما الجزائر، فتُعد من الدول العربية التي تستحق اهتمامًا خاصًا عند الحديث عن الخطر الزلزالي في شمال إفريقيا، بسبب موقعها ضمن منطقة نشطة تكتونيًا نسبيًا، وسجلها التاريخي من الزلازل المدمرة، إلى جانب وجود تجمعات سكانية ومراكز حضرية كبيرة في مناطق معرضة للهزات.
تونس.. ليست خارج الخريطة
قد لا تكون تونس في مقدمة الدول العربية من حيث مستوى الخطر الزلزالي، مقارنةً بالجزائر أو بعض مناطق المشرق، لكن موقعها في شمال إفريقيا والمتوسط يجعلها جزءًا من نطاق زلزالي لا يمكن تجاهله. وتظهر خرائط المخاطر الزلزالية تفاوتًا واضحًا في مستويات الخطر داخل تونس نفسها، كما يضع نموذج المخاطر الزلزالية لشمال إفريقيا البلاد ضمن نطاق يمتد من المغرب إلى مصر، ويشمل مناطق متفاوتة في احتمالات تعرضها للهزات الأرضية.
ولا تعني هذه الخريطة أن زلزالًا كبيرًا يقترب من تونس، كما لا يمكن استخدامها لتحديد موعد الهزة المقبلة. ما تكشفه هو صورة أوسع للخطر على المدى الطويل، من خلال تقدير احتمالات تعرض المناطق لمستويات مختلفة من الاهتزاز الأرضي. ولهذا تُستخدم خرائط الخطر الزلزالي في التخطيط العمراني، ووضع معايير البناء، وتحديد المناطق التي تحتاج إلى استعداد أكبر، بدل استخدامها كأداة للتنبؤ بموعد الزلزال.
والأهم أن الخطر لا يتوزع بالتساوي داخل الدولة الواحدة؛ فقد تكون بعض المناطق أكثر تعرضًا من غيرها بسبب قربها من مصادر النشاط الزلزالي وطبيعة التربة والخصائص الجيولوجية المحلية. لذلك، فإن السؤال بالنسبة إلى تونس لا ينبغي أن يكون فقط: "هل هي دولة زلزالية؟"، بل: أين تتركز مناطق الخطر، ومدى قدرة المباني والبنية التحتية على تحمل هزة قوية؟
المشرق العربي.. الخطر المرتبط بالفوالق
تأخذ الصورة منحى مختلفًا شرقًا، حيث يمر فالق البحر الميت، أحد أبرز التراكيب التكتونية النشطة في المنطقة، من البحر الأحمر شمالًا عبر خليج العقبة والبحر الميت، وصولًا إلى لبنان وسوريا والمناطق المحيطة. وتشكّل الحركة على امتداد هذا النظام أحد المصادر الرئيسية للهزات الأرضية في الأردن وفلسطين ولبنان وسوريا.
ولا تقف أهمية هذا الفالق عند موقعه الجغرافي، إذ تضم المنطقة الممتدة على جانبيه مدنًا وتجمعات سكانية كبيرة، ما يجعل أي هزة قوية أكثر قابلية للتحول إلى كارثة، خصوصًا في المناطق التي تعاني فيها المباني والبنية التحتية من نقاط ضعف. وتؤكد تقديرات الأمم المتحدة أن حجم الخسائر المحتملة يرتبط بتداخل ثلاثة عوامل رئيسية: قوة الظاهرة الطبيعية، وعدد الأشخاص والمنشآت المعرضين لها، ومدى هشاشة المجتمعات والبنية العمرانية.
وهنا تكمن حساسية الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين؛ فوجود المدن بالقرب من مصادر النشاط التكتوني لا يعني أن زلزالًا كبيرًا وشيكًا، لكنه يجعل الاستعداد، وجودة البناء، وتدعيم المنشآت القائمة عوامل حاسمة في تحديد حجم الخسائر إذا وقعت هزة قوية.
مصر.. خطر لا يمكن تجاهله
مصر ليست بعيدة عن النشاط الزلزالي، وإن كان مستوى الخطر يختلف من منطقة إلى أخرى. وتضع نماذج مؤسسة Global Earthquake Model (GEM) البلاد ضمن المناطق التي يمكن أن تتعرض لهزات متفاوتة، مع احتساب حجم السكان والمنشآت المعرضة للأضرار والخسائر المحتملة على المستوى الوطني.
وتزداد أهمية هذا الخطر مع التوسع العمراني والكثافة السكانية العالية في المدن المصرية، إذ لا تحدد قوة الهزة وحدها حجم الكارثة. فالمباني القائمة، وطبيعة التربة، وكثافة السكان، ومدى قدرة البنية التحتية على الصمود والاستجابة، كلها عوامل يمكن أن تضاعف الخسائر عند وقوع زلزال قوي. ولهذا تميز الخرائط الحديثة بين احتمال حدوث الاهتزاز وبين حجم الضرر الذي قد ينتج عنه على الأرض.
وبالتالي، لا تقول الخريطة إن مصر تنتظر زلزالًا مدمرًا، لكنها تضعها ضمن الدول التي تحتاج إلى التعامل مع الاحتمال بجدية، خصوصًا في المدن المكتظة والمناطق التي تضم مباني ومنشآت حيوية ذات حساسية عالية.
ماذا عن بقية الدول العربية؟
لا تتوقف الصورة عند الدول التي تظهر عادة في مقدمة الحديث عن الزلازل. فالمخاطر موزعة على أجزاء مختلفة من العالم العربي، لكن بدرجات متفاوتة وبأسباب جيولوجية مختلفة. وتضم نماذج مؤسسة Global Earthquake Model (GEM) مناطق واسعة من شمال إفريقيا والشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية، بما يسمح برسم صورة أكثر دقة لمصادر الخطر وتفاوتها من بلد إلى آخر.
وتظهر ليبيا ضمن الدول التي خضعت لتقييمات وطنية مستقلة للمخاطر الزلزالية، في حين تمتد النماذج الإقليمية لتشمل دولًا أخرى في المنطقة. وهذا مهم لأن موقع الدولة وحده لا يكفي للحكم على مستوى الخطر؛ فالفوالق القريبة، وطبيعة الأرض، وكثافة السكان، ونوعية المباني، كلها تحدد ما قد يحدث عندما تهتز الأرض.
وبعبارة أخرى، لا توجد قائمة عربية بسيطة تبدأ بـ"الأكثر خطرًا" وتنتهي بـ"الأكثر أمانًا". فحتى الدول التي لا تسجل نشاطًا زلزاليًا متكررًا قد تتعرض لهزات قوية، بينما قد يكون الخطر في دولة واحدة مرتفعًا في منطقة ومحدودًا في منطقة أخرى. وتؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من 30% من سكان المنطقة العربية يعيشون أصلًا في مناطق ذات خطر زلزالي متوسط أو مرتفع.
موجة الزلازل الحالية.. هل تحمل رسالة للعالم العربي؟
في أقل من أسبوع، أعادت زلازل قوية في مناطق مختلفة من العالم الحديث عن قوة هذه الظاهرة. ففي 10 أغسطس/آب، ضرب زلزال بقوة 7.4 درجات غرب كولومبيا، وأدى إلى مئات القتلى والمصابين وأضرار واسعة في عدد من المدن. وبعد أيام، شهد شرق إندونيسيا زلزالًا بقوة 7.7 درجات في 15 أغسطس/آب، أعقبه عدد كبير من الهزات الارتدادية، وسُجلت خسائر بشرية وأضرار في المباني والبنية التحتية.
وقد يبدو تتابع هذه الهزات وكأنه "موجة زلازل" تضرب العالم، لكن الصورة العلمية أكثر تعقيدًا. فالزلازل لا تنتقل من قارة إلى أخرى كما تنتقل العواصف، ولكل هزة سياقها التكتوني المرتبط بحركة الصفائح والفوالق في المنطقة التي وقعت فيها. لذلك، لا يمكن اعتبار زلزال قوي في إندونيسيا أو كولومبيا مؤشرًا على أن زلزالًا مماثلًا بات وشيكًا في تونس أو الجزائر أو مصر أو أي دولة عربية أخرى.
وهنا تحديدًا يجب الحذر من الخلط بين النشاط الزلزالي الحالي والخطر الزلزالي طويل الأمد. فالخرائط العلمية لا تقول إن هزة ستقع غدًا، وإنما تحدد المناطق التي يمكن أن تتعرض، وفق الاحتمالات والنماذج الجيولوجية، لاهتزازات أرضية بدرجات مختلفة. لذلك فإن وجود دولة ضمن نطاق خطر مرتفع لا يعني أن زلزالًا مدمرًا وشيك، كما أن غياب الهزات لفترة طويلة لا يعني اختفاء الخطر.
المشكلة ليست الزلزال وحده
حين تقع الكارثة، لا تكون قوة الهزة وحدها هي التي تحدد عدد الضحايا وحجم الدمار. فالمبنى الذي ينهار في ثوانٍ، والطريق الذي ينقطع، والمستشفى الذي يتوقف عن العمل، وشبكة الكهرباء أو المياه التي تتعطل، كلها حلقات في سلسلة واحدة قد تحول هزة أرضية إلى أزمة واسعة.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن المدن شديدة التحضر تكون أكثر عرضة لتحول الخطر الزلزالي الكامن إلى قتلى وجرحى ونزوح وخسائر اقتصادية. ولهذا لا تنظر نماذج المخاطر الحديثة إلى مكان الزلزال فقط، بل تضع في الحساب السكان والمباني والمنشآت الموجودة في نطاق التأثير.
وهذا ما يجعل الخرائط أكثر من مجرد ألوان على شاشة. فهي تساعد الحكومات والبلديات والمهندسين على معرفة أين ينبغي تشديد معايير البناء، وأي المنشآت تحتاج إلى تدعيم، وأين يجب أن تكون خطط الإخلاء والاستجابة أكثر جاهزية.
كلما كانت المباني أكثر صمودًا، وشبكات الطوارئ أكثر جاهزية، وفرق الإنقاذ أسرع استجابة، انخفضت احتمالات تحول الزلزال إلى كارثة إنسانية واسعة.
الخطر الحقيقي يبدأ قبل الهزة
قد تستمر الهزة الأرضية ثواني، لكن حجم الكارثة يتحدد إلى حد كبير بما كان موجودًا قبلها. فكلما كانت المباني أكثر صمودًا، وشبكات الطوارئ أكثر جاهزية، وفرق الإنقاذ أسرع استجابة، انخفضت احتمالات تحول الزلزال إلى كارثة إنسانية واسعة.
وتؤكد الأمم المتحدة أن تعزيز القدرة على الصمود، وتحسين أنظمة الإنذار والاستعداد، والاستثمار في الحد من مخاطر الكوارث، أصبحت أولويات أساسية للمنطقة العربية في ظل تداخل المخاطر الطبيعية والعمرانية.
لذلك، فإن الزلازل التي شهدها العالم خلال الأيام الأخيرة لا تقدم دليلًا على أن المنطقة العربية أمام زلزال وشيك، لكنها تطرح سؤالًا أكثر أهمية: إذا وقعت الهزة في إحدى المدن العربية، فهل نحن مستعدون للحظة التي قد لا تتجاوز ثواني؟
اقرأ أيضًا: كسوف 12 أغسطس.. هل يهدد الأرض بالزلازل والكوارث؟









