من المساعدات إلى الاندماج.. هل تتغير طبيعة التحالف العسكري الأميركي الإسرائيلي؟
14 أغسطس 2026
رصدت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير جديد تحولًا محتملًا في بنية العلاقة الأمنية بين واشنطن وتل أبيب، خلاصته أن اتفاق المساعدات العسكرية الأميركية المقبل قد يكون الأخير بصيغته التقليدية، لا لأن التحالف يتراجع، بل لأنه ينتقل إلى نموذج أعمق وأصعب تفكيكًا من التكامل العسكري والتكنولوجي والصناعي.
نهاية نموذج قائم منذ عقود
تنتهي مذكرة التفاهم الأميركية الإسرائيلية الحالية عام 2028، وتبلغ قيمتها 38 مليار دولار على عشر سنوات بواقع 3.8 مليارات سنويًا، منها 3.3 مليارات للمشتريات العسكرية و500 مليون لبرامج الدفاع الصاروخي. وصفها البيت الأبيض عند توقيعها عام 2016 بأنها أكبر تعهد منفرد للمساعدات العسكرية في التاريخ الأميركي.
بدأت مفاوضات الاتفاق الجديد في حزيران/يونيو الماضي قبل أن تتعثر وسط الحرب مع إيران وعدم اليقين بشأن شكل الاتفاق المقبل.
وتقول المجموعة إن مسؤولين إسرائيليين باتوا يتعاملون مع احتمال التخفيض التدريجي للمساعدات المباشرة، في حين يسعون إلى بناء صيغة جديدة تقوم على "اعتماد متبادل يصعب تفكيكه".
قاعدة الدعم الأميركي تتآكل
لا يمكن فصل هذا النقاش عن تحولات في الرأي العام والمشهد السياسي الأميركي. يُظهر استطلاع مركز بيو لعام 2026 ارتفاع النظرة السلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية من 43% عام 2022 إلى 62%، مع تسجيل تراجع في صفوف الحزبين وإن كان أحدّ لدى الديمقراطيين.
وأيّد قرابة نصف الديمقراطيين في مجلس النواب تعديلًا يستهدف خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل.
وترى مجموعة الأزمات أن هذا التحول، إلى جانب الاعتراض التقليدي داخل اليمين الأميركي على المساعدات الخارجية، يجعل استمرار نموذج المساعدات الحالي أقل ضمانًا مما كان في أي وقت سابق.
نتنياهو و"إسبرطة العظمى"
على الجانب الإسرائيلي، بدأ نتنياهو في إعداد الرأي العام لمرحلة مختلفة. في خطاب عُرف بخطاب "إسبرطة"، قدّم رؤية لإسرائيل أكثر اعتمادًا على قدراتها الذاتية وصناعاتها العسكرية، ثم تحدث بوضوح عن تقليص المساعدات الأميركية المباشرة تدريجيًا خلال العقد المقبل.
تراجع المساعدات العسكرية الأميركية المباشرة لإسرائيل لا يعني تراجع التحالف، فقد تحصل إسرائيل مستقبلًا على تمويل أقل، فيما تنتقل العلاقة في الوقت نفسه إلى مستوى أعمق من التكامل العسكري والتكنولوجي
لكن التقرير يُميّز بين الخطاب والواقع: إسرائيل لا تريد الاستقلال عن واشنطن، بل تريد تغيير صورة الاعتماد عليها. فهي تسعى إلى التخلص من صورة "الدولة المتلقية للمساعدات" مع الحفاظ على علاقة عسكرية وثيقة عبر الإنتاج المشترك والبحث والتطوير والتكنولوجيا المتقدمة.
شراكة بدلًا من مساعدة: ما الفرق؟
النموذج البديل يقوم على التعاون في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأنظمة الذاتية والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. وتشير المجموعة إلى "مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي" المدرجة في مشروع قانون تفويض الدفاع الأميركي بوصفها مؤشرًا على هذا الاتجاه.
لكن لهذا التحول جانبًا إشكاليًا مهمًا: تحويل العلاقة من "مساعدات" إلى "شراكة" يعني في الغالب تقليص الرقابة التشريعية، لأن مشاريع التعاون لا تخضع بالضرورة لآليات الإخطار والمساءلة في الكونغرس المرتبطة بالمساعدات الخارجية. كما قد يفتح الباب أمام شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية للاستفادة من الموازنة الدفاعية الأميركية بصورة أوسع مما هو قائم اليوم.
المفارقة الجوهرية
يخلص التقرير إلى مفارقة تقلب الخطاب الإسرائيلي رأسًا على عقب: الحديث عن الاستقلال العسكري يتزامن مع ازدياد الاعتماد الفعلي على واشنطن. فبعد سنوات من الحروب شبه المتواصلة، أصبحت مخزونات الذخيرة وإعادة تزويدها عاملًا حاسمًا في قدرة إسرائيل على الاستمرار. وينقل التقرير عن مسؤول عسكري إسرائيلي سابق قوله إن الحروب الطويلة تعتمد على القدرة على التحمل، وهذا تحديدًا ما ازداد فيه الاعتماد على الولايات المتحدة.
ويشكك مسؤولون أمنيون إسرائيليون سابقون في إمكانية أن تصبح إسرائيل "إسبرطة عظمى" مكتفية عسكريًا بذاتها، مستندين إلى قيود بنيوية تتعلق بنقص القوى العاملة والمواد الخام والطاقة الإنتاجية.
الخلاصة السياسية
التمييز الذي يرسمه التقرير جوهري هو أن تراجع المساعدات المباشرة لا يعني تراجع التحالف. قد تحصل إسرائيل مستقبلًا على أموال أميركية مباشرة أقل، لكن الطرفين قد يصبحان في الوقت نفسه أكثر اندماجًا وأصعب انفصالًا. والنتيجة المحتملة هي استبدال علاقة يستطيع الرأي العام قياسها بأرقام المساعدات، بعلاقة أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للمحاسبة الديمقراطية.









